عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
فـضـيلة الشــيخ
16 مارس 2024
سـناء البيـسى


منذ ربع قرن من الزمان بالتمام والكمال كانت لنا تجربة صحفية متفردة، نحن أسرة مجلة نصف الدنيا المفترض بأن تكون لسان حال المرأة، بعدم تجاهل دور الرجل من التركيبة البشرية الإنسانية.. هو وهى.. ومن هنا كان الحرص على صدور عشرات من الأعداد الخاصة «النصف الآخر» التى يحررها الأبناء مرافِقة وملازِمة ومكمِّلة وداعمة للمجلة الرئيسة كى تكتمل تفاحة الحياة بنصفيها، على أمل ألا يخرجنا مذاقها الشهى مرة أخرى من الجنة.. وتم ذلك بتغطية شاملة لجميع أدوار الرجل ومهامه ومواقعه ومناصبه، فكان هناك على سبيل المثال عدد عن العازب والمثقف والفارس والقاضى والبرلمانى والمخرج والممثل والموسيقار والمطرب والأديب والناقد والرياضى والدبلوماسى والطبيب والعسكرى.. و..فضيلة الشيخ.



تُوِّج عدد فضيلة الشيخ من «النصف الآخر» بلقطة نادرة لفضيلة الإمام محمد متولى الشعراوى يبدو فيها ضاحكًا من القلب مرتديًا البدلة والكرافتة أثناء زيارة له فى لندن والرأس الجليل قد غزاه مقدم المشيب.. صورة لم تتكرر كثيرًا فى حياة مولانا، لكنها تقول الكثير.. الكثير جدًا.. تفصح أن الشيخ ليس بالعمة والكاكولة وإنما بالعقل والعطاء، بالعلم والإيمان، بالدعوة والدعاء، بالقرآن والفرقان، بالحديث والسُنَّة، بالفقه والتفسير، بالفتوى والشرع، بالفكر والفيض، بالقسط والميزان، بالحِكمة والموعظة الحسنة، بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، بالروح والعقيدة، بالصلاح والإصلاح، بالصراط والطريق المستقيم، باليقين، بالبصيرة والالتزام، بالإسلام.. لقطة نادرة تقول: إن الشيخ الشعراوى كان نموذجًا لرجل الدين السمح الودود غير المتزمت، وكم من مشايخ الهداية واليقين لم يرتدوا العمامة فلم يحلُ ذلك دون أن يضعهم ربهم فى مصاف الملائكة فى شهادتهم له بالتوحيد، مصداقًا لقوله تعالى: «شهد اللـه أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط»..






التقى الورّع الشعراوى بالزى الأزهرى أو بالكرافتة والبدلة قد منحه اللـه علمًا واسعًا ليغدو من أولى الألباب. من أولى النهى. من أولى الأبصار. من قوم يتفكرون ويعقلون ويعلمون ويوقنون.. قرأ القرآن وفسّره لنا كتابا فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون.. الأستاذ الكبير والعالم المبجل «قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون».. لقد قال «الحق» ــ وهو اسم من أسماء اللـه الحُسنى سكن قلبك وأنار بصيرتك وشرح صدرك لينطق به لسانك دومًا فى كل حديث ــ: «إنما يخشى اللـه من عباده العلماء».. صاحب الوجه الضحوك المستبشر خيرًا، المهنئ لأفراحنا، المواسى لجراحنا.. الناصح الأمين لنا: «من تأته الأحزان يجب أن يغلق باب الحزن ولا يبقيه مواربًا كى لا يدخل منه المزيد من الأحزان وتتوالى عليه، ولا شىء يغلق باب الحزن إلا الرضا بقضاء اللـه».



الشيخ الشعراوى من روى لنا عن القضية الفلسطينية كما تحدث عنها المولى عز وجلّ فى كتابه العزيز بانعدام الهوية الوطنية للإسرائيليين «وقلنا من بعده لبنى إسرائيل اسكنوا الأرض».. لقد اختار المولى لفظ «اسكنوا» ولم يحدد مكان السكون أو الإقامة ليظل اليهود مشردين مبعثرين مقطعين فى الأرض حتى أتت جنود من جنود الباطل وأرادوا أن يقيموا لهم وطنا، فأقاموا فى فلسطين، فإذا ما اعتقد المسلمون أن هذا الاحتلال نكاية لهم فهذا اعتقاد خاطئ لأن اللـه أراد أن يجمعهم فى قطعة أرض واحدة ليضربهم المسلمون الضربة الإيمانية القاضية بجنود موصوفين بأنهم «عباد اللـه» ولو ظل اليهود مشتتين فى أنحاء الأرض فلن يستطيع المسلمون مداهمتهم والدليل على ذلك قوله تعالى «فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا»، وأشار الشعراوى إلى أن فكرة التجمع التى نادى بها بلفور وأيدتها بريطانيا وأمريكا وجميع الدول المعادية للإسلام هى فى الحقيقة خدمة لقضية الإسلام، وذلك بعدما كانوا مبعثرين يسكنون الأرض جميعها ولا نستطيع تتبعهم فى كل مكان.. لقد تجمعوا فى مكان واحد إيذانًا بنهايتهم فى بيت المقدس كما بشر القرآن والحديث..



ولقد كان الشيخ الشعراوى أحد أركان مربع الفرسان الأفذاذ الذين أنجبتهم الأمة الإسلامية فى تاريخها الطويل ليرحلوا متقاربين فى توقيت المغادرة ــ الشيخ الشعراوى والأستاذ خالد محمد خالد والشيخان جاد الحق على جاد الحق ومحمد الغزالى ــ لتنطفئ فى فضائنا منارات ما برحت ليومنا تشع نورًا وهدى مما تركوه من علم وتراث ينفع الناس.. ولقد استهل الشيخ محمد الغزالى بداية صفحات عدد «النصف الآخر» تحت عنوان «فضيلة الشيخ» الذى جمع عشرات الحوارات مع أعلام المشايخ فى مصر وقتها، ومن كان منهم قد رحل تم اللقاء الثرى مع الأبناء والمريدين ليخرج عددًا مرجعيًا مضيئًا فى جبين الصحافة المصرية.. عن الغزالى أنه كان داعية من الطراز الأول، وخطيبًا لا يشق له غبار، وفقيهًا راسخ القدم، ومجددًا ومُصلحًا عالى الهِمة وبالغ الجسارة وفارسًا ومجاهدًا ومقاتلا لم ينزل يومًا من فوق صهوة جواده، وما ترك القلم من يده إلا لحظة سقط منه حين انتابته الأزمة فى مهرجان للجنادرية لتصعد روحه إلى بارئها، فضلا عن ذلك فقد كان أديبًا رفيع المستوى وذواقًا عظيما للشعر قديمه وحديثه.. وهو فى ذلك كله كانت له جُرأة الأسد وقلب عصفور وروح الفنان.. يسألونه يومًا عن سر ذاكرته التى جعلته يحفظ عن ظهر قلب خصوصا بلا حصر، كمًا هائلا من أبيات الشعر وقصائده للأقدمين والمحدثين، حتى لقد كان حافظًا لديوان الحماسة بالكامل لأبى تمام، وإن كان دائم الاستشهاد بأبيات المتنبى، ولم يكن يعجبه فى المحدثين غير أحمد شوقى.. يضحك الغزالى ليقول إن له مع الحفظ قصة طريفة، فحين بدأ الدراسة بالأزهر فى أواخر العشرينيات لم يكن يملك ما يشترى به الكتب المقررة، فحل مشكلته عن طريق الالتحاق بفصول العُمى، الذين كانوا يعتمدون فى التحصيل على الحفظ والذاكرة، ولأنه قضى عدة سنوات فى تلك الفصول ويستخدم ذاكرته فقط، فقد نمت لديه فى وقت مبكر القدرة العالية على الحفظ لتستمر معه حتى آخر سنى عمره..



المقاتل الجسور فى سبيل الحق كان رقيق القلب سريع البكاء خاصة عندما يتطرق فى حديثه إلى عظمة اللـه وعبقرية إدارة الكون بأفلاكه ومجرّاته وذرّاته، فيستبد به التأثر ليتساقط دمعه غزيرًا، وفيما يروى عن نفسه أنه حين يؤلف عن الجانب العاطفى فى الإسلام وعن فن الذِّكر والدعاء، لا يستطيع أن يتحكم فى انفعالاته، لتظل دموعه تختلط بمداد قلمه الذى يكتب به، حتى يضطر إلى إعادة كتابة صفحات كثيرة يبللـها الدمع ويطمس معالمها..



الغزالى السمح.. من قال: أكره أصحاب الغلظة والشراسة، ولو كان أحدهم تاجرًا واحتجت إلى سلعة عنده ما ذهبت إلى دكانه، ولو كان موظفا ولى عنده مصلحة ما ذهبت إلى ديوانه، لكن البلية العظمى أن يكون إمام صلاة أو خطيب جمعة أو مشتغلا بالدعوة، إنه يكون فتنة متحركة متجددة يصعب فيها العزاء، وإذا لم يكن الدين خلقًا دمثًا ووجهًا طليقًا، وروحًا سمحة، وجوارًا رحبًا، وسيرة جذابة فما يكون؟!!



وحول المسبحة والتسبيح يروى الشيخ الغزالى: «أهدانى رجل طيب مسبحة فاخرة لأختم بها صلواتى فتقبلتها شاكرًا ثم عدت إلى بيتى وأهديتها إلى حفيدة لى، وبعد أيام قال لى الرجل: لم أرك تستخدم المسبحة المهداة؟ فقلت له: إننى أقدِّر جميلك، ولكن الأذكار المطلوبة فى أعقاب الصلوت لا تستغرق غير دقيقتين أو ثلاث فأوثر استخدام أصابعى ولا حاجة إلى جهاز إحصاء.



ــ وتبعًا لفهرسة عدد «فضيلة الشيخ» من «النصف الآخر» كان فى المستهل الحوار مع الشيخ نصر فريد واصل مفتى الديار فى الفترة ما بين ١٩٩٦ حتى ٢٠٠٢ الذى فتح فيه قلبه للابن عطا عبدالعال من أنه كان يحلم بأن يكون مهندسًا ولم يكن أبدًا من أحلامه أن يدرس الدين أو أن يكون مفتيًا، وأن أمه ندرته للـه بعد رؤيا رأتها فى المنام «لقد وهبتك وأنت فى بطنى إن جئت ذكرًا فسوف تكون للسيد البدوى»، وحاولت أن أُخبرها بأن هوايتى الهندسة والرياضيات، ولكنها أصرت قائلة: خلاص… فأطعتها على الفور، ولم تخبرنى بهذه الرغبة إلا قبل موعد القبول فى معهد سمنود الدينى بستة أشهر فقط، وكان من ضمن شروط القبول حفظ القرآن كاملا حفظًا وتلاوة وتجويدًا فى تلك الفترة القصيرة، فبدأت بحفظ قرابة ربعين فى اليوم الواحد من صلاة الفجر لصلاة العشاء، واجتزت الامتحان لتفرح الوالدة فرحًا عظيمًا.. وفى خاتمة حوار المفتى كان قوله «أتمنى أن نكون جميعًا أخوة متحابين نصل بعلم الدنيا إلى عنان السماء، وبعلم الدين إلى اللـه سبحانه وتعالى، وعندما يلتقى العلمان معًا تدين لنا الحياة ولا نتخلف أبدًا».



ــ واجتمع الدين والعلم فى عقل الصغير وقلبه الذى أعدته أسرته ليكون داعية إسلاميا منذ نعومة أظافره، وبين الساحة الهاشمية وجلسات العلم والعلماء تكونت عقليته وفكره المستنير ليستطيع الصغير أن يُلقى أول خطبة للجمعة وهو فى سن الحادية عشرة، وتابع مشوار الدعوة والتدرج فى التعليم ليصل إلى أعلى درجات العلم ليشغل منصب رئيس جامعة الأزهر فى عام ١٩٩٥.. الدكتور أحمد عمر هاشم صاحب الـ٦٢ مؤلفًا من بينها المسرحيات الشعرية.. «أصحاب الجنة» و«نهج البردة» ١٨٠ بيتا، وأغلفة كتب تضم معرفة فى التفسير والحديث والشفاعة والاقتصاد وأسماء اللـه الحسنى.. معانيها وأسرارها وكتابًا عن «الإمام الشعراوى مفسرا وداعية».. يوم حواره للنصف الآخر مع الابنة عزيزة فؤاد قال شعرًا فى حب المصطفى جاء فيه:



والعرش تحتك سدة وقوائما حاشا لغيرك موعد ولقاء



وبالأمس القريب نصح د. أحمد عمر هاشم فى مداخلة برنامج «مع قصواء» بالاستكثار فى رمضان من 4 خِصال وهُما خصلتين ترضون بهما ربكم بشهادة ألا إله إلا اللـه ويستغفرونه، وخصلتان لا غنا عنهما فتسألون اللـه الجنة وتستعيذون به من النار.



ــ ورغم أنه من علماء الدين المعروفين فى مصر فإن شهرة الشيخ أحمد المحلاوى قد ذاعت فى العالم كله عندما اختصه الرئيس الراحل أنور السادات بالهجوم والوعيد فى خطبته الشهيرة التى تلت اعتقالات سبتمبر ١٩٨١ والتى كان أحد المعتقلين فيها.. التقته الابنة أمل فوزى بعد أن تعدى الخامسة والسبعين لتجده محتفظًا بقوته وصلابته فى دفاعه عن الحق والإسلام ضد دعاة الظلام، والذين يستخدمون أهوال القيامة وعذاب القبر ومس الجن والشياطين لترهيب الناس من الإسلام وتحويله إلى دين سلبى.. المحلاوى إمام جامع القائد إبراهيم بالاسكندرية لأكثر من ٢٠ عامًا الذى توسع فى نشاط الجامع عندما أشار عليه بعض أساتذة كلية الطب بأن بها عجزا كبيرا فى الأجهزة والميكروسكوبات، فقرر توفير دروس خاصة للطلبة مع شراء كافة الأجهزة اللازمة لدراستهم فى الجامع، ولم يلق بالا بالانتقاد والهجوم خاصة عندما قام بتحويل حجرته الملحقة بالجامع إلى حجرة للتشريح، حيث وضع بها الجثث المحفوظة فى الفورمالين ليدرس عليها الطلاب، وكان يُقيم الحفلات ويوزّع الجوائز على الأوائل، واقنع الأطباء الذين يحضرون للتدريس فى الجامع بفتح مستوصف لعلاج الفقراء مع فصول لمحو الأمية، ونجحت التجربة لتعم فى جوامع كثيرة أصبحت تضم جمعية لتقديم الخدمات لفقراء الحى، وكانت نقطة سيدى جابر ترسل للجامع المتخاصمين ليقوم الجامع بفض المنازعات.. وتسأل المحاورة الشيخ المحلاوى عن مدى متابعته للتليفزيون فتكون وصيته: فى رمضان أوصى الناس أن يغطوا الشاشة بملاءة حتى ينتهى الشهر الفضيل، ولا يشغلهم شىء عن ذِّكر اللـه، ولكننى فى الأوقات الأخرى أتابع الكثير من الأفلام والبرامج والمسلسلات وأحب سماع أم كلثوم وعبدالوهاب خاصة فى القصائد، حتى القصائد الغزلية على أن يكون كـلامها عفيفا وليس مبتذلا.






ــ ويذهب الابن عمر طاهر إلى طنطا للبحث عن آثار الشيخ سيد النقشبندى المنطلق من كل مكبرات الصوت والمحلات والبيوت قبل آذان المغرب بساعتين كاملتين فى رمضان. الصوت الملىء بالأسرار التى ما إن ينفتح حتى تخرج منه مئات التفاصيل التى تشبهه ويشبهها.. مقاهى باب اللوق.. رائحة العطارة فى حوارى الحسين.. إيقاع دقات الشاكوش على صوانى الفضة فى خان الخليلى.. قباب خضراء.. وحمام أبيض.. وأحبة تفتقدهم بشدة! اللقاء مع أحمد النقشبندى أكبر أحفاد الشيخ سيد الذى كان يُسميه «ربابة جده».. يروى الحفيد بداية مشوار الجد الجاد فى عام ١٩٦٨ عندما أصبحت إدارة الإذاعة فى يد صفية المهندس التى جعلت الدعاء الذى يقدِّمه شيخنا برنامجا ثابتا فى رمضان عقب آذان المغرب مباشرة ليصبح أحد ملامح البرنامج العام، ولأنه أنشد فى معظم البلاد العربية، وكان الوحيد الذى أنشد فى المسجد الأقصى طلبه الرئيس السادات ليُحيى مأتم والده فى «ميت أبوالكوم» ولزفاف ابنته على أن يبدأ الحفل بما يفضله من ابتهالات، وبعد الفرح أصدر السادات أمرًا بأن يُلحن بليغ حمدى أدعية دينية ليقدمها النقشبندى بصوته، وأمر بأن يتم إخلاء استوديو التسجيلات الرئيسى فى الإذاعة لمدة شهرين لهذه المهمة على ألا يخرج بليغ والنقشبندى من الاستوديو إلا بعمل فنى يكسر الدنيا.. وقد حدث.. بعدها عرضت عليه أم كلثوم مشروعا كبيرا بأن يقدما سويا سيرة الرسول صلى اللـه عليه وسلم غناء، لكن القدر لم يمهلها لتنفيذ هذا المشروع الملائكى.. وكان له معجبون كثيرون من الفنانين منهم وردة وعبدالحليم حافظ الذى كان يحرص على الجلوس معه والاستماع لأغنياته بصوت النقشبندى الذى كان يحلو له على الدوام أن يغنى «لايق عليك الخال».. وحول موهبة صاحب الدعاء «سبحانك ربى سبحانك» قال الموسيقار عمار الشريعى لعمر طاهر بعدما لحن له الدعاء الشهير «اللـه.. اللـه.. لا إله إلا اللـه»: لم ألحن له فقط بل شاءت الظروف أن نعمل سويًا فى ألحان للأستاذ إبراهيم رجب، وكنت أنا الفرقة بمفردى، وكنت أغنئ وراءه ــ كنت البطانة يعنى ــ وأول ما يتميز به صوته اتساع المساحة، متناسقًا وعريضًا وعندما يعلو، أو بلغة الموسيقى «يطلع فوق» لا تستطيع إلا أن تقول له «اللـه»، كانت معلوماته الموسيقية غير واسعة بمعنى أنه لا يستطيع أن يُميز بين مقام الرصد أو الحجاز، لكن فطرته الموسيقية كانت سليمة ولا يقوم بالنقل من مقام لمقام.. كانت النوتة تحت لواء النقشبندى تتأرجح حسب إرادته بدءا من الرصد.. إذا وجد صوته عاليا عليه بفطرته ينزل بصوته حتى «يتوسطن» ويأخذ مساحته ويغنى دون أن تلاحظ الأذن ذلك.. وكان النقشبندى يقرأ فى ظهر الجمعة فى مسجد التليفزيون وبعدما انتهى من عمله فى ١٤ فبراير ١٩٧٦ توجه إلى شقيقه بميدان العباسية وأعطاه ورقة صغيرة وقال له «لا تفتحها إلا وقت اللزوم».. ثم رجع لطنطا، وعندما نطق بالشهادتين فى المستشفى وأغمض عينيه فتح الشقيق الورقة التى أعطاها له قبلها بيوم واحد ليجده قد كتب: «سأموت ظهر غد.. لا تقيموا مأتما واكتفوا بنشر نعى فى الصحف وادفنونى فى العنوان التالى.. فى العنوان المذكور وجدوا مقبرة جاهزة بلوحة رخامية تحمل اسم الشيخ سيد كان قد انتهى من سداد ثمنها قبل وفاته بأسبوع!



ــ فى أيامنا هذه تلمع بعض الأسماء الشابة فى عالم قراءة القرآن الكريم على رأسها خمسة أسماء أصبح لها صيت ودوى أولهم الشيخ إسلام صبحى ومن بعده عبدالرحمن مسعد، ويليه حمزة أبوزيد، ويليه شريف مصطفى، ثم طارق محمد.. وبالأمس البعيد كان هناك صاحب الصوت الذى صدح فى المسجد الأقصى وهو لم يزل ابن الثامنة عشرة حين سافر إلى القدس عام ١٩٤٠ بدعوة من إذاعة الشرق الأدنى التى كان مقرها فلسطين فتعاقدت معه لمدة ثلاثة أشهر، وكان يقرأ صلاة ظهر الجمعة وتنقلها إذاعتا الشرق الأدنى والقدس على الهواء مباشرة.. الشيخ أبوالعينين شعيشع «٢٢ أغسطس ١٩٢٢ ــ ٢٣ يونيه ٢٠١١» نقيب قراء مصر الذى حفظ القرآن وعمره ١١ سنة وسمع عنه ناظر المدرسة الأستاذ منير جرجس فقرر أن يكون المقرئ الرسمى بطابور الصباح، وفى تلك السن الصغيرة كان يطلب للقراءة فى المآتم والأفراح، ومن خلال سماعه لصوت الشيخ محمد رفعت من راديو العمدة الذى يضعه على الشباك ليجتمع الأهالى للإنصات للمقرئ الكروان تعلق بصاحبه ليقوم بتقليده بامتياز حتى استعانوا به فى الإذاعة لتكملة بعض الآيات فى تسجيلات الشيخ رفعت والتى بها رداءة فى التسجيل، وكان الصوتان متقاربين لدرجة عدم التمييز بينهما لأرهف الآذان إنصاتًا، وفى سن الـ٢٢ سنة بدأ يتخذ لنفسه مسارًا حتى لا تنصهر شخصيته فى الراحل الشيخ محمد رفعت.



وفى ليلة القدر من عام ٤٢ كان الشيخ ومعه عبدالفتاح الشعشاعى يحييان ليالى رمضان بقصر عابدين فجاءهما رئيس الديوان وأخبرهما بأن الملك فاروق قد قرر منحهما وسامين رفيعين.



ويسأل الابن عبدالفتاح منصور عما إذا كان الشيخ مستمعًا للموسيقى فتأتى إجابته الشافية: ولماذا لا أسمعها، ده أنا أول ما حضرت للقاهرة صادقت رياض السنباطى الذى عرفنى بالراحل سعيد باشا لطفى مدير الإذاعة الذى أعطانى العديد من اسطوانات الموسيقيين العالميين أمثال بيتهوفن وشوبان وتشايكوفسكى ولا يمر بى وقت دون سماعى للسيمفونية التاسعة لبيتهوفن التى عزفها بموهبة فريدة لرجل أصم، وكان الأستاذ عبدالوهاب صديقا مقربًا، وأم كلثوم التى كانت سببا فى عودتى للإذاعة التى تركتها ذات مرة وطلب منها قاسم بك مدير الإذاعة أن تتوسط لعودتى فاستجبت لها.. أنا سميّع مُجيد للأغانى التى لها معنى وهدف، وأجد فى ألحان السنباطى ما يشجينى، ومن الفنانين الجدد أسمع الحجار وهانى شاكر ومحمد ثروت ومحمد الحلو وأنغام وغادة رجب وميادة الحناوى ولا ننسى فيروز فى كل مقام وإن كنت لم أدرس الموسيقى دراسة أكاديمية بل درستها سماعى مع رياض السنباطى الذى كنت أعلمه القرآن وهو يعلمنى كيف أنتقل من البياتى للحجاز للنهاوند للسيكا.. الخ، وحول أكبر أجر للشيخ أبوالعينين كان فى مأتم ملك بغداد، وفى ليالى رمضان فى قصر المشرف عند الأمير عبداللـه المبارح الصباح ولى عهد الكويت فى الستينيات زوج الشاعرة سعاد الصباح، وكان يريد إهدائى سيارة لكنى قلت لسكرتيره السيارة عندى، فمنحنى مبلغا كبيرا للغاية كان السبب فى بناء البيت الذى نجلس فيه الآن.



ــ ويتوَّج عدد «فضيلة الشيخ» الحديث عن شيخ القراء فى عالم تلاوة المصحف الشريف الشيخ الراحل مصطفى إسماعيل (١٧ يونيه ١٩٠٥ ــ ٢٦ ديسمبر ١٩٧٨) صاحب الحنجرة السماوية التى جعلته مقرئ الملك فاروق، ومقرئ مصر كلها الذى كرَّمه الرئيس جمال عبدالناصر وذهب مع الرئيس السادات إلى القدس، وظل مقرئ الأزهر على مدى أكثر من ثلاثين عاما حتى وفاته، وتسمعه قبة الصخرة وأركان المسجد الأقصى وساحته وفلسطين..



وينال الشيخ مصطفى إسماعيل فى عيد العلم ١٩٦٥ نفس الوسام الذى حصل عليه كل من الدكتور طه حسين وفكرى أباظة وأم كلثوم وعبدالوهاب، وفى العام نفسه يُعلق له على صدر الكاكولة تقى الدين الصلح رئيس وزراء لبنان وقتها أعلى أوسمة لبنان.. وسام الأرز، ويروى الابن عاطف مصطفى اسماعيل للابنة جيهان مصطفى عن بدايات والده مع الإذاعة التى كان له منها ثلاثة مطالب: أولها القراءة لساعة كاملة، والثانى أن تتم التسجيلات فى المساجد، والثالث أن يكون أجره خمسين جنيها فى القراءة الواحدة، وأبدًا لم يكن يريد خمسين ولا ستين، ولكنه أراد الخلاص من الإلحاح من جهة، ومن جهة أخرى أن الإذاعة كانت تدفع للمونولوجست شكوكو فى مونولوج حدرجى بدرجى خمسة وثلاثين جنيها، بينما تدفع للشيخ محمد رفعت اثنى عشر جنيها، وللشعشاعى أقل من ذلك، وللبقية أمثال الفشنى وعبدالعظيم زاهر وشعيشع أقل من الأقل.. وتسأله أم كلثوم: انت تعلمت المزيكا فين يا مولانا؟! فيجيبها نافيًا علمه بالموسيقى، فتعود لتستجوبه باندهاش: ألم تعزف يوما على أوتار عود أو تداعب أصابعك البيانو؟!.. فيرد صادقا بعفوية: لا.. أنا عرفت المقامات من السميّعة، فكلما أقرأ آية أسمع واحد يقول يا حلاوة الصبا.. يا مش عارف إيه النهاوند.. إنها الفطرة التى همس بها محمد عبدالوهاب لعاطف الابن الأكبر للشيخ: كان والدك يتمتع بمقدرة فائقة فى تركيب السلالم الموسيقية.. أبوك كان يا ابنى عبقرى.. زمان كان يحيى ليالى رمضان عند المللك فاروق، وكنا نأخذ عربية علشان الناس متعرفش احنا رايحين نسمع مين لأنهم كانوا بيتلموا حولنا بشكل غير عادى.. أنا كنت حريصا على سماع أبيك كل ليلة.. أروح أسمعه وأتعجب.. أربعين سنة فشلت فى أن أضبط ودنى مع صوته، لأنه كان عنده عنصر المفاجأة فى كل آية من البداية للنهاية، فإذا ما حاولت اللحاق بصوته يفاجئك حتى فى تكراره للآيات، ويكفينا سماعه فى قوله تعالى «الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة.. كذبت ثمود وعاد بالقارعة» عندها نكتشف عظمة الأداء والمفاجآت، وننصت ونتذكر ونسبح فى ملكوت اللـه مع الصوت الذهبى العذب يردّد «قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب».



ــ ولا يخلو عدد «فضيلة الشيخ» من حوار أجراه الابن حسن عبداللـه مع الشيخ عبدالحميد كشك قبل رحيله.. شيخ الغلابة الذى كتب أكثر من ١١٥ كتابا أهمها «تفسير القرآن» الذى أودعه خلاصة فكره ودعمه بالأبحاث فى كل المجالات التى لها صلة بمعانى الآيات، وإن كانت معظم كتبه الأخرى مجرد تفريغ لشرائط الخطب التى كان يُلقيها وفيها نقد لاذع وقفشات مضحكة كالبكاء منها عندما عاب على المطربة شادية تأخرها مع ابن عمها خارج المنزل حتى غاب القمر معاتبًا: وإيه اللى خلاك تتأخرى معه إلى هذا الوقت يا مضروبة! وزمجر رافضًا قول عبدالوهاب: جئت لا أعلم من أين ولكنى أتيت.. وجايين الدنيا مانعرف ليه ولا رايحين فين.. قال رجل عمره تسعون عاما لا يعرف من أين جاء وكيف ولماذا؟!! عيب يا عبدالوهاب.. ويروى عن نفسه أنه استيقظ من النوم مفزوعا على هدير جماهير غفيرة تهتف فسأل: هل تحررت فلسطين والحمد للـه؟ فقالوا له: لأ ده حسام حسن جاب جون فى مرمى الزمالك والأهلى أخذ الدورى! الشيخ عبدالحميد كشك ظاهرة رافدها الأساسى المواطن العربى الساعى إلى جلد ذاته والمتفنن فى ابتكار وسائل التنفيس عن عجزه.. لا شىء يستحق التعليق فى منزل الشيخ كشك اللـهم إلا الشيخ نفسه ومكتبته الضخمة جدًا، وابنه عبدالرحمن الذى يُلقى السلام ويقفز جالسا فى حضن أبيه الذى لم يتركه يفعل ذلك بسلام.. قال: عندى سبعة أولاد وهذا ثامنهم كلبهم.. المنزل بسيط للغاية وبلا أثاث تقريبا، وتمتد فيه الأكلمة البلدية التى تعرّى أكثر مما تغطى، ولم تزل الكنبة الاسطمبولى هى صالون الشيخ كشك.. يسأله حسن بأنه متهم باستغلال المنابر فى التعريض بالناس وتجريح الفنانين، والهبوط بأسلوب الدعوة إلى اللـه إلى درجة متدنية، فيجيب الشيخ كشك: أعلم وفقنى اللـه وإياك أن الناس نيام ويحتاجون إلى من يُوقظهم وينبههم إلى دين اللـه.. إن دورنا كدعاة هو خلق حركة دينية تجدّد شباب الأمة وتقودها إلى حيث النهوض، والذى يتهمنى هذه الاتهامات لا يفهم ما أقول، وما أقوله عن الفنانين فهذا ليس بتجريح، ولكنه توجيه وإرشاد، لأن هؤلاء يمثلون أعلى الأصوات فى البلاد، وإذا كنت قد تحدثت عن كلمات بعض الأغانى فأن الكلمة لها وقعها، فإذا كان عبدالحليم حافظ يصف القدر بأنه أحمق، فهذا خروج على الإسلام ومنهجه القويم، لماذا لا نعوِّد آذاننا على سماع الكلمة النظيفة.. إن الإسلام هو النظافة.. ويعود حسن ليسأل الشيخ كشك.. وما الذى يضير الإسلام إذا ما أعلن عبدالحليم أنه يتنفس تحت الماء؟ فيأتيه الرد: إنها معان كاذبة على أصل مرفوض من الأساس، والأهم أن عبدالحليم حافظ ليس سمكة ولم يكن غطاسا، أو معه جهاز أوكسجين يعينه على التنفس من تحت الماء كى يقول ذلك، وإذا ما قلت إنها مجرد أخيلة شعرية أو مجاز فلا يلجأ من الحقيقة إلى المجاز إلا إذا قامت قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلى وعبدالحليم عندما يقول ذلك فهو غير صادق.. وفى الرد على أفضل ما أسمعه فهو الشيخ محمد رفعت وهو يرتل من سورة الرحمن، فإنه يُخيَّل إلىّ وهو يقرؤها كأنما ينتقل فى روضات الجنة ليشرح ما فيها من نعيم مقيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد عوّدت أذنى ألا تستمع إلاّ إلى الخير حتى لا تنحرف، ومن ثمَّ فإن اللـه تبارك وتعالى جعل هذه مسئولية فى قوله: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا»..



الشيخ كشك الذى يعرف مكان كل كتاب فى مكتبته ويستدل على كل سطر فيه لم يولد كفيفًا، وإنما كان مبصرًا حتى السادسة إلا أنه أصيب برمد، وبسبب حلاق الصحة فقد عينه اليسرى، فوجههُ والده لحفظ القرآن والتحق بمعهد الاسكندرية وكان ترتيبه الأول دائمًا، ثم فقد عينه الأخرى فى العاشرة فزاده ذلك تصميمًا وحقق انتصارا كبيرا بنجاحه فى الثانوية الأزهرية بمجموع ١٠٠٪ ثم حصل على الشهادة العالية «الليسانس» بمجموع ٩٠٪ لسوء خط من يكتب له.. وكرّمه عبدالناصر فى عيد العلم فى ديسمبر ١٩٦١ لتفوقه ونبوغه لكن صدر أمر باعتقاله سنة ١٩٦٦ بسبب انتقاداته اللاذعة فى خطبه، ثم أفرج عنه عام ١٩٦٨ ليعود للخطابة وتنتشر شرائطه التى لم يتقاض عنها مليما.



ــ وفى عام ١٩٩٩ كان الدكتور على جمعة أستاذا لأصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، والمستشار الأكاديمى للمعهد العالمى للفكر الإسلامى، وعضو لجنة الفتوى بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية والمشرف الشرعى على مشروع ادخال السُنَّة بالكمبيوتر وعضو اللجنة الفنية بمجمع البحوث الإسلامية.. كتبت يومها عنه الابنة هناء نجيب فى عدد «فضيلة الشيخ» بأنه شيخ عصرى، يجرى فى التراك ويلعب التنس، ويعتبر العمة والجبة زيًا ارستقراطيا يحتاج إلى عناية خاصة، وخرجت من حوارها معه بأنه من أنصار ربط الدين بقضايا العصر وتغير الفتوى حسب الزمان والمكان.. عندما سألته فيما إذا كان هناك ارتباط بين الشيخ والعمامة أجابها: أرى أن زى الشيخ التقليدى زى ارستقراطى ويحتاج إلى خدمة، ولكن مع صعوبة المواصلات وقلة الخدمة فى عصرنا اتجه الشيوخ لارتداء الأزياء المألوفة، وأنا مثلا أرتدى الجبة والعمامة فقط يوم الجمعة عندما ألقى خطبة الجمعة فى مسجد السلطان حسن، أو فى الخارج لتمثيل مصر فى المؤتمرات الدينية الدولية.. وتسأله عن هوايته للعبة التنس فيجيبها بأنه بدأ ممارستها فى نادى بنى سويف الرياضى بلده وكان عمره ٩ سنوات عندما اشترى له والده مضربًا للتنس بجنيه ونصف ليظل يمارسها طوال سنوات بنادى الصيد... وحول المسلسلات الدينية فى الإذاعة والتليفزيون قال د. على جمعة: إن العمل الجيد فيها أصبح عملة نادرة، وفى نصيحته للشباب أن يأخذوا بـ«فاسألوا أهل الذِّكر» بمعنى يجب السؤال فى الدين لدى العلماء سواء فى الأزهر الشريف وأساتذة دار العلوم فهؤلاء هم أهل الثقة لتقديم المشورة الصحيحة حتى لا يقع من يسأل فريسة للمغرضين.. وحول القضية الفكرية التى كانت تشغله وقتها هى كيفية نقل الدين الإسلامى لمن يأتى بعدنا، فأول ما فكرت فيه على سبيل المثال هو كيف تم تحديد مواقيت الصلاة، ومن الذى كتبها فى النتائج والأجندات السنوية، وبعد بحث دقيق عرفت أن قسم الچيولوچيا بالمساحة المصرية هو الذى كتبها.



وتضم الأسئلة لمن يصبح فى الغد مفتى الديار المصرية حول العِصمة التى تكون فى يد الزوجة، فيُجيبها بأنها جائزة باتفاق الفقهاء مع توضيحى بأنها عندما تكون فى يدها تستطيع أن تطلِّق نفسها، ومن حق الزوج أيضًا إتمام الطلاق على غير ما تُظهِّره أفلامنا العربية بأنه لا يستطيع وهذا غير صحيح.. وحول مفهوم زواج المسيار يقول إن معناه بأن يتزوج الرجل امرأة تتنازل عن حق مبيت الزوج عندها، وجاءت كلمة «مسيار» بمعنى أنه عندما يسير الرجل فى طريقه يمكنه أن يمكث لدى تلك الزوجة يومًا أو أسبوعًا أو شهرًا كما يحلو له، وهو يُسمى بـ«زواج المتعة» وهو شائع بين الرجال الذين لديهم مهنة التنقل من مكان لآخر ومن بلد لبلد!