عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
المسألة الإسرائيلية «12»
2 مارس 2024
خالد عكاشة


منذ إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، جرت فى نهر الأردن مياه كثيرة، مثلما ضربت شواطئ فلسطين المحتلة أمواج من الأحداث، باتت اليوم مع حجمها المثقل بالحروب والمعاهدات واتفاقيات ما بين أطراف، وعشرات القرارات الدولية الإلزامية أصعب من أن يحصيها أحد. لكن الثابت أن حصادهاأفضى فى النهاية لتشكل واقعا، أعقد كثيرا مما دار بخلد الآباء المؤسسين لحلم «دولة إسرائيل»، وعندما تتجمع تلك العقد بجوار بعضها البعض وتتراكم، ربما لا تترك مكانا أو إمكانية للتراجع من أجل إيجاد واقع أفضل، حتى ولو بهدف الوصول إلى لحظة «استفاقة» آمنة، لا تتناقض كليا مع الحلم الذى صار كابوسا. فهذا الأخير لم يخلف سوى أسئلة الجدوى من كل ما جرى، طوال العقود الماضية بين التأسيس 1948 واللحظة الراهنة، وهى بالمناسبة أسئلة التخبط فى غرفة المرايا المقعرة، التى ستقود إسرائيل حتما إلى السؤال الوجودى الحاكم عن مشروعية التأسيس والفرص المتاحة مستقبلا للتمسك بهذا الحلم!



الأرض الممتدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، التى تشمل دولة إسرائيل الحالية، والأراضى الفلسطينية المحتلة عام 1967التى تتكون من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، يعيش عليها وفق أحدث التقارير الدولية والحقوقية قرابة (6.8 مليون يهودى إسرائيلي)، جنبا إلى جنب مع (6.5 مليون فلسطيني). القوة الوحيدة الحاكمة على هذه الأرض هى دولة إسرائيل، مع استثناءات محدودة للغاية يطلق عليها «حكم ذاتي» فلسطينى فى الضفة الغربية وغزة، ومحاصر ومقيد بصرامة فى القدس الشرقية. تعمد السلطات الإسرائيلية فى هذه المساحة الكلية للأرض إلى منح اليهود امتيازات ممنهجة فى أغلب مناحى الحياة، تستند الى قوانين الدولة ويعمل على توسيعها جميع الحكومات التى تعاقبت على الحكم. فى مقابل تمييز كامل بحق الفلسطينيين.



تسيطر إسرائيل بصورة أساسية على الحدود والمجال الجوى والأمن، وتتحكم بشكل حصرى كامل فى «سجل السكان» الذى يوفر لها احتكار منح «بطاقات الهوية»، فضلا عن التقييد أو السماح بحركة الأشخاص والبضائع. بالمقارنة بالفلسطينيين تمنح إسرائيل مكانة قانونية أعلى لليهود الذين يعيشون فى نفس المناطق، التى يعيش فيها الفلسطينيون سواء المشمولة بالحكم الذاتى أو المحتلة أو حتى داخل إسرائيل. هذه المكانة التى يغلفها «التمييز العنصرى» توفر لليهود تسهيلات غير محدودة، فى الوصول للأراضى وحرية التنقل والبناء، وتمنحهم حقوق الإقامة للأقارب اليهود من غير أصحاب الجنسية الإسرائيلية. العقيدة الراسخة بداخل إسرائيل سواء لدى النخب الحاكمة، أو على المستوى الشعبى الواسع، أن تظل هذه السيطرة الكاملة للأبد، وأنها بحاجة إلى تعزيز طوال الوقت، لذلك يظل «الخيار الاستيطاني» هو السلاح الرئيسى الذى يحقق هذا الهدف الاستراتيجى الجمعى الحاكم للشعب اليهودى.



بموجب القانون الدولى، تعتبر الضفة الغربية بأكملها أراضى محتلة بما فيها القدس الشرقية، لذلك يعد الضم الأحادى الذى قامت به إسرائيل بحق القدس الشرقية وتسمح بتمريره، فى الأراضى التى تم اقتطاعها من الضفة الغربية على هيئة مستوطنات قائمة بالفعل أو غيرها قيد الإنشاء، «جريمة كاملة» الأركان ضد الإنسانية. رغم ما تقوم به الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، من إضفاء طابع رسمى على واقع الهيمنة والقمع الإسرائيلى المنهجى السائد بحق أصحاب الأرض الأصليين منذ فترة طويلة. فقد حدد القانون الجنائى الدولى جريمتين ضد الإنسانية لحالات القمع والتمييز الممنهج، هما الفصل العنصرى والاضطهاد وكلاهما متحقق وثابت على الأرض. وينظر للجرائم ضد الإنسانية باعتبارها أشنع الجرائم فى القانون الدولى، والفصل العنصرى المعروف بـ«الأبارتهايد» اعترف به كجريمة ضد الإنسانية وفقا لـ «نظام روما الأساسي» المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية 1998.



نظام روما الأساسى يعرف جريمة «الاضطهاد» المرتكبة ضد الإنسانية؛ على أنها «حرمان» جماعة من السكان، حرمانا متعمدا وشديدا من الحقوق الأساسية، وذلك بسبب أسس عرقية أو قومية. وهو تعريف يلخص الحالة الفلسطينية على مدى سنوات الاحتلال، وهو منهج تمارسه وتعلنه الدولة الإسرائيلية اليهودية كسياسات للحكم تلتزم به الحكومات متذرعة بقوانين الدولة. كما يعرف القانون الدولى الإنسانى «جريمة الاضطهاد» على أنها تتكون من عنصرين أساسيين؛أولهما الانتهاكات الجسيمة للحقوق الأساسية للمواطنين والمرتكبة على نطاق واسع أو منهجى، والثانى الانتهاكات التى لها نية تمييزية واضحة ومثبتة. فيما تعد «جريمة الفصل العنصري» بحسب نظام روما الأساسى أنها تتكون من ثلاثة عناصر أساسية، هى نية الإبقاء على نظام تهيمن فيه مجموعة عرقية على أخرى؛ والقمع المنهجى الذى ترتكبه مجموعة عرقية ضد جماعة أخرى، وارتكاب عمل أو أعمال لاإنسانية. ومن الأفعال اللاإنسانية التى حددتها اتفاقية الفصل العنصرى ونظام روما الأساسي؛ يعتبر «الابعاد القسري»، و«نزع ملكية العقارات» و«خلق محتجزات ومعازل مفصولة»، وحرمان الناس من «الحق فى مغادرة الوطن والعودة إليه» و«الحق فى حمل الجنسية»، وهى تكاد تكون صورة طبق الأصل للمنهج الإسرائيلى المعتمد، الذى يمارس ضد الشعب الفلسطيني. فمنذ تأسيس دولة إسرائيل 1948، مارست الحكومات تمييزا منهجيا ضد الفلسطينيين، وانتهكت حقوقهم داخل حدود الدولة ما قبل 1967، أهمها وأخطرها رفض السماح للفلسطينيين بالوصول إلى ملايين الكيلومترات من الأراضى التى صودرت منهم. وقد جعلت هذه السياسات من المستحيل بالنسبة إلى عشرات آلاف الفلسطينيين العيش بشكل قانونى فى القرى والمدن، التى عاشوا فيها على مدى عقود. إضافة إلى ذلك، ترفض السلطات الإسرائيلية السماح لأكثر من مليون فلسطينى ممن طردوا فى 1948 من العودة.