عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
معضلات إدارية .. إعادة إنتاج الزعامة القبلية
17 فبراير 2024
د. أحمد زايد


نواصل الحديث عن الأساليب التي يعاد بها إنتاج الثقافة التقليدية في نظمنا الإدارية. وأعود وأذكر بأن الأصل في العمل الإداري هو خضوع الكل إلى القانون. ومن هنا فإن قيادة التنظيم الإداري هي قيادة خاضعة لحكم القانون، وكل ما يخالف ذلك هو إنحراف بالإدارة عن نمطها المثالي. وقد رأينا في المقالين السابقين بعضاً من المعضلات الإدارية التي تجعل الإدارة تميل كل الميل في الاتجاه المعاكس للنظم القانونية ونظم الحوكمة الرشيدة. وأشرنا في المقالين إلى الميول الانقسامية والقبلية وأكدنا وراثتها من المجتمع التقليدي القديم. ونتجه في هذا المقال إلى الحديث عن بعد ثالث من إعادة إنتاج هذه الثقافة يتمثل في إعادة إنتاج الزعامة القبلية.



ولقد طور علماء الأنثروبولوجيا أفكاراً جيدة حول مفهوم الزعامة Chiefdom، عندما وصفوا النظم السياسية في المجتمعات البسيطة، ومنها المجتمعات البدوية. وتقوم الزعامة غالباً على نظام صارم يعتمد على الهرمية الجامدة التي يتربع على رأسها زعيم تطلق عليه مسميات محلية تشير إلى قوته وزعامته المطلقة، كما تمنح له سلطات مطلقة في التحكيم بين الجماعات المتنازعة، وفى فرض أشكال من الخراج، وتكون له السلطة المطلقة في التحكم في الأمور الاقتصادية، كما تغلف سلطته بكثير من الرموز التي تنعكس في ملبسه، وطريقة جلوسه، وظهوره بين الناس، وفى إدارته للطقوس الدينية والاجتماعية، وفى طقوس الاستزراع أو الحصاد.



وتقوم المجادلة في هذا الحديث على طرح الفرضية التي مفادها أن الإدارة الحديثة تعيد إنتاج مفهوم الزعامة بهذا المعنى، عبر ممارسات ورموز قد لا تنتمي بالضرورة إلى متطلبات الإدارة الحديثة. سوف نجادل هنا حول بعض خصائص تتسم بها الزعامة، موضحين كيف تتجلى في السلوك الإداري المعاصر. من أول هذه الخصائص العمل على تركز السلطة، بحيث تكون موزعة توزيعًا صفريًا تقريبًا. يعنى ذلك أن كل السلطة تمارس من مصدرها المركزي، ولا توجد سلطات للقطاعات الفرعية، أو الوحدات الأصغر. يؤدى ذلك إلىانكماش الأطراف في البناء التنظيمي، وإلى خلق توجهات تطلعية نحو اعتلاء المركز، بل نحو اعتلاء المراكز الفرعية تمهيدًا للقفز منها إلى أعلى. وفضلاً عن ذلك فإن مركزية السلطة بشكل مطلق يعمل على نمو المشاعر والاتجاهات التملقية التي لا تعكس مشاعر حقيقية، بل تقوم على ازدواجية تؤثر بالتأكيد على مجريات الأعمال والأنشطة والقرارات، وتنتج في النهاية تنظيماً مشلولاً غير قادر على أداء مهامه المهنية بكفاءة. وتعمل عمليات تركيز السلطة على اختفاء روح المشاركة، والممارسات الديمقراطية، فثمة صوت واحد هو الصوت الأكثر حملا للصدى، وهو الصوت القادم من المركز. ويؤدى هذا إلى خلق نزعة تسلطية في بنية التنظيم تدفعه إلى التخلي عن قيمة التعددية.



وكما تحيط نزعة الزعامة نفسها برموز وطقوس في المجتمع التقليدي، فإن سلطة المركز داخل التنظيم الحديث تعمل في أحيان كثيرة على أن تحيط نفسها بنزعة احتفالية، بحيث يظهر مدير التنظيم في حالة من الاحتفال الدائم. فهو يطرب بعبارات المدح، ويكثر من الحديث عن إنجازاته ونجاحاته، وعن فشل الآخرين من أضرابه، وينسب كل نجاح في العمل إلى نفسه، بحيث يبدوا أعضاء التنظيم جميعهم وكأنهم في عرس احتفالي بنجاحات وانجازات لم يصنعوها هم أنفسهم، ولكن صنعها فرد واحد أو عدد قليل من الأفراد. ويظهر هذا المديح بشكل مبالغ فيه بالإكثار من الاحتفال بالمناسبات المختلفة، والاكثار من كلمات المديح، ومن الذهاب إلى حضور المناسبات العامة والخاصة. يبدو الحضور الفيزيقي في كل هذه المناسبات وكأنه تأكيد لاستمرار السلطة، بل تأكيد للاستمتاع بها، وتذوق حلاوة بريقها. ويؤدي هذا الحضور المتزايد للمشاهد الاحتفالية إلى قدر كبير من تداخل الأدوار. تتداخل هنا أدوار الصداقة، وأدوار العبادة، وأدوار المجاملات الشخصية، وأدوار المساعدات الشخصية، مع الأدوار العامة، فلا يمكن فصلها. ومن نافلة القول إن هذا التشتت والانتشار للأدوار يعمل على ضياع الدور الأصلي للتنظيم. صحيح أن هذه الميول الاحتفالية، وهذا التداخل بين الأدوار، قد يكون له وظيفة إيجابية في شحذ الهمة، وفي خلق أشكال من التمكين أو الدعم الذي تحتاجه النفوس البشرية، ولكن لا يجب مطلقًا أن يزيد على حده أو أن يتجاوز حدود المعقول، فهو إن سار في طريق المبالغة، فإنه يؤكد الميول التسلطية، ويمكّن بعض أعضاء التنظيم من أن يحققوا مكاسب على حساب الآخرين، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تعميق الانقسامات بين الأعضاء، مع تزايد عمليات التهميش. ولاشك أن الممارسات الزعامية داخل المؤسسات التنظيمية يخلق لدى ممارسيها قدراً كبيراً من السعادة والبهجة. فالوجود الجيد السعيد يعّرف هنا من خلال ما يراكمه الفرد من رأس المال الاحتفالي، ومن خلال الاعتراف الاحتفالي به.



ومن هنا تخلق الزعامة التنظيمية ثقافتها الخاصة، التي تصبح جالبة للسعادة والبهجة، كما تصبح جالبة للاعتراف الاحتفالي. وعندما تتجذر هذه الثقافة في نفوس أصحابها، فإنها تعمل على خلق استمرارية لها؛ الأمر الذي ينتهي إلى الإصرار الدائم على تكوين أجيال جديدة ممن يحملون نفس الوظائف الحالية للزعامة، والمؤكدة لثقافتها. وعلى هذه الخلفية تتشكل ثقافة توريث السلطة، والتكالب على السيطرة على مواقع السلطة الحالية للزعامة. وبعد فإنني أتمنى ألا أكون قد بالغت في التأويل أو الأحكام المفرطة، ولكن مهما يكن من أمر فإننا بحاجة إلى أن نكشف عن كثير من الأقنعة المنتشرة في سلوكنا الإداري وغير الإداري، وأن نفكك المسكوت عنه من العلاقات التي تحيل التنظيمات الإدارية إلى أجهزة متخمة بالسلوكيات التي ترمى إلى أهداف بعيدة كل البعد عن الأهداف الحقيقية والمهنية لهذه التنظيمات. وأحسب أن مثل هذا الفهم التفكيكى يعمق وعينا بتطير مسارات صحيحة للعمل والإنجاز.