عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الدولة التنموية..فيوض الاتصال «٣»
23 ديسمبر 2023
د. أحمد زايد


هذا هو المقال الأخير ضمن ثلاثية حول مفهوم الدولة التنموية التشاركية، وأهمية أن ننظر فيه ونحن نكمل مسيرة التنمية فى المرحلة القادمة. وأخصص هذا الحديث الأخير عن طبيعة الاتصال فى هذا النمط من التنظيم الاجتماعى السياسي. ويجب أن يتم التركيز على موضوع الاتصال لأن البعض قد يفهم الدولة التنموية التشاركية على أنها إعادة صياغة لمفهوم رأسمالية الدولة التى مازالت تسود فى بعض التجارب التنموية. ترتبط رأسمالية الدولة بسيطرة كبيرة للدولة على مقدرات الاقتصاد، إنتاجاً وإدارة، وتنظيماً، إلى درجة أن توصف الدولة معها بأنها صانعة وزارعة وصاحبة بنك ومديرة، إنها كل شىء، بجانبها تخفت الأصوات الأخرى، وتجف كل مبادرات الأفراد أو الجماعات أو التنظيمات الأخرى. لقد ارتبط هذا الشكل من أشكال إدارة الحكم والاقتصاد بمراحل زمنية ولى عهدها. فليس الزمان هو الزمان، ولا البشر هم البشر، فالزمان معولم مفتوح، سائل ومتدفق، والبشر أكثر قدرة على تطوير طموحات مستجدة يحتاج التعامل معها إلى قدر كبير من المرونة والانفتاح. وإزاء ذلك فلا يمكن للدولة التنموية أن تكون تكراراً لرأسمالية الدولة، بل نظام تنموى قائم بذاته له خصائص تجعله يختلف عن النظم الأخرى. وثمة خصائص عديدة حددنا معالمها فى المقالين السابقين، وتبقى خصيصة هامة نخصص عنها الحديث فى هذا المقال، وهى تتعلق بطبيعة الاتصال.



لا تعرف رأسمالية الدولة إلا شكلاً واحداً من أشكال الاتصال، وهو الاتصال النازل من أعلى إلى أسفل، أما الدولة التشاركية فإنها تعرف أشكالاً متعددة من الاتصال. ولقد آثرت أن استخدم كلمة الفيوض ـ التى أحبها ـ لكى أُضمن الخطاب هذا المعنى. ونستطيع أن نتعرف على الفيوض الاتصالية فى الدولة التشاركية عبر إشارة إلى أربع خصائص. فالدولة التنموية التشاركية أولاً هى دولة راعية، بمعنى أنها دولة تقوم على فكرة احتضان النظام السياسى للمجتمع، وأن تشمل برعايتها كل الأماكن وكل الفئات وكل القطاعات، لا تميز هنا، ولا هوى، ولا ميل، بل السلوك العادل المستقيم الذى يساوى بين المواطنين. وتخلق هذه الخصيصة فيوضاً اتصالية هابطة من أعلى، للبحث والدراسة أو التعرف على أحوال المجتمع ومشكلاته، وبث القرارات والقوانين التى تضبط سلوك الناس وتحثهم على العمل والانجاز؛ وتعبئة موارد الدولة وجهود مواطنيها نحو تحقيق الأهداف العليا فى التنمية؛ وتؤسس لهم شفرة حياتية تمكنهم من العيش المشترك الذى يقوم على التضامن والتعاون؛ وبث خطاب الأمل والتفاؤل فى جسد المجتمع؛ وحث رجال الدولة فى كل مكان وفى كل قطاع إلى خدمة الناس وقضاء حوائجهم ومعاملتهم بحب وتواضع وفق أصول وقواعد مهنية. والدولة التشاركية ـ ثانياً ـ دولة استجابية؛ أقصد أن لديها قدرة هائلة على الاستجابة بسرعة لفهم مشاكل المجتمع، ومشاكل الناس، وحاجاتهم، والعمل على التعامل معها بحسم وعدل؛ ولذلك فهى قادرة دائماً على أن تتلقى اتصالات من أسفل. إن المجتمعات تموج بالعمل والانجاز، ولا يتعلق العمل والانجاز بالنخبة فحسب، بل هو جوهر الحياة وأصلها. ويتحقق نجاح الدولة التشاركية بقدرتها على تلقى التدفقات القادمة من الأسفل، من الناس العاديين الذين لا شأن لهم بالسياسة، ثمة فيوض قادمة من المجتمع تتمثل فى مطالب وحاجات تحتاج إلى أن تتحقق، وفى مشكلات تحتاج إلى أن تحل، وفى جهود عمل وتنمية مستقلة تحتاج إلى أن ترصد وأن يتم تشجيعها ودعمها. إن نجاح الدولة التشاركية مرهون بقدرتها على سماع الأصوات التى تأتيها من أسفل. ولا تقتصر الأصوات والحاجات والطموحات على القاعدة العريضة من المجتمع فقط. فإذا ما ارتفعنا قليلاً إلى أعلى فى سلم التنظيم الاجتماعى، فسوف نجد – ثالثاً- فيوضاً كثيرة قادمة من فئات ونخب وتنظيمات (أحزاب وتنظيمات مهنية ومدنية). تختلف الفيوض هذه عن نظيرتها القادمة من عموم الناس؛ فى الأول تكثر الحاجات المادية، وفى الثانية نصادف حمولات ثقيلة من الطموحات والمطالب والادعاءات التى لا تخلو من مبالغات ومن صور من الهرولة غير المنضبطة. تحتاج الدولة التشاركية إلى أن تستقبل هذه الفيوض الاتصالية القادمة من الوسط بقدر كبير من الحكمة، وهنا تتشكل خصيصتها التالية، التى نطلق عليها القدرة التآلفية. تحتاج هذه النوعية من الفيوض إلى تعامل حكيم من جانب أجهزة الدولة، تعامل قادر على التأليف بينها، وضبط حركتها، والعمل على تنقيتها من شوائب النفاق والتملق، والعمل على التأليف بينها بحيث لا تدخل فى شقاق وصراع. ثمة مشكلة هنا ترتبط بأن بعض الأصوات القادمة من منطقة الوسط لا تمثل أصواتاً أصيلة بقدر ما تصدر عن فائض طموح، وفائض وقت، وفائض كسل مهني؛ ولذلك فإنها تحتاج إلى فيوض أخرى من قبل الدولة تعمل على تهذيبها ووضعها فى مسار صحيح لتحويل هذه الفوائض الخاملة إلى طاقة عمل لخدمة أهداف الدولة التشاركية، والتوصل إلى صيغة توافقية تجعل الأصوات المتنافرة قادرة على التآزر والتعاون.



وأخيراً فإن الدولة التشاركية ـ وعلى النحو الذى قدمناه ـ هى دولة دينامية، لا تعرف الركود، ولا تركن أبداً إلى الدعة والخمول. تعرف الدولة التشاركية جيداً أن الخمول والترف ينذران بخراب العمران (هكذا علمنا ابن خلدون). ولذلك فإنها تولد من داخلها طاقة دينامية خلاقة تجعل قنوات الاتصال الرأسى والأفقى لا تتوقف. فثمة تدفقات اتصال بين الفاعلين فى الدولة التنموية التشاركية (المؤسسات الرسمية ـ المجتمع المدنى القطاع الخاص ـ المواطنون)؛ وثمة تدفقات اتصال داخل كل ميدان من هذه الميادين. ولا تقوم هذه التدفقات الاتصالية على بروتوكولات مدونة بالضرورة، بل يجب أن تحركها دينامية العمل من أجل الوطن، والإخلاص فى أداء المهام، والإدارة الخيرة التى تعرف الحق والواجب، وتعمل دائماً على العطاء وإصلاح ذات البين.