عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
تجريف غزة..تجريف الإنسانية
11 نوفمبر 2023
د. أحمد زايد


تنبهنا الجرائم الفظيعة التى تحدث فى غزة الفلسطينية إلى اتجاه يتخلق عبر مركز العالم المعاصر يميل بشكل كبير إلى استخدام القوة الغاشمة، والانتقام بشكل سافر وسريع، وعدم الاكتراث بما يصيب البشر من أذى، والتآلف والتآزر مع العنف وأدوات القتل، واستعراض القوة بشكل سافر لتخويف البشر الآمنين المسالمين، وإنتاج خطاب لا يعى تاريخه ولا يعى تناقضاته وانكساراته، ولا يعى لزوجته وتحايله على الواقع، والتمركز حول أفكار متحيزة تتجافى كثيراً مع الأطروحات الكثيرة حول حقوق الإنسان وكرامته وحريته، كما تتجافى مع القوانين الدولية التى ارتضاها أولئك الذين يقودون العالم ويتحكمون فى مصيره. وإذ نلفت النظر إلى هذا التوجه الذى يتوالد على نحو كبير فى رحم العالم المعاصر، فإننا يجب أن نعمق وعينا بمشكلات هذا العالم وانكساراته الكبيرة التى يمكن أن تقضى على إنجازاته الكبرى وتدفعه إلى تحطيم نفسه تحطيماً، أو على الأقل إنهاك مسيرته ودفعه إلى مساراته النهائية. ويقوم هذا الافتراض على مبدأ اجتماعى مفاده، أن العمران البشرى يتأسس على التعاون والثقة والتعايش، وإذا ما دخلت فيه صنوف التميز والهوى، أو الاستملاك والهيمنة، أو الاستبعاد والتهميش، أو فرض القوة والقسر على الضعفاء، فإنه يفقد أواصر عمرانه، ويتحقق فيه قول ابن خلدون الشهير «إن الظلم مؤذن بخراب العمران». وإذا كان لنا أن نشخص هذا الوضع الذى أمامنا فإن أصدق تعبير هو أن العالم يقوم بسياساته وخطاباته المتناقضة وسلوكه غير الواعى وغير الموضوعى وغير العادل بعملية تجريف كبير للإنسانية. نعم إن الإنسانية يتم إزاحتها بجرافة كبيرة، على أصداء عمليات التجريف البشرى الذى يحدث فى مجتمع غزة، وعلى أصداء سلوكيات كثيرة ظاهرة وغير ظاهرة فى أماكن مختلفة من العالم. ويُضاف حديثى هنا عن تجريف الإنسانية إلى ما كتب من قبل علماء فى العلوم الاجتماعية والإنسانية حول وهن الأخلاق وجفاف الروح الإنسانية، وهى كتابات ساهم فيها علماء الاجتماع والفلاسفة ورجال الدين، وجميعها عبرت عن تنامى الاتجاه نحو المادية، وتجريد الإنسان من روحه، وتحويله إلى إنسان أدائى لا يمتلك مشاعر إنسانية فياضة ولا قدرة على التعمق فى معنى الحياة، واتهم البعض النظام الرأسمالى الذى يسعى إلى تراكم الثروة وتعظيم الفائدة، بوصفه المسئول الأول عن كل انتهاكات الأسس الإنسانية والقيمية للحياة، حيث أصبح وجوده مهدداً. وإزاء هذه الحقيقة لم يتورع المفكرون ذوو النزعات الإنسانية المفرطة من إعلان موت الإنسان. وكثيراً ما تنطلق الكتابات حول موت الإنسان أو موت الإنسانية من إشارات ميشيل فوكو (1926- 1984) إلى التطورات التاريخية التى نظمت حياة البشرية والتى اتجهت إلى تحويل المجتمع إلى منظومات للمراقبة والعقاب، وتطوير خطابات تؤسس لاستمرار هذه المنظومات وإعادة إنتاجها، بحيث لم يعد للإنسان من وجود حقيقي. فى مثل هذا السياق لا يصبح هناك من معنى للحديث عن الإنسان أو الإنسانية، ولقد اعتبر فوكو أن مثل هذا الحديث هو من صناعة مفكرى الحداثة وعصر التنوير لتكوين أطر مزيفة حول حقوق الإنسان والمواطنة. ويعنى ذلك فى التحليل الأخير أن مسار التاريخ لا يزيد من شأن الإنسان وتعميق روح الإنسانية، ولكنه يحاصر الإنسان، وينزع عنه روحه الإنسانية، فيعلن فى النهاية قتل الإنسان وليس الدفاع عنه. وخلق هذا الرأى جدلاً واسعاً فى الفلسفة بين أنصار مفهوم الإنسانية وأعدائه. ولكن النتيجة المهمة له أنه فتح الطريق أمام نقد واسع النطاق، اتخذ أشكالاً عديدة وانطلق من مقاربات مختلفة. لن ندخل هنا فى تعقيدات المقاربات الفلسفية والإنسانوية التى قدمها أصحاب النزعات الوجودية، وفلاسفة التأويل، ورواد الفكر النقدى الاجتماعى من أنصار مدرسة فرانكفورت. وحسبنا أن نشير إلى بعض امتدادات هذا الفكر فى آفاق أبعد من الفلسفة. ونستطيع أن نتتبع هذه الامتدادات فى خطابات عديدة تتناثر هنا وهناك. فهناك الخطاب الدينى الإنسانوى الذى يصل فى بعض الأحيان إلى إعلان موت الإنسانية بصراحة تامة (صدر كتاب بعنوان موت الإنسانية من هذا المنظور عام 2016 كتبه ريتشارد ويركارت Richard Weikart وهو أستاذ للتاريخ فى جامعة كاليفورنيا). وهناك الخطاب البيئى الايكولوجى الذى قد يصطبغ بصبغة دينية أيضاً الذى ينظر إلى التغيرات فى البيئة الناشئة عن التلوث على أنها تقضى على إرادة الله فى منح الإنسانية القدرة على السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لتحقيق سعادة الإنسان (انظر كتاب موت الإنسان الذى كتبه فرنسيس شيفر F. Schaeffer وصدر عام 2011). وهناك أخيراً وليس آخراً الخطابات الجديدة حول المخاطر المحدقة بالبشرية من التطور الكبير فى تكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعى والهندسة الوراثية والتى تنبئ بموت الإنسان حقاً. وعلى أصداء كل هذه التحذيرات يموج العالم بحركات وتوجهات سياسية وثقافية تناوئ نظم العولمة، وتنقد الهيمنة المادية على روح المجتمع. ثمة تجليات لهذه التوجهات فى كل مستويات الحياة بدءاً من الانتقادات الشائعة فى خطاب الحياة اليومية، وانتهاء بالحركات السياسية المدافعة عن حياة الإنسان فى مقابل التهديدات الكبيرة المحدقة به من جراء التوسع فى استخدام الطاقة النووية لأغراض حربية، وهدر البيئة والقضاء على نضارتها وجمالها، ومروراً بفنون الموسيقى والغناء التى تشكل أصواتاً بديلة تناوئ ما هو شائع. إننا قد نختلف حول كل هذه الخطابات والممارسات التى تدافع عن الإنسان من زوايا مختلفة، وتعبر عن وعى قلق بشأن مصيره ومستقبله، ولكننا لن نختلف أبداً حول العمليات العسكرية الغاشمة التى تحدث هنا وهناك لتبيد الإنسان، والتى تتخذ أبشع صورها فيما يحدث فى مجتمع غزة الفلسطينى. إن تجريف المجتمع الذى تقوم به إسرائيل، ما هو إلا جزء من عملية كبرى لتجريف الروح الإنسانية والأخلاق الإنسانية، بحيث يمكن القول بحق إن قتل الأطفال فى غزة بهذه البشاعة ما هو إلا قتل للإنسانية جمعاء، وكتابة لصفحة سوداء جديدة فى تاريخ البشرية.