عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
حرب أكتوبر.. وبناء المستقبل
14 أكتوبر 2023
د. أحمد زايد


اهتمت مكتبة الإسكندرية اهتمامًا كبيرًاهذا العام بالاحتفال بحرب أكتوبر فى عيدها الخمسين، فأقامت فاعليات عديدة بدأتها بدعوة عدد من أبطال أكتوبر وتكريمهم فى أول يوم من أكتوبر، ثم أقامت معرضًا للصور الهامة المُستقا‪ة‬ من حرب أكتوبر، كما أصدرت المكتبة كتابًا يعتمد على مادة مأخوذة من المكتبة، وأقامت ندوتين هامتين إحداهما ألقاها الأستاذ الدكتور مفيد شهاب تحت عنوان «الدروس المستفادة من حرب أكتوبر وتجربة المفاوضات». وكانت ندوة ذات مستوى رفيع سرد فيها ملحمة السلام وتحقيق السيطرة والسلطة الكاملة على الأراضى المصرية (سيناء) ومفاوضات طابا. كما أقيمت محاضرة أخرى فى بيت السنارى يوم الخميس 12 أكتوبر 2023 وقد دُعِى فيها اثنان من أبطال حرب أكتوبر بجانب أستاذ تاريخ وأستاذ فى العلوم السياسية.ولنا الحق أن نحتفل بحرب أكتوبر المجيدة لأنه عندما نسترجع الأحداث التى حدثت بدءاً من عام 1967 إلى حرب أكتوبر 1973 وما بعدها سوف نكتشف أن من الأهمية بمكان أن نعيد قراءة هذه الحرب وأن نستلهم منها بعض الدروس والعِبر لكى ننطلق إلى المستقبل، وسوف أخصص هذا الحديث لكى نتأمل سويًا مسار الحرب، من ناحية، ومسار الأحداث من ناحية أخرى، ونشتق بعض الدروس التى يمكن أن تقود المستقبل فى بناء الوطن.



فى عام 1967 نحن لم ندخل حربًا، نحن أُخذنا على غِرَّة  وحدث الانكسار غير المتوقع. ولكن رغم أن هذا الانكسار أثر على الشعب كثيرًا، إلا أنه لم يقبل بهذا الانكسار وبدأ يتبنى الشعار الذى أطلقه الرئيس عبدالناصر فى هذا الوقت «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة». وبدأ الشعب يصّطَف خلف قواته المسلحة التى بدأت تعيد بناء نفسها وتدخل فى حرب استنزاف طويلة المدى، وهى الحرب التى أهلت الجيش المصرى أن يقود حرب أكتوبر بعد سنوات من الاستعداد والتنظيم والتخطيط الدقيق، وأن يحقق النصر العظيم فى السادس من أكتوبر. وفى هذه الفترة شهد المجتمع أشكالًا من التضامن، وأشكالًا من التضحية والعطاء تجلت فى مظاهر كثيرة وساهمت فيها كل فئات الشعب. وعندما دخلنا فى مفاوضات السلام بعد كامب ديفيد بدأت معركة أخرى من المفاوضات على الحدود المختلف عليها مع إسرائيل والتى سردها بدقة واقتدار وحب ووطنية كبيرة الأستاذ الدكتور مفيد شهاب فى المحاضرة.



نتأمل كل هذا التاريخ لكى نقوى الذاكرة الوطنية ولكى ننقل هذا التاريخ إلى الأجيال الحديثة التى لم تشهد الحرب ولم تعش خبرتها، ولكى نستمد منها دروسٍا للمستقبل. وسوف أحاول فى هذا المقال أن أسرد بعض هذه الدروس، رغم أن هذه الدروس لا تنتهى لأن التاريخ دائم العطاء، ودروسه تتدفق عبر الأجيال المختلفة.



ثًمة حزمة أولى من الدروس نستقيها من حالة المجتمع الذى حقق هذا النصر، والذى وقف بجانب قواته المسلحة فى تحقيقه، ونتطلع إلى أن تكون الروح التى سادت فى هذ المجتمع هى الروح التى تسود المجتمع المعاصر فى المستقبل؛ فالمجتمع الخائف المُنقبض المنكسر الناقد لنفسه دائمًا الذى لايملك ثقة كبيرة فى نفسه لا يستطيع أن يحقق تقدمًا، أو يحقق أهدافه فى العيش الكريم وهى أحد الأهداف الأساسية. إن المجتمع المتضامن والمتماسك الذى يُولد يوميًا طاقة جديدة من رأس المال الاجتماعى القائم على التطوع والعطاء، والاندماجية هو المجتمع الذى يستطيع أن يحقق التنمية. ثمة علاقة قوية بين تحقيق مستويات عليا من رأس المال الاجتماعى وبين تحقيق التنمية. ولابد لنا فى المستقبل أن يكون لدينا مجتمعً متماسكً مترابطً باحث عن الكرامة غير خائف وغير منكسر ولديه طاقة قوية من الثقة والاندماج والعمل على تحقيق الأهداف الجمعية.



وثمة مجموعة ثانية من الأهداف نستطيع أن نحصرها فى طبيعة العلاقة بين المجتمع المصرى وبين الدولة فهى علاقة كانت دائماً قوية، وكانت الدولة فى مقابل المجتمع تمتلك قوة وإطارًا قانونيًا تستطيع به أن تضبط المجتمع بقوة، وهو ضبط تتحلل عُراه عندما يفقد قوته الرابطة وناظمه الأعلى. ولقد ظهر هذا الترابط الوثيق بين الدولة والمجتمع فى حرب أكتوبر، وظهرت شعارات من أجل تحرير الأرض وكان المجتمع يستجيب لها بسرعة ويتعاضد مع الدولة تعاضداً قوياً. وهذه سمة يجب أن تحكم حياتنا فى المستقبل فلا نكثر من الثرثرة والنقد والتهكم والسخرية والبحث عن المصالح الشخصية الضيقة، وأن نتجه نحو توثيق العلاقة القوية بين المجتمع والدولة، وأيضاً بين المجتمع وقواته المسلحة وأن نثق فى قدراتها على العطاء وعلى تحقيق أهداف المجتمع فيما يتصل بحماية الحدود والمساندة فى تحقيق عمليات التنمية داخل المجتمع.



وهناك المجموعة الأخيرة من الدروس التى تتصل بطبيعة العمل وطبيعة الأداء، فحرب أكتوبر وعمليات المفاوضات التى تمت بعد كامب ديفيد لتحقيق السلام تعطينا مجموعة من المبادئ والقيم الهامة التى يجب أن تضبط سلوكنا فى المستقبل، من هذه القيم أن الإرادة فى حوكمة المجتمع لها أهمية قصوى، وأن الإرادة فى حوكمة المجتمع لابد أن تكون إرادة قوية ضابطة ومتجهة دائماً نحو الاصرار على تحقيق الهدف؛ وأن تكون لدينا مفاهيم وأفكار عما نقوم به وعما نؤديه، وأن نصر على تحقيق أهدافنا بشكل قوى، وأن نعمل على تحقيق الأهداف بالتخطيط الجيد واستخدام الخبراء وبالعمل الجيد المستمر والمثابرة على تحقيق الأهداف، فلا سبيل إلى تحقيق أهداف إلا بالتخطيط والخبرة والعمل القوي. ولذلك لابد أن يكون أحد المبادئ الأساسية التى تحكم مسار المستقبل هو الانجاز وإعطاء الفرصة للكفاءة، وعدم الركون إلى الخمول وإلى الدَعة، واليقظة الدائمة والعمل المستمر والسريع والمنضبط الذى لا يضحى بالنوعية والجودة فى سبيل السرعة. تلك هى بعض الدروس التى يجب أن نستفيد منها فى إدارة المستقبل ونحن نحتفل بحرب أكتوبر المجيدة. وسوف تظل أكتوبر حاضرة فى أذهاننا وفى ضمائرنا، وسوف تظل تمنحنا دروسًا متجددة، يتجدد معها فكرنا ومساراتنا.