عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الزلزال الفلسطينى ينهى أسطورة الإعجاز الإسرائيلى
10 أكتوبر 2023
◀ أشرف العشرى


لم يكن يتوقع فى زمن أسوأ الكوابيس لدى قادة المستويين السياسى والعسكرى الإسرائيلى، ان تواجه تل أبيب يوما ما مثل هذا السيناريو الكارثى الذى ضرب السبت الماضى أكثر من ٢٤ موقعا من المواقع العسكرية والشرطية المحصنة باعتى آلة الحرب المدججة، وهذا العدد المتنامى من المستوطنات فى مناطق غلاف قطاع غرة، والتى عاشت جميعها ضربات الزلزال العسكرى من قبل الفصائل الفلسطينية وفى القلب منها حماس والجهاد، فى عملية تؤشر لعودة زمن الخداع الاستراتيجى، الذى سبق أن انتهجته مصر فى حرب أكتوبر ١٩٧٣، حيث تمثل عملية طوفان الاقصى تلك التى بدأتها حماس الهزيمة الثانية المدوية فى التاريخ العسكرى بعد خمسين عاما بالتمام والكمال من نصر أكتوبر المصرى، وقياسا مع الفارق بالطبع بين العمليتين والحربين تلك، سيجد لزاما على المؤرخين العسكريين الإسرائيليين أنفسهم امام تسجيل وقائع تلك العملية الاخيرة للفصائل الفلسطينية فى خانة الانتصار المظفر لامناص، وبالتالى كما نجحت مصر فى كشف زيف وادعاء أسطورة جيش الاحتلال الذى لايقهر، وأنهت وهم التفوق والإعجاز العسكرى الإسرائيلى لأكثر من خمسة عقود، تعود المقاومة وان بدرجة أقل ومنسوب منخفض بكثير لتسجل نصرا جديدا يفضح ويكشف الزيف الاسرائيلى مرة أخرى، مستفيدة بعد كل تلك السنون بمقاييس التفوق والردع المصرى من حيث عنصر المباغتة والمفاجأة، واختيار يوم ومناسبة العرش اليهودى الدينى، حيث يسجل هذا الزلزال الفلسطينى أمارات الصدمة والرعب التى عادت تضرب وجه اسرائيل بعد كل هذه السنوات، وتحدث الاستفاقة من جديد داخل الشارع السياسى الإسرائيلى، انه مهما طال وتكاثر زمن الانتهاكات والاغتيالات وغابات الاستباحة الإسرائيلية لكل ماهو فلسطينى أرضا وشعبا، فانه لا امل فى العيش والاستقرار لكل قاطنى اقليم الشرق الأوسط، وفى المقدمة الشعب الاسرائيلى الذى سيجد نفسه دوما من الآن فصاعدا فى وجه العاصفة، بسبب جرائم جيشه ومجازر مستوطنيه، الا بالقبول والاقرار بالحق الفلسطينى الخالص بدولة مستقلة وعاصمتها القدس الشريف. لامبالغة فى القول بان عملية طوفان الأقصى تلك قد اعادت الجميع فى الأراضى المحتلة - إسرائيليين وفلسطينيين - إلى المربع الأول من حيث المواجهة والمنازلة، وربما تعرقل الحد بكثير من القدرة والانجاز الفلسطينى زمن التفوق والاستباحة الإسرائيلية، حيث أهلت تلك العملية الاخيرة بولادة مقاومة جديدة فى قطاع غزة باتت تملك من القدرات والجاهزية والخطط والضربات الاستباقية، مايؤهلها لاجبار تل أبيب على التفكير والإمعان جليا فى قادم الأسابيع القادمة قبل الأقدام على السير قدما فى نهج الاستباحات والاستهدافات والانتهاكات، حيث سيطارد شبح سقوط تلك الأعداد الكبيرة من الضحايا الإسرائيليين، وبهذه الاختراقات الفلسطينيية غير المعهودة، منذ زمن السبعينيات والثمانينيات وحتى رحيل عرفات ورفاقه من قادة التنظيمات الفلسطينية من عهد الاحتراف الفلسطينى قبل زمن أوسلو، ايا من القادة الإسرائيليين وربما يجعلهم يعدون المائة قبل إصدار تعليمات القتل والملاحقات، وتكرار القصف والاجتياحات لاراضى القطاع، خاصة ان مثل هذه العملية النوعية وبتلك الأساليب الإبداعية للمقاومة، وتنفيذ كل تلك النجاحات فى زمن وتوقيت قياسى فى الساعات الأولى يبرهن على أن هناك تغييرا جوهريا فى نهج المقاومة والرد على اى من الانتهاكات الإسرائيلية القادمة، بدليل حالة الرعب والصدمة والاسى والخذيان الذى ضرب المجتمع الإسرائيلى بأسره، حيث عقدت فصول العملية ألسنة الاسرائيليين، بدليل حالة الأسى والفاجعة التى ضربت الجميع مذهولين غير مدركين ومصدقين تفاصيل مثل هذا الكابوس الكارثى، ناهيك عن شبح الخسائر البشرية للضحايا والمصابين والذى ربما يسجل العداد النهائى أضعاف تلك الأرقام الأولية التى ذكرت على مدى اليومين الماضيين، حيث تتوقع الأوساط السياسية والإعلامية ان تتضاعف الأعداد بكثير، عندما تنتهى تل أبيب من تجاوز فروق توقيت تلك الصدمة، وتبدأ فى حصر الخسائر، وتتشكل لجان التحقيق الأمنية والعسكرية هناك، لتطيح برءوس من المستويات العسكرية الرفيعة فى الجيش واجهزة الاستخبارات العسكرية، ناهيك عن مستقبل حكومة نيتانياهو الذى سيُصبِح على المحك هو الاخر، حيث الادانات ستطال شخصه ووزراءه من اليمين المتطرف أمثال بن غفير وسيموريتش، حيث سيجد الغالبية ضمن فريقه لزاما عليهم دفع فواتير وتسديد أثمان، جراء الممارسات والانتهاكات الاخيرة وغض الطرف عن الممارسات العنصرية للجيش الاسرائيلى بحق الفلسطينيين، خاصة مع الأخذ فى الاعتبار السيناريوهات التى ينسجها يوميا الاعلام الإسرائيلى لنهايات وأفول عصر وحكم نيتانياهو فى إسرائيل فى قادم الشهور المقبلة. واتساقا مع وقائع تلك العملية الفلسطينية، فان الحاجة تبرز من جديد لسيناريوهات جديدة ستفرض نفسها لزاما على واقع المشهد فى الشرق الأوسط أولها ان اى تسوية أوتلاق لتحقيق قفزة او وثبة فى معادلات الشرق الأوسط الجديد، لابد ان تضع فى الاعتبار أولويات الذهاب لإعادة الاعتبار لعملية اى تسوية سياسية، يكون عنوانها الاول الفلسطينيين والسير قدما نحو تدشين حلم الدولة الفلسطينية فى القدس الشرقية، باعتبارها واقعا لامفر منه، ولايمكن تجاوزه مهما فعل الأمريكيون والاسرائيليون لتسويق فرص التطبيع مع العرب، وكذلك الأخذ فى الاعتبار ضرورة تغيير النهج الاسرائيلى فى التعاطى العسكرى مع فصول الصراع العربى - الإسرائيلى، والتخلى عن سيناريوهات القتل والعدوانية، بعد ان ثبت فشل هذا النهج كليا، بدليل تأثير وردات الفعل التلقائى فى الشارعين العربى والإسلامى، اللذين باركا فى مجملها عملية طوفان الاقصى الاخيرة، وسعدوا بها باعتبارها كسرت اوهام القوة والغطرسة الاسرائيلية، وأنهت زمن ووهم الإعجاز والتفوق العسكرى والاستخباراتى الإسرائيلى بفعل قوة وضربات زلزال المقاومة الفلسطينية.