عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الفرد والمؤسسة.. مرة ثانية
19 سبتمبر 2023
د. مصطفى الفقى


كتبت منذ سنوات دراسة ضافية عن العلاقة التبادلية بين الفرد والمؤسسة وتأثير كل منهما فى الآخر، وأشرت إلى شيء من ذلك مؤخرًا فى سلسلة مقالاتى تحت عنوان (اعترافات ومراجعات) محاولًا الإلحاح على العلاقة بين الفرد مهما يكن دوره والمؤسسة كيفما كانت مكانتها، خصوصًا وأننى مقتنع أن تلك العلاقة تنعكس بالضرورة على مدى النجاح فى المواءمة بينهما، وأشعر كذلك بأن طغيان الفرد على المؤسسة أمر فى غير صالحها كما أن اختفاء الفرد فى عباءة المؤسسة ليس فى صالح الاثنين معًا وأنا أقيس الأمر على جميع المؤسسات والأفراد بدءًا من الدولة ذاتها كمؤسسة كبرى والفرد بتأثيره المتفاوت فى إدارة المؤسسة وتحريك أمورها، وأرى أن الجانب الشخصى فى تكوين الفرد إنما يلعب دورًا مؤثرًا فى تحريكها، وفى وزارة الخارجية المصرية - على سبيل المثال - مرت أسماء كثيرة ولكن إسماعيل فهمى وعمرو موسى يتصدران قائمة الشهرة بالبصمات التى تركها كل منهما، وفى القضاء أيضًا فهناك أسماء مثل عبدالعزيز فهمى ووجدى عبدالصمد، وفى الجامعات أحمد لطفى السيد وطه حسين، وفى فقهاء القانون السنهورى باشا، هذه الأسماء كلها تختلط بالمؤسسات التى أقاموها أو شاركوا فيها لتعطى الفرد قيمته الحقيقية ومكانته اللائقة، وعندما نرتفع إلى أعلى مراتب الدولة فإن مصر العصر الملكى تختلف عن مصر الناصرية وربما عن عصر السادات وخليفته مبارك، وهم جميعا يختلفون عن العصر الحالى الذى يمثله ويتصدره الرئيس السيسى بدءًا من ظهوره وبزوغ نجمه عام 2013 حتى الآن وهو يتهيأ لانتخابات رئاسية قادمة، وأنا شخصيًا أتحمس لكاريزما الحاكم ولكنى أخشى من تأثيرها السلبى أحيانًا، فالكثير من أخطاء القادة والزعماء تختفى تحت عباءة كاريزما الحاكم أو عمامة الداعية ولا نكاد نرى الحقيقة المغلفة بالضباب، بينما الحاكم الذى لا يسعى إلى الكاريزما ولا يتمرغ فى رمالها الناعمة هو الأقدر دائمًا على معايشة الواقع والالتحام بالظروف بحيث تصبح أفكاره وقراراته جزءًا لا يتجزأ مما هو مطروح على الساحتين السياسية والاجتماعية، كما أنه يجب ألا يغيب عن العقل ولا ينصرف عن الذهن أن لكل عصر رموزه ولكل فترة أبطالها كذلك فإن لكل عهد إنجازاته وإخفاقاته أيضًا، ولم نسمع عن حاكم فى تاريخ البشرية ذكره الناس بالخير فقط غير الأنبياء والمرسلين وأصحاب العصمة الروحية والدينية، أما البشر فهم يأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق وتنسحب عليهم كل محاولات التفكير العميق والتدقيق الواعى، ونحن هنا فى مصر شهدنا من كل عصر مقتطفات من الأمجاد والنكسات - ولو تأملنا مصر الحديثة فإن محمد على بإنجازاته الضخمة وأعماله الكبيرة وفتوحاته الواسعة هو وابنه إبراهيم لم يشفع لهما ذلك فى نسيان مذبحة القلعة أو الاستئثار بالسلطة وإقرار مبدأ توريث الحكم، والخديو إسماعيل بإنجازاته الباهرة وثورة التحديث الكبرى التى انتشرت فى ربوع البلاد لم تشفع له هو الآخر فى أزمة الديون التى كانت مقدمة محسوبة للتدخل الأجنبى، وفؤاد رغم جهامته إلا أن له إنجازات فى التعليم والجامعة والمتاحف والجمعيات العلمية، وفاروق رغم فساده الإخلاقى وإدمانه الميسر إلا أنه كان وطنيًا مصريًا يكره الاحتلال البريطانى حتى النخاع، وعبدالناصر بقامته القومية السامقة وتاريخه العريض لم يبرأ من تداعيات نكسة يونيو عام 1967 وإحكام التضييق على الحريات فى عصره حتى لو حدث ذلك بمفهوم نسبى للمصلحة العليا، إذ إن نظرية (الديكتاتور المصلح) لم تدم طويلًا فى كل مكان استقرت فيه، أما السادات وهو رجل دولة بلا جدال إلا أنه استسلم لبعض القوى السياسية التى كان على يديها نهاية حياته رغم مساحة الحرية التى حاول أن يعطر الواقع السياسى بها، أما مبارك فقد كان رجل التوازنات الذى يؤمن بأن مسئوليته الحقيقية هى تسليم التركة كما تسلمها بلا نقصان، وأن يقوم بعملية مواءمة للظروف القائمة فى كل وقت، ثم جاء الرئيس السيسى بتجربة عسكرية خصبة وعقلية تؤمن بالأمن السياسى والمضى فى القطار الذى لا ينظر وراءه، ولا بد أن نعترف بأنه قد حقق إنجازات ضخمة على الأرض فيما يمكن تسميته (الهارد وير) Hardware وبقى عليه أن يستكمل ما بدأه فيما يتصل (بالسوفت وير) Software الذى يدور حول التعليم والصحة ومستوى المعيشة ومحاربة الفقر والتمسك بأولويات المطالب الجماهيرية وأظنها أجندة ذلك الحاكم الوطنى فى مستقبل أيامه، وهكذا نشهد أن بصمات الفرد على المؤسسة تبدأ من الدولة وتنتهى عند أصغر كيان سياسى أو إدارى فى ربوع الوادي.. إننى أقول هذه الكلمات لا أبغى منها إلا إجلاء حقيقة واضحة وهى أن علاقة الفرد بالمؤسسة أو حتى الحاكم بالدولة هى علاقة تبادلية قد لا يكون هناك إجماع حولها، ولكن يبقى هناك يقين داخلى يحدّث صاحبه بأن الطريق الذى نمضى فيه لا بديل عنه حاليًا، وأن البناء لا بد أن يكتمل رغم أن المعاناة سوف تبقى ولو إلى حين وأن ثمن بناء دولة يبدو فادحًا فى كل وقت، وسوف تبقى العلاقة بين الفرد والمؤسسة فى مصر علامة مضيئة لإرشاد أصحاب القرار وبوصلة للمواطن العادى عندما يقف أمام محنة الاختيار!