عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الصناعات الثقافية.. طاقة المستقبل
16 سبتمبر 2023
د. أحمد زايد


لاشك فى أن التنافس يزداد الآن بين الدول حول ما يسمى “مجتمع المعرفة”، فلم تعد المجتمعات تعتمد اعتمادًا كليًا على الأساليب القديمة فى الإنتاج؛ وإنما أصبح الولوج إلى مجتمع المعرفة الذى يعتمد على الابتكار واستخدامات التقانه والتحول الرقمى والبحث والتطوير والتعليم المتميز، أصبح الولوج إلى هذا المجتمع هو مقصد التنمية. ويعد الابتكار هو المفهوم المحورى الذى تلتف حوله كل هذه المؤشرات. إذ إن مجتمع المعرفة هو المجتمع الذى يعلى من شأن العقل والعلم، ويعمل على تطوير قدراتهما من خلال التعليم المتميز، مما يمكّن المجتمع من أن يجعل الإبداع والابتكار العمود الفقرى لمنتجاته المادية والرمزية.



إن الاهتمام بمجتمع المعرفة على هذا النحو ينقلنا مباشرة إلى موضوعنا فى هذا المقال وهو الصناعات الثقافية أو الصناعات الإبداعية. تُعّرف الصناعات الثقافية بأنها أنشطة أو منتجات تقوم على المعرفة، أو على استخدام المعارف والإبداعات المعرفية والعقلية، وتتشكل فى شكل سلع أو خدمات، التى تتحول إلى منظومة من منظومات الاقتصاد يطلق عليها الاقتصاد الإبداعى (الاقتصاد المرتبط بعمليات الإبداع والابتكار). وتنتج الصناعات الثقافية سلعاً وخدمات لها طابع رمزى يرتبط بالفكر وبأشكال الإبداع الأخرى فى مجالات مختلفة، وعندما نعدد هذه الصناعات الثقافية أو الصناعات الإبداعية نجدها تتدرج من الإبداعات الموجودة فى الحياة اليومية مثل الحرف والفنون اليدوية التى ينتجها الشعب بشكل عام، والتى يمكن أن تتحول إلى صناعة ثقافية مُقدرة؛ وأشكال التصميم المختلفة المرتبطة بمجالات عديدة مثل التصميم فى مجال الهندسة والفنون والديكور والأزياء ...إلخ؛ وكل الفنون التى نعرفها مثل السينما والدراما والمسرح والموسيقى والتصوير بأشكاله المختلفة سواء كان تصويرًا يوجد فى شكل لوحات فنية أو تصويرًا فوتوغرافيًا. وتضم الصناعات الإبداعية أيضاً البحوث العلمية خاصة ما يرتبط منها بعمليات البحث والتطوير التى تنتج ابتكارات يمكن استخدامها فى الواقع ويمكن استخدامها فى إنتاج سلع تباع فى الأسواق، وكل التطبيقات الالكترونية المرتبطة بالبرمجيات وألعاب الكمبيوتر والنشر الالكترونى، ويدخل أيضاً فى مجال الصناعات الثقافية الترجمة والنشر؛ الذى أصبح من الصناعات الثقافية المهمة جداً. كل هذه وغيرها تشكل ما يطلق عليه الصناعات الإبداعية أو الثقافية وهى الآن تعد جزءاً من تكوين اقتصاد أى بلد، ولذلك يحق لنا أن ننظر فى الدور الذى يمكن أن تلعبه هذه الصناعات.



إن الصناعات الثقافية أو الإبداعية تشكل قطاعًا إنتاجيًا يتنامى كل يوم وبشكل دائم فى الاقتصاد العالمى، وهناك تقرير لليونسكو صدر حديثاً يقدر حجم الصناعات الثقافية فى الاقتصاد العالمى بنحو 1.6%، كما يقدر حجم الاسهامات التى يمكن أن تسهم به فى الاقتصاد العالمى بـ 3.4 تريليون دولار أمريكى كل عام، وهى قادرة على تشغيل عدد كبير جدا من الشباب يصل إلى أكثر من 30 مليون فرصة عمل على المستوى العالمى. كما أكدت تقارير أخرى أن السلع الإبداعية قد زاد تصديرها على المستوى العالمى من 419 مليون دولار فى عام 2010 إلى 524 مليون دولار فى عام 2020، أما الخدمات الإبداعية فقد زادت بمعدل أكبر حيث زادت عوائد تصديرها فى نفس الفترة من 487 مليون دولار إلى 1.1 تريليون دولار. وتعكس هذه الأرقام الأهمية الكبرى للصناعات الإبداعية على أنها صناعة المستقبل. ولعل هذا هو الذى دفع المنظمات العالمية إلى طرح مؤشرات جديدة للتنافسية تقوم على مؤشر الإبداع والابتكار الذى يعد العمود الفقرى فى الصناعات الإبداعية. كما دفع الدول الساعية إلى التقدم إلى أن تتنافس بشدة فى هذا المدمار، وتعمل على تطوير قدراتها فى مجال التعليم والبحث العلمى لكى تكون قادرة على خلق بيئة تمكينية لتنمية الإبداع والابتكار.



فلم نعد هنا نتحدث عن التنافسية بشكل عام، وإنما يمكن أن نتحدث عن التنافسية فى الابتكار أو فى الصناعات الابتكارية أو الأفكار الابتكارية، يدل على ذلك مؤشر الابتكار العالمى والإبداع العالمى والذى يغطى نحو 160 دولة من العالم، وبالإطلاع على أحدث نسخة من هذا التقرير نجد أن الدنمارك تحتل المرتبة الأولى ثم هولندا والسويد وسويسرا وتتصدر بقية الدول الأوروبية وأمريكا واستراليا المواقع العشرين الأولى فى التقرير، أما الدول العربية فإن بعضها يحتل مواقع متوسطة وبعضها يحتل مواقع متأخرة وينتهى هذا المؤشر باثيوبيا وبروندى ورواندا، ويكشف هذا المؤشر عن أهمية الصناعات الثقافية فى ترتيب الدول داخل مجتمع المعرفة.



ويرجع الاهتمام بموضوع الصناعات الثقافية أو الإبداعية بسبب الاسهام الكبير فى الاقتصاد داخل كل دولة كما ألمحنا من قبل، إلى جانب أن لها عديدا من الآثار الاجتماعية الإيجابية؛ فهى تقلل من اللامساواة وتعمل على تحقيق الاندماج الاجتماعى، كما أنها تؤدى إلى الاهتمام بالشباب ودمجهم فى الحياة العامة فى مشروع التنمية المستدامة داخل الدولة. هذا فضلاً عن اعطاء الدولة سمعة عالمية وتأثيراً على مستوى العالم.



وتهتم مصر بالصناعات الإبداعية، خاصة فى مجال الفنون بأنواعها المختلفة، كما تتقدم بشكل كبير فى جودة التعليم والبحث العلمي. وتنعقد النية على أن تتحول الصناعات الإبداعية إلى مكون مهم من مكونات الاقتصاد المصري. ولعل طرح الموضوع فى مناقشة عامة فى الحوار الوطنى يدلنا على عمق الطموح القائم فى الرؤية المصرية المعاصرة لدعم هذا النوع من الصناعات، والعمل على أن يكون إحدى الركائز الأساسية فى الاقتصاد، وقد عكست الحوارات النى دارت حول الموضوع – والتى سوف تستمر فى جلسات قادمة - مدى حرص المشاركين على أهمية بناء بيئة تمكينية قوية تعمل على ازدهار السلع والخدمات الثقافية والإبداعية لا لتكون رصيداً لقوة مصر الناعمة فقط، بل لتكون رأس مال ثقافى قادراً على إنتاج قيمة مضافة.