عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
سيد درويش وتجديد المسرح الغنائى
16 سبتمبر 2023
محمد بهجت
سيد درويش


رغم مرور مائة عام على رحيله، تظل موسيقاه هى الأكثر حضورا والأصدق فى التعبير عن الشخصية المصرية، وعلى مستوى المسرح الغنائي، تبقى أعمال فنان الشعب سيد درويش مثل الهرم الأكبر إلى جوار باقى الموسيقيين.. صحيح أن هناك تجارب سابقة عنه مثل إبداعات سلامة حجازى وداود حسنى وكامل الخلعى وغيرهم ولكنها تحمل فى الغالب مذاقا قديما وميلا إلى التطريب وبُعدا عن فكرة التعبير الدرامى للمسرح..






والعجيب أن سيد درويش الذى توفى عن 31 سنة بدأ الاتجاه للمسرح الغنائى عام 1918 وكانت أول أعماله رواية فيروز شاه لفرقة جورج أبيض وخلال 5 سنوات فقط تخللها المرض ومؤامرات الاستعمار ضده بسبب أغانيه الوطنية ولكنه مع كل هذه المعاناة أبدع موسيقى 28 مسرحية هى المتوافرة، غير ما فقد من أعمال حسب رصد نجله حسن درويش فى كتابه القيم «من أجل أبى سيد درويش».. وتنوعت هذه الأعمال بين العروض التراجيدية والكوميدية والاستعراضية والأوبريتات مثل شهر زاد والعشرة الطيبة، كما تنوعت جهات الإنتاج والفرق التى تعامل معها فنان الشعب وأهمها فرقتا على الكسار ونجيب الريحانى رغم ما كان بينهما من تنافس وقصف جبهات فى عناوين المسرحيات، مثل أن يقدم على الكسار رواية بعنوان «راحت عليك» بينما يقدم الريحانى رواية أخرى فى نفس الموسم بعنوان فشر أو يقدم الريحانى تحديدا فى يوم 1 أكتوبر 1919 رواية بعنوان «كله من ده» فيرد الكسار فى نفس اليوم «ولسه» وكان العنصر الوحيد المشترك هو الموسيقار خالد الذكر الذى تعاون كذلك مع فرق عكاشة ومنيرة المهدية وجورج أبيض كما أسلفنا فى بداية مشواره ثم أنتج هو مسرحيات غنائية مع الفنان عمر وصفى تعد من أروع وأجمل الأعمال مثل شهرزاد والباروكة والعبرة ثم أنتج مع صديق عمره الشاعر بديع خيرى رواية الطاحونة الحمراء وبدأ فى تلحين أغانى الفصل الأول وأجزاء من الثانى فى مسرحية كليوباترا ومارك أنطونيو الذى أكمل وضع ألحانها الفنان الشاب آنذاك محمد عبد الوهاب، كما قام بدور البطولة فيها أمام البطلة المنتجة منيرة المهدية.. و أراد فنان الشعب دوما أن يمزج الحس الوطنى الثورى بأعماله الاستعراضية فنجد فى مستهل أوبريت شهر زاد تأليف بيرم التونسى كورالا يغني:



اليوم يومك يا جنود ما تجعليش للروح تمن



يوم المدافع والبارود مالكيش غيره فى الزمن



هيا اظهرى عزم الأسود فى وجه أعداء الوطن



عار على الجندى الجمود إلا إذا لفه الكفن



ثم يتغير اللحن من الحماس الشديد والحس الثورى إلى الشجن الدافئ والأميرة شهرزاد تغني:



البورى بينده لك اسمع منه الصوت



بيقول لك فوت أهلك واستهتر بالموت



أحيينا سعداء وأمتنا شهداء



ولم يكن وعى سيد درويش الوطنى والسياسى يتوقف عند حدود محاربة المستعمر ولكنه حارب كل أشكال الفساد والظلم الاجتماعى فى مسرحياته الغنائية وتعرض فى أوبريت العشرة الطيبة لفساد المماليك فى فترة كان البعض يتصور أنهم حماة الإسلام ويروج لفكرة دولة الخلافة التركية باعتبارها صاحبة حق تاريخى عمره قرابة الخمسة قرون فى استعمار الدول العربية.. وللمرة الأولى على خشبة المسرح تظهر مفاسد دولة المماليك وتملق المتقربين منهم فى الاستعراض المشهور:



علشان ما نعلى ونعلا ونعلا



لازم نطاطى نطاطى نطاطي






واستطاع سيد درويش كعادته أن يستنطق معانى كلمات بديع خيرى بجمل موسيقية موحية ومعبرة بإيجاز وعبقرية عن المعنى المراد توصيله وثارت الدنيا على صناع أوبريت العشرة الطيبة، خاصة بعد أن قدم المخرج عزيز عيد الحاكم المملوكى يصعد على ظهور وأكتاف متملقيه فى شكل استعراضى راقص.. وانبرت العديد من الأقلام تتهم صناع الأوبريت بأنهم موالون للاستعمار البريطانى ما داموا ضد حكم الأتراك !! وخشى الريحانى على سمعته باعتباره فنانا مسيحيا لا يريد إغضاب أحد، بينما تصدى أحمد تيمور وكتب مقالا يرد به على هجوم ناقد صحفى ويقول: «لم أقصد يا صديقى الفاضل أنا وبديع أفندى خيرى شريكى فى تأليف الرواية ونجيب أفندى الريحانى مدير الجوق وعزيز عيد أفندى المدير الفنى أن نسب المماليك والأتراك أو أن نحط من شأنهم أو أن نظهرهم على المسرح فى صورة مخزية بل كان قصدنا كل القصد هو ما رأيته أنت بنفسك فى رواية البدوية ورواية الحاكم بأمر الله من تصوير للظلم وإظهار نتائجه على المسرح وانتصار الضعيف على الغاشم القوي.. أردنا يا صديقى أن نضع أول حجر فى أساس الأوبرا كوميك فاخترنا رواية فرنسية ومصرنا حوادثها فلم نجد عصرا من العصور التاريخية يلائم حوادث الرواية غير عهد المماليك ولم نختر عصرا من عصورنا الزاهرة كعصر الفراعنة وعصر العرب خوفا من تشويه تاريخنا الزاهر».



هكذا كانت ثقافة ووعى المبدعين وربما لهذا السبب ولغيره بقيت موسيقى سيد درويش حية فى وجدان كل من يستمع إليها وستبقى مئات الأعوام.