عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
3 قصص قصيرة
8 سبتمبر 2023
نسرين البخشونجى
نسرين البخشونجى


مرآة



وحيدة تماماً فى البيت، تشعر بمرارة الفقد. للمرة الأولى ترى براح العالم، وتشعر بقسوة الحياة، بينما الناس منشغلون دون كلل. وحيدة تشاهد شروق الشمس وسطوع القمر وتحتمل الطقس الشتوى القارس. قبل أيام شهدت انهيار سيدة المنزل حين أتى الموظف وأبلغها بقرار الإزالة. صرخت، بكت، تشنجت، لطمت وتمرغ أمانها على بلاط الشقة الذى لا يزال يحمل أثر الماء والصابون برائحة الورد. لاحظت ارتباك أهل البيت وهم يتحركون بسرعة فائقة، يلملمون أشياءهم ويضعونها دون ترتيب فى الحقائب والكراتين. الكل مشغول، وقد بدت ملامح الحزن والقلق على وجوههم. عليهم ترك المنزل حالاً قبل أن يأتى بلدوزر الحي. لم يكن لها، المرآة، مكان فى السيارة التى حملت أثاث المنزل. وحيدة تحملت صوت ارتطام البلدوزر بالمبني، رأت أنهيار الحوائط الثلاثة، سمعت شهقت السكان ونواح أرواحهم. تركوها ورحلوا، ولم يبقَ من البيت سوى ذلك الحائط الذى تستند عليه.



كائنٌ بالغُ الصِّغَر



هذا الصباح لم يبقَ من فنجان قهوتى سوى لونها البنى الغامق، وقد زال طعم المرارة منها. والتوليفة الخاصة التى رشحها البائع لزوجي، لم يعد لرائحتها أثر فى أنفي. فى مثل هذا اليوم، منذ عشرة أعوام، اكتشفت أنَّ كائناً بالغَ الصِّغَر ينمو داخلي. حاسة شمى صارت أقوى بشكل لافت، شعرت حينها بالانتصار. يومها شممت رائحة برتقالة فاسدة فى المطبخ وأنا جالسة فى غرفة المعيشة. بينما يعد زوجى كوباً من الشاى الأخضر بالياسمين، طلبت منه أن يفتش عن تلك البرتقالة. لم أكن أعلم، أنَّ اليوم وبعد عشر سنوات سيحتل جسدي، للمرة الثانية، كائنٌ بالغُ الصِّغَر، ويسلبنى حواسى الأقوى ويمنحنى ذلك الشعور بالهزيمة.



المرحومة



حروف اسمها حزينة، حتى إنها رفضت أن تُكتب اليوم فى نعى صاحبتها المنشور بالجريدة العريقة. فى البداية كانت الحروف تتلاشى تلقائيا عند عتبة باب الشقة. تتبخر واحدة تلو الأخرى ليدخلوا إلى البيت مجدداً من فتحة المفتاح. تلك الفتحة التى ظلت تنظر منها على الأطفال الذين يلعبون بالخارج, لكن والدها لم يسمح لها أبداً باللعب معهم. حين شبَّت، صارت تراقب الناس فى الشارع من فتحة الشيش الخشبى ذى اللون البنى الغامق. هذا الشيش كان فى الأصل شرفة كبيرة أغلقها والدها قبل أن يتزوج بأمها. بعد زواجها التقليدى تراجعت حروف اسمها فلم تعد تسمعه إلا فى غرفة نومها. مجدداً صارت الحروف تنسحب إلى الداخل، مثل الجنيات الصغيرات يتركن أثراً سريعاً فى الهواء. بعد سنوات قليلة لم يعد اسمها يُنطق منذ استبداله بكنية «أم ...» حزنت الحروف كثيراً، واختبأت فى دولاب الملابس داخل جيب البالطو الأسود الصوف الذى اشترته للجهاز قبل الزواج. يوم وفاتها رفضت الحروف أن تخرج أو ربما لم تعرف كيف تخرج بعدما صار البالطو داخل حقيبة سفر منسية فى «السندرة».