عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
نعم.. لمسيرة التنمية
2 سبتمبر 2023
د. أحمد زايد


مرت مصر بخبرة الحداثة منذ أكثر من مائتين وعشرين عاماً. والمتأمل لهذا التاريخ لا يجد أنه قد سار سيرة طبيعية بحيث تتوالى فتراته الواحدة تلو الأخري، فيكون لدينا تاريخ متراكم يؤدى فى النهاية إلى مجتمع متكامل ومتماسك له إنجازات متراكمة عبر التاريخ. إن هذا التراكم كان تراكماً متقطعاً. فكل فترة تاريخية كانت تنتهى دائماً بحالة من الانقطاع الذى يؤدى إلى توقف أى مشروع نهضوى أو أى مشروع حداثي. والمتأمل لهذا التاريخ يجد أن فيه ظاهرتين مهمتين يجب أن نلتفت إليهما جيداً, الأولى تتعلق بالتنوع فى التجارب. فتلك التجارب لا تشبه بعضها البعض فكل نخبة سياسية تقدم رؤية مختلفة عن النخبة التى تليها، فقد اهتم محمد على بالتعليم وتنظيم الجيش والقوانين، بينما اهتم إسماعيل بالعمران الحضري،أما نهضة العشرينيات فقد شهدت نهضة فكرية وسياسية واقتصادية. ثم فى الستينيات كان الاهتمام بالتعليم والصناعة التى تغلفها شعارات اشتراكية، وانقلبت الاشتراكية بعد ذلك إلى ليبرالية مفتوحة لا ضابط لها. فلا يوجد تجانس فى كل هذه التجارب فهى مختلفة جذرياً.والظاهرة الثانية أنها غير متراكمة فلا تتراكم بعضها فوق بعض فكلها انقطعت وباءت بفشل ما أو نهاية ما وهذه النهاية كانت تجعلنا دائما نبدأ من جديد. وهذا هو تاريخ مصر الحديث وهو الذى أدى بأن مصر لم تتطور على الشاكلة اليابانية مثلاً رغم أنها بدأت التطور قبل اليابان، كما أنها لم تتطور مثل الهند أو الصين بالرغم من أنها بدأت التطور فى نفس الفترة. على أى حال نحن بصدد تاريخ متقطع وتاريخ غير منتظم كما يقال فى علم الاجتماع وغير متراكم بنفس الدرجة ويخلق أشكالا من التنوع وأشكالا من التشتت البنائى ورؤى مختلفة تتراكم بعضها فوق بعض لتنتج فى النهاية مجتمعا فيه تناقضات كثيرة وأشكال كثيرة من الإجهاد والمشقة ليس هنا مجال الحديث عنها.



وإذا ما توقفنا عند تاريخنا المعاصر فسوف نرجع بالذاكرة إلى السنوات العشر الماضية التى بدأت مع موجات الربيع العربى فى بداية عام 2011، لقد دخلت مصر فى هذا العام مرحلة من عدم الاستقرار استمرت لخمس سنوات، شهدت أشكالاً من الصراع والجدل انتهى بسيطرة جماعة الإخوان المسلمين على الحكم لمدة عام تم فيه التفريط فى كثير من المكتسبات التى حققتها مصر عبر تاريخها الحضارى والسياسي، منها التفريط فى الحدود، والتخلى عن المفهوم الوطنى للأمة المصرية، وترك المجتمع فى حالة من الفوضى وعدم الأمن والعراك الدائم العام منه والخاص والاستحواذ على كل مفاتيح السلطة وإسكات كل الأصوات. ولقد كاد المجتمع يفقد أنفاسه تحت ضغط هذه المشكلات وغيرها، فتراكم فى داخله الغضب من جديد، وخرج للمرة الثانية مطالباً بسقوط النظام، ووقف الجيش والشعب وقفة رجل واحد أدت إلى سقوط نظام الإخوان لندخل مرحلة جديدة من تاريخ مصر.



ولقد كان الخروج الكبير الذى حدث فى الثلاثين من يونيو بداية حقبة تاريخية جديدة، بدأت «بخريطة طريق» واضحة المعالم تم من خلالها تكوين دستور جديد، وبناء أجهزة الدولة. ثم بدأت مرحلة جديدة من البناء، شهدت إنجازات كبيرة فى تطوير البنية التحتية وبناء المدن الجديدة وتطوير المجتمعات الريفية وخدمات الكهرباء والمياه والإسكان والتعليم والصحة، فضلاً عن التنمية الصناعية والزراعية، ونشر شبكة للأمان الاجتماعى لمحدودى الدخل والجماعات الهشة. ولقد حققت هذه الإنجازات نتائج مهمة، ولاتزال هذه النتائج تتوالي، ولكنها لم تكتمل بعد، وسوف تؤتى ثمارها على مدى أطول.



وعلى خلفية ما ذكرناه عن إجهاض التجارب التنموية السابقة على مدار التاريخ المصري، فإننا بحاجة ملحة اليوم إلى أن نحرص على استمرار المسيرة التنموية التى بدأت فى مصر، وأن نحرص على نجاحها، واكتمال آثارها المتوقعة. ولعل طرح فكرة بناء جمهورية جديدة وإطلاق حوار وطنى حول المستقبل، يقدمان مؤشراً ممتازاً على الحرص على استمرار هذه التجربة التنموية وتعميقها. ففكرة الجمهورية الجديدة تؤطر لرؤية أعمق لبناء الأمة، بكل مكوناتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، كما أن الحوار الوطنى يضمن أن يكون الشعب كله مشاركاً فى بناء هذه التجربة، وفى العمل على إنجاحها. ولكن يبقى دائماً شرط مهم لإنجاح أى تجربة تنموية وهو يتعلق بالوعى الوطني، الذى يجب أن يتخلق فى عقولنا ووجداننا. إن قضية الوعى ليست قضية بسيطة، بل هى قضية معقدة، تتجلى عبر مستويات وتقاطعات فئوية وطبقية مختلفة، ولكن المشكلة الأبرز فيها تتعلق بما يمكن أن نسميه الوعى بمخاطر التاريخ. إن هذا المستوى من الوعى يمكن النخب السياسية والمواطنين من معرفة الظروف المعقدة التى تحيط بالعالم المعاصر، وطبيعة القوى الاقتصادية والتكنولوجية المؤطرة لعقول أفراده، الكبار منهم والصغار. هذا بجانب الوعى بطبيعة المشكلات والعقبات الداخلية التى تنشأ من تعقيدات المسيرة، مثل الزيادة السكانية الهائلة، والتفكك القيمى والأخلاقي، ونمو النزعات المناوئة لفكرة الانتماء الوطني، كالتحلق حول المصالح الشخصية الضيقة، والانتماءات القبلية والدينية. إن الوعى بهذه المخاطر التاريخية هو الذى يمكن الأفراد من أن يشكلوا وعياً بالحفاظ على مجتمعهم وعلى استمرار مسيرته دون توقف، وتكوين رؤى واضحة بشأن المستقبل. وأحسب أننا بحاجة ملحة اليوم إلى مثل هذا الوعي، لكى نستطيع أن نتخطى العقبات التى تواجهنا فى أتون الأزمة الاقتصادية العالمية، والعالم الذى يموج بالمؤامرات وأشكال الحروب الجديدة.ثمة ضرورة اجتماعية وسياسية مهمة تتخلق من قلب كل هذه التحديات مفادها أن الحفاظ على استمرار تجربتنا التنموية هو الذى يحدد مصيرنا فى هذا العالم، وهى ضرورة تتطلب أن نتلمس بشكل دائم معالم الوعى التاريخى بالمخاطر وأبعاده المختلفة.



ويجب أن يتخلق هذا الوعى على مستويات عديدة: على مستوى النخب السياسية التى تستمر فى إنتاج الإرادة السياسية والقوة السياسية الضامنة للاستمرار والنجاح، النخب الثقافية والعلمية والاقتصادية التى يجب أن يستمر عطاؤها مدافعاً عن المصالح العمومية وحامياً لها، والقوى المنتجة التى يتدفق من بين أيديها الخير للوطن، والقوى العاملة فى الخدمات العامة التى يجب أن تعمل بدرجات عالية من المهنية. وفى كل الأحوال يجب أن يتمحور الوعى نحو دفع عجلة التنمية والالتفاف حول القيادة السياسية، مع قدر كبير من الثقة والفخار الوطنى والحضارى.