عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
تناقضات خطاب الهوية
19 أغسطس 2023
د. أحمد زايد


تهتم الأوساط الثقافية بموضوع الهوية، وتعكس هذه الخطابات اتجاها واضحا نحو تأكيد موضوعين: الأول هو أن جل مشكلات الحياة ترجع إلى خلل ما أصاب الهوية؛ والثانى طرح حلول كثيرة وسريعة، وكأن الهوية مرض يمكن شفاؤه بدواء سريع. ويكشف الخطاب فى تفاصيله عن كثير من التناقضات والالتباس بل وبعض سوء الفهم، الأمر الذى يدعونا إلى طرح الموضوع فى هذا الحديث على أمل اكتشاف هذه التناقضات وإلقاء الضوء عليها من المنظور العلمي.



نبدأ المجادلة بالموضوعين الأكثر ترددا. فلا ترتبط كل مشكلات الحياة بموضوع الهوية قوة أو ضعفا. إن مشكلة الهوية تكون على درجة كبيرة من الخطر فى بعض الأحيان كما هو الحال فى البلدان التى تحدث فيها صراعات طائفية أو دينية، كما نشاهد فى بعض البلاد الإفريقية والعربية التى شهدت اهتزازات عميقة فى التكوين الاجتماعى الثقافى لعمرانها البشري. هنا تكون الهوية فى خطر، ولكن الهوية لا تكون فى خطر قط إذا ما ظهرت انحرافات لدى الشباب، أو عانى نظام التعليم بعض المشكلات، أو انتهك الناس حرمات البيئة. فتلك مشكلات لها أسباب أخرى، ولا تعكس بالضرورة مخاطر للهوية، كما يتردد فى خطاب الهوية السائد. كما أن الهوية عندما تكون فى خطر، فإن الحلول لا تكون بأفكار وآليات سريعة لا تختلف كثيرا عما يدور فى الكلام العابر. فلا يخفى على أحد أن خطورة الهوية تشكل منعطفا تاريخيا يرتبط بانكسار كبير يمكن أن يجرف المجتمع إلى حالة من الفوضى أو التراجع. ولم يحدث هذا الأمر فى مصر قط.



ولا يقتصر الأمر على هذا الذهول فقط، بل يتعداه إلى تناقضات كثيرة يمكن أن نشير إلى بعضها. من أهم هذه التناقضات الحديث عن الهوية دون معرفة جوهر المعنى الذى تشير إليه الكلمة. ومن يعرفون المعنى يعكسون فى حديثهم فهما جامدا للهوية وكأنها كتلة صلبة لا تتغير ولا يصيبها أى قدر من التغير عبر الزمن. وكثيرا ما يقارب هنا قدر من الخلط بين المفاهيم، مثل مفهوم الشخصية، وشخصية مصر، ومفاهيم مثل الانتماء والمواطنة. ومن المعروف علميا أن مفهوم الشخصية الوطنية أو شخصية المصريين ليست هى شخصية مصر (البلد – الإقليم – الجغرافيا – التاريخ – البشر) كما صورها جمال حمدان، وأن كليهما يختلف عن مفهوم الهوية الذى يضرب بجذوره فى التاريخ والدين واللغة والثقافة. وجميع هذه المفاهيم تختلف عن مفهوم الانتماء الذى يعنى ارتباط الفرد بأرضه ووطنه، ومفهوم المواطنة الذى يشير إلى مجموعة الحقوق والواجبات التى ينظمها القانون والأعراف والتى تنظم سلوك الأفراد وتحدد علاقاتهم بوطنهم وحدود التزاماتهم تجاهه. وثمة مفاهيم أخرى قد نستدعى منها مفهوم التماسك الاجتماعى، والبناء الاجتماعي. إنها شبكة معقدة من المفاهيم التى لها علاقة ما ببعضها، ولكن لكل منها حدوده الخاصة. ولا يتوقع من الإنسان العادى أن يكون ملما بكل هذه التشابكات. ولكن الخطاب الدائر حول الهوية والذى يعبر عنه الكثيرون ممن لديهم قدرا معقولا من التعليم والثقافة يشى بجانب كبير من الخلط بين هذه المفاهيم.



ومن ناحية أخرى فإن كثيرا من المشكلات التى يشار إليها عند الحديث عن مشكلات الهوية يمكن أن تثار تحت عناوين أخرى أكثر دلالة. فجل التغيرات التى تساق عبر الأمثلة هى تغيرات ناتجة عن صدمة تأثير العولمة بكل ما فيها من تدفقات تكنولوجية واستهلاكية وفكرية وبكل قدراتها على التفكيك الثقافي. وتلك حالة عامة فى كل المجتمعات. ولقد دُرست هذه التغيرات فى علاقتها بالهوية، وأتضح أن لها تأثيرا فى تفكيك الهوية وتشظيها عبر تقاطعات المكان والطبقة والثقافة. لقد كان لهذه التغيرات تأثيرات كبرى على هوية شعوب كثيرة، خاصة الشعوب التى تعرف أشكالا من الانقسام العشائرى، أو العرقى أو الدينى، بل إنها فجرت الكثير من الصراعات والعنف، ولكن تأثيرها فى المجتمع المصرى لم يكن له علاقة قوية بالهوية. ربما يكون قد عكر صفوها، أو هال عليها بعض الغبار، ولكن ظل المجتمع قويا متماسكا فى أقصى درجات أزماته، بل إن الأزمات تزيده تماسكاً. وفى ظنى أن مواجهة هذه المشكلات واحدة واحدة، وتحليلها، وفهمها حق الفهم أجدى بكثير من ربطها بشكل آلى بالهوية، وكأنها مفتاح يحل لغز كل المشكلات وأهم من ذلك كله أن نجدد الثقة فى ما يتميز به المجتمع المصرى من قدرات هائلة على الابداع، وان نُشيد بالإنجازات التى يحققها، وبالنضالات اليومية التى يبذلها الأفراد العاديون من أجل استقامة الحياة واستمرارها.



ويدعونا كل هذا إلى أن ننوه إلى أهمية التمييز بين مشكلات الهوية وبين القلق على الهوية. إن الخطاب حول الهوية هو أحد مجليات القلق الوجودى الذى يحل بالشعوب التى تركها الاستعمار متخلفة جاهلة، ثم تعثرت فى اللحاق بركب الحداثة، فكلما استملكت جانبا منها تجد جديدا لا تقدر على استملاكه، فيتشكل لديها ما نطلق عليه القلق الوجودي: الخوف على المصير وعلى المستقبل. هنا يطل سؤال الهوية برأسه، فيتحول القلق الوجودى إلى قلق على الهوية. هنا تصبح الهوية مساوية للمصير، وللمستقبل، وللوجود. وتصبح المسألة الشائكة العصية على الفهم، والوعاء الذى يملؤه العارفون وغير العارفين، بأشكال من الكلام حول مشكلات البشر والمجتمع، والتاريخ الذى ذهب ولم يعد، والأمجاد التليدة، والثقافة التى تردت. وكثيرا ما يساق هذا الكلام دون فهم، ودون نظر، وحتى دون دراية بأمور المجتمع ومشكلات عمرانه. فتجد الرجل الذى لم ير من المجتمع إلا مكان ولادته ومكان سكنه، تراه ناقما على المجتمع، مفسرا كل ما لا يروقه على أنه يرجع إلى ضعف الهوية أو عدم الوعى بالهوية. وتتكرر مثل هذه المشاعر فى مجالس الناس، وخطاباتهم، وفى كثير من الندوات الثقافية، وبعض الكتابات المتسرعة التى لا تختلف كثيرا عن الكلام العادى الذى يتردد فى مجالس الناس. وفى كل الأحوال فإن معظم الخطباء والمخاطبين لا يشعرون قط أن مثل هذه الأقوال ما هى إلا خطاب لبراءة الذمة والتجمل، وتلطيف قلق الوجود بالنوم على أجولة من ملاحم الكلام.