عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
هوية مصر بين الأرض والتاريخ والإنسان
26 مايو 2023
يكتبها ــ فاروق جويدة


من وقت لآخر يدور الحوار حول هوية مصر ويبقى السؤال معلقا بين الحقيقة والاجتهاد رغم أن القضية لا تحتمل الكثير من اللبس لان عناصر ومقومات الهوية المصرية تدور حول ثلاثية ثابتة منذ آلاف السنين هى الأرض والتاريخ والإنسان.. إن الأرض هى أغلى ما ملكت مصر فى تاريخها، والتاريخ هو ذلك التراكم الحضارى الذى صاغ تجربة مصر فى الوجود، أما الإنسان فهو أكثر العناصر التى تعرضت لمتغيرات ومراحل كثيرة بين التقدم والانحسار والإنجاز والتراجع.



> أتوقف عند مصر الأرض وهى من أهم مكونات الأمة المصرية جغرافيا وهى جزء أساسى فى صنع التجربة المصرية .. إن مصر الموقع كان لها دور كبير ومصر النيل قامت على أهم عناصر وجودها الحضارى والإنسانى على ضفاف النيل .. ومصر دفعت ثمن خريطتها فلم تكن أرضا عادية ولكنها توسطت العالم كله ودفعت ثمن ذلك عدوانا وأطماعا واحتلالا وكل أحداث التاريخ الكبرى التى مرت بها مصر كان الموقع والمكان والأرض سببا فى كل ما أحاط بها من المخاطر .. ولم يكن غريبا أن تكون أرض مصر هذه الرقعة الصغيرة وسط القارات مطمعا للغزاة والمغامرين فى كل العصور .. كانت الأرض من أهم العناصر التى قامت عليها الحضارة المصرية باختلاف مراحلها وكانت سببا فى كل ما تعرضت له مصر من الغزوات الخارجية ولم يكن غريبا أن المصريين عاشوا فى ظل الاحتلال أكثر ما عاشوا أحرارا .. وكانت هذه من أكثر نقاط الضعف فى مكونات وثوابت الشخصية المصرية إنها كانت دائما مشاعا بين أحلام الحرية .. ورغم كل ما تعرضت له الأرض المصرية من الغزوات فإن البعد الحضارى فى الأرض المصرية كان أعمق بكثير من محاولات تشويه الهوية وقطع الجذور .. وبقيت أرض مصر أحد الأصول الأغلى فى تراثها وثروتها وامتداد عصورها..



> يأتى التاريخ فى قلب هذه الثلاثية وإذا كانت هناك شعوب بلا تاريخ فإن تاريخ مصر من أهم مقومات وجودها حتى لو كان احتلالا وغزوا .. إن أهم ما حمله تاريخ مصر هو التنوع أن مصر الأديان والإبداع والتحديث فى كل شيء، غير مصر الحروب والانتصارات والهزائم .. إن الفلاح المصرى الذى علم الناس الزراعة هو المقاتل الذى حارب الهكسوس والتتار وواجه الغزاة دفاعا عن الأرض وهو نفسه الذى شيد المعابد والمساجد والكنائس على ضفاف النيل .. هذا الثراء التاريخى هو الذى صنع التراكم الحضارى الذى عاشت عليه مصر رغم اختلاف الأزمنة وتعدد العصور .. ومن هنا أخذ التاريخ مكانه وأهميته فى التجربة الحضارية والإنسانية للمصريين والشعوب التى صنعت التاريخ شعوب قليلة ومن هنا فإن تاريخ مصر من أهم مقومات وجودها ودورها وتأثيرها ..



> أتوقف عند آخر هذه الثلاثية وهو الإنسان المصرى وبقدر ما عبرت عليه عصور من التقدم والإنجاز والرفاهية بقدر ما عانى الفقر والتخلف وإن بقى رغم كل هذه التغيرات أهم عناصر ومقومات الهوية المصريه التى شهدت تقلبات كثيرة وعصورا من التبعية تركت آثارها على الهوية المصرية التى مرت بمراحل كثيرة .. كانت رياح الحرية فيها اقل كثيرا من عواصف الاستعباد وكانت حشود الغزاة من أهم الأسباب فى تراجع دور الإنسان المصرى رغم انه امتاز عبر عصور مختلفة بأنه كان مؤمنا مبدعا خلاقا .. بقى الإنسان المصرى رغم كل ما تعرض له أهم مقومات الوجود المصرى حضارة وثقافة ودورا وتأثيرا .. ربما عصفت به رياح كثيرة غيرت ثوابته وقناعاته وجذوره إلا أن الإنسان بقى أغلى وارقى ما ملكت مصر فى كل العصور ..



> لاشك أن هذه الثلاثية التى قامت عليها الهوية المصرية لم تعد كما كانت فلم تعد الأرض هى الأرض وأصبح دورنا فى صناعة التاريخ اقل كثيرا مما كنا عليه اما الإنسان فحدث عنه بلا حرج .. إن الأرض التى خسرت ملايين الأفدنة لم تعد فى خصوبتها أمام غزو قلاع الاسمنت وناطحات السحاب والأبراج وتشويه الأرض الزراعية .. والنيل هذا الفارس الجسور كلنا يعرف ما أصابه ومايعانيه الآن .. وأمام هذا سقطت قدسية التاريخ أمام الأكاذيب والتزوير وتشويه الأحداث والحقائق وتراجع التأثير والمهابة .. ولم يعد الإنسان المصرى المبدع الخلوق الحاضر المؤثر حاملا للراية أمام سفوح كثيرة أسقطت شموخ الجبال وهامات القمم ..



> الحل عندى هو الإنسان وهو يسبق الأرض والتاريخ فى كل شيء إن النيل نهر عظيم ولكن الإنسان هو الذى صنع على ضفافه الحضارة، والتاريخ تراث إنسانى وحضارى وروحى بديع .. يبقى الإنسان وهو الذى ينطلق ويبدع ويبنى حين يكون حرا محلقا آمنا تسبق إنسانيته كل شيء .. عودوا إلى الإنسان فهو صانع الهوية وهو أساس الخلق فى هذى الحياة ..



> لقد ارتفعت أصوات كثيرة هذه الأيام تتحدث عن الهوية والقضية قديمة وما تعرضت له الشخصية المصرية من التشوهات ليس خافيا على احد لأن الظواهر أمامنا واضحة وكلنا يراقب أحداث العنف والجريمة والإرهاب والمخدرات واختلال منظومة القيم والفرص وقدسية الأديان واحترام الأسرة والجهل والأمية وسوء الأخلاق .. كل هذه الظواهر السلبية لا علاقة لها بثوابت ومقومات الهوية ولكنها تشوهات أصابت الإنسان المصرى وهو اغلى ما كان لدينا وكنا نفخر به إنسانا مبدعا أمينا مجاملا وكان حديث الناس إذا اغترب ونموذج الرقى إذا عاد وكان مؤمنا بلا تطرف مترفعا بلا إسفاف يقدر الحق والمسئولية .. عودوا إلى المصرى القديم الذى علم الدنيا الأخلاق والإبداع والحضارة .. حين نتخلص من أمراض الأنانية والإقصاء والتهميش والسطو على فرص الآخرين وحين نفكر بحرية ونتحاور برقى ونجد فى صدارة المشهد الأفضل والأقدر والأنقى ضميرا وسلوكا .. ساعتها سوف نثق أن مصر التى كانت قد عادت..



> إن ثوابت الهوية المصرية لم تتغير ولكنها تعرضت عبر آلاف السنين لمحاولات تشويه وتدمير مقصودة حين تغيرت الشواهد والحقائق والأفكار ظهرت فى حياة المصريين تناقضات كثيرة بين الأرض والبشر وبين النيل والحضارة وبين الدين والثوابت وبين قيمة الأشياء والأفكار فى حياة الإنسان واختلت الموازين والسلوكيات والأخلاق والشواهد .. وكانت الحشود التى اجتاحت تراب هذا الوطن ونيله وتاريخه وأسبابه من كل أنواع الغزو سببا فى تشويه الكثير من الجذور والمكونات والثوابت والحل أن نسترد ما ضاع وأن نعود إلى ما كانت عليه هويتنا لأنها ليست مجهولة الملامح إنها تظهر فى كل شيء ولكن هناك أسبابا كثيرة أخفت بريقها وغيرت شواهدها ولهذا ينبغى ألا نبحث عن هوية جديدة لدى الآخرين كما يتصور البعض ضرورة البحث عن بدائل سلوكية وثقافية، لأن ما لدينا يكفى، فلدينا إنسان مبدع وارض طيبة وتاريخ عريق .. ابحثوا عن هذه الكنوز فهى ميراث أصيل تركه لنا آباء عظام المهم كيف نحييه ونسترد ما بقى منه..



 



..ويبقى الشعر



عودُوا إلى مصْر ماءُ النـِّيل يكفينـَا



منذ ارتحلتمْ وحزنُ النهْر يُدْمينــــا



أيْن النخيلُ التى كانتْ تظللـَنــــــــا



ويرْتمى غصْنـُها شوقـًا ويسقينـَا ؟



أين الطيورٌ التى كانتْ تعانقـُنــــــا



وينتشى صوْتـُها عشقـَا وَيشجينا؟



أين الرُّبوعُ التى ضمَّتْ مواجعَنـَـا



وأرقتْ عيْنها سُهْدًا لتحْمينـــَــــا ؟



أين المياهُ التى كانتْ تسامرُنــــَــا



كالخمْر تسْرى فتـُشْجينا أغانينـَا ؟



أينَ المواويلُ ؟..كم كانتْ تشاطرُنـَا



حُزنَ الليالـى وفى دفْءٍ تواسينـَـــا



أين الزمـــــــانُ الذى عشْناه أغنية



فعانــقَ الدهـْــرُ فى ودٍّ أمانينـــَـــــا



هلْ هانتِ الأرضُ أم هانتْ عزائمنـَا



أم أصبـحَ الحلمُ أكفانـًا تغطـِّينــــــــَا



جئنا لليلـــــــى .. وقلنا إنَّ فى يدهَا



سرَّ الحيَاة فدسَّتْ سمَّهــــــــا فينـــَا



فى حضْن ليلى رأينا المْوت يسكنـُنـَا



ما أتعسَ العُمْرَ .. كيف الموتُ يُحْيينا



كلُّ الجراح التى أدمتْ جوانحَنـــــَــا



وَمزقتْ شمْـلنـــا كانتْ بأيدينــــــــــَـا



عودوا إلى مصْر فالطوفانُ يتبعكـُــمْ



وَصرخة ُ الغدْر نارٌ فى مآقينـــــــَــا



منذ اتجهْنا إلى الدُّولار نعبــــُــــــدُهُ



ضاقتْ بنا الأرضُ واســودتْ ليالينــَا



لن ينبتَ النفط ُ أشجارًا تظللنـــــــَـا



ولن تصيرَ حقولُ القار .. ياسْمينــَا



عودوا إلى مصْرَ فالدولارُ ضيَّعنــَا



إن شاء يُضحكـُنا .. إن شــاءَ يبكينـَـا



فى رحلةِ العمْر بعضُ النـَّار يحْرقنا



وبعضُهَا فى ظلام العُمْر يهْدينـــــــَا



يومًا بنيتمْ من الأمجَـــــــاد مُعجزة ً



فكيفَ صارَ الزَّمانُ الخصْبُ..عنينا؟



فى موْكبِ المجْد ماضينا يطاردنـــَا



مهْما نجافيهِ أبى أن يجَافينــــــــــَـا



ركبُ الليالى مَضَى منـــــــا بلا عَدَدِ



لم يبق منه سوى وهم يمنينـــــــــَا



عارٌ علينا إذا كانتْ سواعدُنـــــــــَا



قد مسَّها اليأسُ فلنقطـعْ أيادينــــــَا



يا عاشقَ الأرْض كيفَ النيل تهجُرهُ ؟



لا شىءَ والله غيرُ النيل يغنينـــَـا..



أعطاكَ عُمْرا جميلا ًعشتَ تذكـــرهُ



حتى أتى النفط بالدُّولار يغـْرينـــــَا



عودوا إلى مصْرَ..غوصُوا فى شواطئهَا



فالنيلُ أولى بنا نـُعطيه .. يُعْطينــَـا



فكسْرة ُ الخـُــبْـز بالإخلاص تشبعُنـا



وَقطـْرة ُ الماءِ بالإيمَــــان ترْوينـَـا



عُودُوا إلى النـِّيل عُودُوا كىْ نطهِّـرَهُ



إنْ نقتسِمْ خـُبزهُ بالعدْل .. يكـْفيــنـَا



عُودوا إلى مِصْرَ صَدْرُ الأمِّ يعــرفـُنــــــا



مَهْمَا هَجَرناهٌ.. فى شوْق ٍ يلاقينــَــا



قصيدة "عودوا إلى مصر سنة 1997"