عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الحرب القادمة فى الشرق الأوسط.. تأجيل أم تراجع
14 مارس 2023
أشرف العشرى


مفاجأة الاتفاق السعودى - الإيرانى الأخير بوساطة صينية كان متوقعا ،خاصة ان الطرفين فى الإقليم خاضا مفاوضات ماراثونية لأكثر من عامين عبر خمس جولات حوار فى بغداد ،وقبلها لقاءات متعددة غير معلنة فى سلطنة عمان، عنصر وجه المفاجأة الأول فى التوقعات هو التوقيت حيث كان الموعد نهاية هذا العام على اكثر تقدير, ويبدو ان الإلحاح والاستجابات السريعة من قبل طهران لدفتر شروط الجانب السعودى كان ضاغطا ،لتجنب ايران ضربة عسكرية كانت قادمة لامحالة هذا العام بتخطيط إسرائيلى – أمريكي. العنصر الثانى فى طيف المفاجأة كان الوسيط الصينى وإعلان صيغة الاتفاق من بكين، ويبدو ان الامر ليس وليد الصدفة والايام الماضية فقط، بل مخطط ومعتمد منذ ديسمبر الماضى وخلال مشاركة الرئيس الصينى شين بينج فى القمم الثلاث مع السعودية والخليج والقادة العرب، حيث نسجت قوام الوساطة الصينية خلال اللقاء المنفرد بين ولى العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس بينج ،وتولى الأخير المهمة بحرفية وسباق مع الزمن، ليسطر صفحة جديدة للصين فى الإقليم وجواز مرور كلاعب رئيسى وضرورى للتموضع والتمركز بقوة أكثر فى الشرق الأوسط، ناهيك عن مفاجأة خيبة الأمل لأمريكا التى صعقتها مفاجأة قوة وزخم اللاعب الصينى الجديد ،والاستدارة الحقيقية لدول الخليج الى حد ما للشرق.



ان صفقة عودة وتطبيع العلاقات السعودية - الإيرانية من جديد ستغير موازين التوجهات الجيو سياسية فى الإقليم برمته من الآن، وفاجأت الغالبية فى الشرق الأوسط بكل تاكيد، حيث النجاح الأول يحسب للسعوديين فى تفكيك ألغاز لوغاريتمات الممانعة والاندفاعات الخشنة والسياسات الصدامية لإيران فى الإقليم بشكل كامل،والتخلى عن التهديدات المتلاحقة للخليج وعواصم عربية بين الفينة والاخري، وستعد إيران من الواحد الى المائة وتعمل العقل وحساب الأرباح والخسائر،قبل الأقدام على اى خطوة قادمة فى الإقليم خاصة تجاه اى عاصمة عربية وربما تتراجع تدريجيا عن فكرة الاستحواذ والسيطرة على أربع عواصم عربية (العراق - سوريا - لبنان - اليمن) قبل نهاية هذا العام. لأن كل هذه السياسات والممارسات والسلوكيات الإيرانية كانت محور نقاش معمق بين الجانبين السعودى والايرانى فى جولات مفاوضات العامين ،وعندما تراجعت إيران وأقرت بلائحة الشروط والمطالب السعودية ، وقدمت الضمانات المطلوبة بالتزام كامل وربما خطية امام الوسيط الصينى كقوة كبرى فى العالم منعا لأى تلاعب ومناورة او تراجع إيرانى،أعطت الرياض إشارة المرور للتطبيع وعودة العلاقات ،خاصة ان هذه الخطوة ستترتب عليها فى الحال أحداث الحلحلة العاجلة لملفات متفاقمة وعميقة، كوقف الحرب نهائيا فى اليمن، وعودة الحوار بين الفرقاء اليمنيين سريعا، وامتناع طهران عن تقديم الأسلحة والذخائر والمسيرات للحوثيين، وكذلك الحال للأزمة اللبنانية، حيث سيتم التوافق بغطاء سعودى - إيرانى على تعيين رئيس جديد للبنان، وشل يد حزب الله فى الأوضاع الداخلية للبنان ،وغيرها من الملفات العالقة فى الإقليم وتخص عواصم عربية اخرى ،



وربما هذا كله يحدث بشكل تدريجى وقبل نهاية هذا العام.



بحسابات حقائق الوقائع على الأرض ربما نجح هذا الاتفاق السعودى - الإيرانى فى إبعاد شبح الحرب الخاطفة التى كانت تخطط لها اسرائيل، وبدعم وغطاء لوجستى أمريكى كامل هذا العام ضد البرنامج النووى الإيراني، بتسريبات الصحافة الامريكية، وتأكيدات مراكز الفكر والبحث الأمريكية، وبحقائق الاجتماعات الماراثونية التى عقدت بين كبار المسئولين الأمريكيين والاسرائيليين فى تل أبيب وواشنطن من جميع الأجهزة العسكرية والاستخباراتية والتى بلغت نحو ٣٠ اجتماعا مغلقا فى الـ ٦ أشهر الأخيرة حسب تأكيدات الصحف الامريكية ،وتوجت بأكبر واشمل مناورة عسكرية بين الجانبين أوائل هذا العام بالقرب من حدود اسرائيل ،وبمستوى ومشاركة احدث وابرع الأسلحة التكتيكية الأمريكية، وخصصت لمحاكاة نموذج ضرب محطات البرنامج النووى الإيرانى ،حيث تعاظمت فرص هذه العملية بعد سلسلة التقارير الامريكية والاوروبية ،التى تتحدث عن فرص نجاح إيران فى صناعة القنبلة النووية خلال ١٢ يوما فقط ،بعد زيادة التخصيب فى معادلات اليورانيوم المخصب بواقع ٨٣ فى المائة ،ولذا بات من الصعب تنفيذ هذه العملية وتلك الحرب،على الأقل هذا العام، وبالتالى وبأثر قطعى تأجيلها وصرف النظر عنها وتراجع التنفيذ مرحليا، حيث إن هذا الاتفاق السعودى - الإيرانى وتلك التفاهمات على تطبيع العلاقات خلال شهرين نسف كل الخطط الإسرائيلية - الامريكية، بل ربما دق إسفين قاتل للاستراتيجية الإسرائيلية لتطويق إيران وعزلها فى الإقليم، وربما يمثل الاتفاق صفعة قوية لحكومة اليمين المتطرف فى تل أبيب برئاسة نيتانياهو ،وبالتالى لن تجد اى تعاطف فى الإقليم مع اى تحركات ضد ايران.



بعد الاتفاق السعودى - الإيرانى واضح ان هناك حركة مستجدة فى الإقليم تتجه نحو الإقلاع لتشغيل محركات التهدئة وتخفيف حدة التوترات من قبل ايران ،لمصلحة أوضاعها الداخلية فى المقام الاول، وتخفيف حدة الأزمات والتظاهرات التى تشل الحياة فيها بشكل يومى ، وإيجاد وقت مستقطع للبحث عن حلول للأوضاع المعيشية والحياتية اليومية الصعبة والمزرية للشعب الإيرانى ،اضافة الى قطع الطريق على اى تأزيم وحصار وحشر فى الزاوية للسلطة فى إيران، كما تخطط تل أبيب وواشنطن والاتحاد الأوروبى بعد مقتل مهيسا أمينى بالطيف الواسع من حزم العقوبات الرادعة ، وبالتالى تبقى الضمانة الوحيدة لنجاح الاتفاق ،وإنقاذ طهران، هو التطبيق الكامل والأمين لكل ما تم مع السعودية بضمانة الصين، وتغيير سياسات وسلوك طهران فى الإقليم وتجاه العالم العربى نهائيا.