عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
هل هناك معرفة مكتملة؟
4 مارس 2023
د. أحمد زايد


يحق لنا أن نندهش عندما نصادف فى حياتنا نماذج من ردود الفعل التى تبدو كأن أصحابها قد اكتفوا بما لديهم من معارف، أو أنهم مكانز معارف مكتملة حوت كل المعرفة. تظهر ردود الفعل هذه عند عامة الناس عندما تذكر للواحد منهم رأيًا مخالفًا أوفكرة مخالفة فتجده لا يستقبلها استقبالًا حسنًا، وقد يعبر فى بعض الأحيان، وبشكل صريح، على أنها فكرة أو رأى غير صحيح، وذلك لمجرد أنه لا يعلم عنها شيئاً. كما تظهر عند بعض المثقفين وذوى المعرفة عندما يسمعون فكرة أو معلومة جديدة، وقد يجادلون فيها بشكل سريع دون تروٍ. وليس هذا السلوك فى حد ذاته هو المثير للقضية التى نود أن نناقشها فى هذا المقال، وإنما ما وراءه من صد وإحجام عن معرفة الجديد، وأكثر من هذا ما وراءه من عدم اعتراف بنقص المعرفة والرغبة فى الاستزادة منها. فالعارفون بحق، والمثقفون بحق، والعلماء بحق لا يميلون قط مثل هذا الميل، بل يميلون إلى التأكيد الدائم على نقص المعرفة، والبحث المستمر عنها، وهو بحث لا ينتهى إلا بنهاية العمر، وهم يؤمنون بأن معرفتهم غير مكتملة، ومن ثم فإن لسان حالهم يقول دائماً: أنا سعيد اليوم لأننى تعلمت شيئاً جديداً.



وحرى بنا أن نتأمل هذا الموقف، وأن نسأل أنفسنا أسئلة مهمة: إذا كانت المعرفة لا تكتمل قط، فلماذا يكشف سلوكنا وتوجهاتنا فى كثير من الأحيان إلى القطع بالرأي؟ ولماذا يميل البعض منا إلى التقوقع حول معارفهم الضيقة دون الالتفات إلى معارف مخالفة؟ ولماذا يحوم المرء حول المفاهيم التى تعلمها والمعارف التى حازها دون غيرها من المعارف؟ ولماذا لا توجد مرونة لدى البعض فى تقبل الآراء الأخرى أو أخذها فى الاعتبار؟ وأولاً وقبل كل هذا لماذا يغتر الإنسان بمعارفه وصولاته وجولاته ولا يكون له من سبيل إلا استعراضه' وصياغتها فى أطر رمزية خطابية؟ وعند محاولة البحث عن إجابة لهذه الأسئلة قد نفكر فى ثلاث فرضيات على النحو التالي: تتصل الأولى بالثقافة التقليدية التى نشأنا فيها ولاتزال تراوح عقولنا حتى بعد أن ولجنا إلى العالم الحديث. فهذه الثقافة التقليدية عرفت هذا الانفصال الكبير بين من يعرف ومن لا يعرف، أو بين من يقود ومن يقاد. ولذلك فقد ترعرت فيها قيم الأبوية والذكورية وقيم القبلية التى تبجل الكبار الذين يفترض أن يكونوا أكثر معرفة وأكثر دراية بأمور الحياة. ونجادل هنا بالقول إن نظم الحداثة التى تطورت فى مجتمعاتنا وفى عقولنا لم تتجاوز هذه المفاهيم التقليدية، ولذلك فإننا نميل إلى أن نعيد إنتاجها دون وعي. يظهر ذلك فى سلوكنا، وفى اختياراتنا، وفى أساليبنا فى العمل والإدارة. ونؤكد هنا أننا نعيد إنتاجها فى تصوراتنا عن أنفسنا وعما نمتلكه من معارف، فيسعى حامل المعرفة إلى أن يكون شيخ قبيلة، أو شيخاً له مريدون. ويؤدى ذلك إلى أن ينصرف جل السلوك وردود الفعل إلى تأكيد صورة ذهنية بأن حامل المعرفة هو كبير العارفين الذى يجب أن يسمع وأن يطاع.



ولكن المتخصص فى علم النفس قد يفترض افتراضا ثانيا بأن مثل هذه السلوكيات تعُد مؤشرات فطرية على عمق النزعة المتطرفة فى النفس البشرية، فمن المعروف أن التطرف هو نزوع نحو الاستجابات القريبة المألوفة عند حد الوسط. وتعُد كل الأمثلة التى قدمناها فى صدر هذا المقال أمثلة على هذا النوع من السلوك المتطرف الذى لا يقبل إلا فكرة واحدة أو أفكارًا محددة يلتف حولها العقل ولا يقبل سواها قط، أو الذى ينأى بجانبه عن الأفكار الجديدة أو المختلفة التى تطرح عليه، وكأن ما يحمله من معارف هو معارف مؤكدة لا تقبل النقاش، معارف مكتملة لا يصيبها النقصان بحال من الأحوال. وإذا صح هذا الافتراض فإنه يعنى أن التطرف قائم بين ظهرانينا وأنه ربما يوجد حتى عند الناس الذين يدعون أنهم بعيدون عنه. وقد نفكر فى افتراض ثالث مفاده أن النزوع فى السلوك نحو الرفض والتعالى والأنفة هو مؤشر على نمط من الالتفاف حول الذات، وهو التفاف لا يصل إلى مستوى النرجسية (الإفراط فى الإعجاب بالذات) ولكنه يؤشر على تباعد اجتماعى ونفسي، أو تخارج من الاجتماعى إلى الذاتى والشخصي، بحيث يتعلق الإنسان بذاته ويحسبها أنقى الذوات وأكثرها معرفة. ويكون لذلك دلالات مهمة، فيما يتصل بالتواصل الاجتماعى والقدرة على تكوين جماعات اندماجية؛ فتلك الجماعات تكون صعبة المنال مادام أن كل حزب بما لديهم فرحون.



ومهما تكن الفرضيات التى تفسر سلوك التعالى والرفض، فإنها توصلنا جميعا إلى نتيجة واحدة مفادها أن هذا النمط من السلوك يجافى كثيرا حقائق التاريخ وحقائق المنطق. إن مثل هذه السلوكيات يمكن أن تقبل من الرجل العادى الذى يتصرف بتلقائية، ولكنها لا تقبل قط ممن يدعون المعارف من المثقفين والمفكرين والعلماء. فهؤلاء يعرفون – أو لا يعرفون – أن زمن المعارف الشاملة الكلية قد انتهي، وأن العصر الموسوعى فى المعرفة قد انتهي، وأن المعرفة فى العصر الحديث لا تحدها حدود، وأن العقل البشرى قاصر عن أن يمتلك أطرافها جميعاً. وعلاوة على ذلك فإن جوهر المعرفة الحقيقية هو الاعتراف الدائم بالجهل، فذلك يمكننا من ممارسة النقد والتفكير وطرح السؤال بشكل مستمر، ومحاولة البحث عن الحقيقة أياً كان مصدرها. ولقد كان سقراط صادقاً بحق عندما قال لمن قالوا عنه إنه أحكم الناس: كل ما أعرفه اننى لا أعرف شيئاً؛ ولقد قارن بينه وبين محاوره بالقول إننى أفضل منه لأنه يدعى العلم وهو لا يعرف شيئاً، أما أنا فإننى لا أدرى ولا أزعم اننى أدري. وإزاء هذا كله نعرف عن يقين أن لا معرفة مكتملة قط؛ وأن الابتهاج بالجهل هو الطريق الأكمل نحو المعرفة التى لا تكتمل أبداً. وفى النهاية فرأيى خطأ يحتمل الصواب ورأى غيرى صواب يحتمل الخطأ.