عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الإعلام والثقافة
18 فبراير 2023
د. أحمد زايد


تثار أسئلة كثيرة حول الدور الذى يمكن أن يلعبه الإعلام فى نشر الثقافة وبناء الأرضية الصلبة للمعرفة فى العقل البشري. والحقيقة أن العلاقة بين الإعلام والثقافة هى علاقة أكثر تعقيدا من أن تفهم فى ضوء أحكام عامة حول النجاح والفشل أو الانطلاق والتعثر. ولهذا فقد قصدت من هذا المقال محاولة تقديم بعض الأفكار العملية فى تنضيد هذه العلاقة بين الإعلام والثقافة.



إن نقطة البداية هى فهم الثقافة، وماذا نريد منها عندما ندخل عليها الإعلام ليكون فاعلاً فى تغييرها وتحديثها؟ تفهم الثقافة هنا بمعنيين: فى المعنى الأول تفهم الثقافة فهمًا عامًا على أنها مخططات للحياة؛ تؤطر الحياة وتؤسس لأساليب العيش والعمران البشرى بعاداته وتقاليده وفنونه ومنتجاته المادية. وفى المعنى الثانى تفهم الثقافة فهمًا خاصًاعلى أنها أشكال من الإنتاج الأدبى والفكرى والعلمى والفنى، تقوم عليها صناعات ثقافية متنوعة؛ كصناعة النشر والسينما والمسرح والدراما والبحث العلمي. وفى إطار هذين المستويين من الثقافة يمكن المجادلة بالقول بأن كلا منهما يحتاج إلى نوع مختلف من الإعلام. ولا يصلح أن نعمم بحال من الأحوال على دور إعلامى ثقافى هكذا بشكل عام ومطلق دون أن نميز بين هذين النوعين من الثقافة؛ فعندما يكون الأمر متعلقًا بالثقافة بالمعنى العام فإن الهدف من الإعلام الثقافى فى هذه الحالة يتحدد فى محاولة إكساب الجمهور قدرًا من المعرفة بجوانب من الثقافة العلمية والفكر والفن، وكذا التعريف بالرموز الوطنية العالمية والإقليمية فى هذه الصنوف الثقافية، والتعريف بتاريخ الصناعات الثقافية الوطنية وجذورها التراثية والعالمية، والمناقشة العميقة لبعض المنتجات الثقافية العالمية والإقليمية والمحلية. ويكون الهدف الأبعد للإعلام الثقافى من هذا النوع أن يسهم فى تأطير العقول الناشئة ومساعدتهم على بناء قاعدة معرفية ثقافية، وعلى تعميق الوعى التاريخى بوطنهم، ورفع مستوى الذائقة الجمالية لديهم، وحثهم على القراءة وعلى الفعل الثقافى والإبداعي. ويحتاج ذلك إلى نوعية معينة من البرامج، تحتاج بدورها إلى إعداد جيد، وإلى قدر من التنوع، وإلى رجال ونساء يعرفون أهداف هذه البرامج جيدًا، ويحملون من الثقافة ما يمكنهم من إدارتها بحذق ومهارة. ولدينا فى تاريخنا الإعلامى الحديث والمعاصر نماذج بارقة يمكن أن تحتذى، كتلك التى قدمها الراحل فاروق شوشه، أو التى قدمتها وتقدمها درية شرف الدين. وقد نضيف إلى هذه النماذج بأن نقدم برامج أخرى جديدة؛ كأن نقدم برنامجاً يجمع بين عدد من الشباب لمناقشة القضايا الثقافية، أو جعلهم يتنافسون على نوعية من المعارف الثقافية، أو يعرضون إبداعاتهم الفنية والأدبية، وتغطية الندوات الثقافية، بل والعمل على إقامتها وبثها إعلامياً. وفى كل الأحوال فإن مثل هذه البرامج تحتاج إلى خبرة كبيرة، وتدريب جيد، وتحتاج أيضا أولاً وقبل كل شىء إلى إيمان راسخ بأن بناء الثروة المعرفية والثقافية لا يقل بحال من الأحوال عن بناء الثروة المادية، بل إن التعمق فى بناء الأولى لا يسهم فى بناء الثروة المادية فقط، بل يتحول هو ذاته إلى ثروة، وأرصدة مدخرة. وفضلا عن ذلك فإنها تحتاج إلى قناعة بأن العمل الإعلامى يجب ألا يتجه أولا وأخيرا إلى تحقيق الربح، بل أن يساير شعورا عميقا بالمسئولية الاجتماعية، وهى متوافرة لدى كثير من القائمين على شئون الإعلام فى بلدنا.



أما عندما يكون الأمر متعلقا بالثقافة بالمعنى الثانى، فإننا نكون بصدد هدفين رئيسيين: يرتبط الأول بالعمل على تحديث هذه الثقافة ومحاولة حقنها بالمثل العليا وتعميق ما تحمله من مُثل وأخلاق، من أجل بناء وعى حداثى عام يقدر مفاهيم المواطنة والعطاء والمعروف، ومن أجل أن يكون الإعلام أداة تحفيز لبناء مزاج عام منضبط، وعقل عام يقدر المسئولية والواجب. أما الثانى فإنه يرتبط بما تحمله هذه الثقافة من معارف وفنون، فثمة معارف كامنة فى بنية الثقافة، وثمة فنون شعبية وحرفية لها قيمتها وجدارتها فى الحفاظ على الهوية والمكنون الثقافى عبر التاريخ. ويتحدد الهدف الإعلامى هنا فى إلقاء الضوء على هذه المعارف وتلك الفنون، وتقديمها بالشكل الذى يليق بها، وبالطريقة التى تحقق دورها فى شحذ الهمة وتعميق مفهوم الهوية. ولتحقيق هذين الهدفين نحتاج إلى نوعية معينة من البرامج الإعلامية. فبالنسبة للهدف الأول، ثمة إمكانية لحقن الطاقة الأخلاقية فى جسد الثقافة. وأقترح هنا بشكل عملى برنامجين: الأول يرتبط بمناقشة مواقف تصادفنا فى حياتنا اليومية، ولا نرضى عنها، ونعتبرها مواقف خارجة عن النظام العام مثل إلقاء القمامة فى الشوارع، والتعدى على حقوق الجيران برفع أصوات المكبرات، والتعامل مع موظفى الدولة أو حتى المواطنين بشكل متعال..إلخ هذه المواقف الضالة عن سواء السبيل. وثمة إمكانية لتصوير هذه المواقف أو تمثيلها ثم مناقشتها من جانب خبراء فى العلوم الاجتماعية والسلوكية. ومن شأن مثل هذا البرنامج أن يسهم بشكل غير مباشر فى تقويم السلوك ورفع مستوى الوعي. أما البرنامج الثانى، فإنه يقوم على عقد مناقشة جماعية بين مجموعات صغيرة من الأفراد حول قضية سلوكية، والتوصل فى نهاية النقاش إلى حلول. وعلى منوال هذين البرنامجين، يمكن أن نقدم برامج مختلفة شريطة أن نتجنب النقد والنصائح باعتبارنا نحن فقط من يملك المعرفة. ولتحقيق الهدف الثانى المرتبط بإعلاء شأن الثقافة والفنون الشعبية، فإن جهدا كبيرا قد بذل بالفعل فى توثيق معظمها. ونحن بحاجة إلى برامج لعرضها، واشتقاق معارف وفنون جديدة منها، لا على سبيل الاستعراض؛ وإنما على سبيل الفخر والاعتزاز بهذه الثقافة الأصلية. وأخيرا فإننى لا أزعم هنا أننى قدمت حلولاً لمعضلة كبيرة، ولكنى فقط قصدت إلى المشاركة برأى بسيط ومتواضع لفهم موضوع شائك يجب ألا يترك قط للأفكار السائلة والسائرة التى تتناثر هنا وهناك.