عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
كارثة الزلزال.. نجاح عربى وإخفاق دولى
14 فبراير 2023
أشرف العشرى


بكل تأكيد هى الكارثة الأكبر فى الإقليم، توصف عن حق بأنها ام الكوارث وزلزال القرن، كل نكبات الزلزال التى ضربت تركيا كانت تقع بأراضيها وحدها، كأن الأكبر لديها هذه المرة لم يحدث منذ قرن كامل بتلك الوحشية، هكذا قالوا فى تركيا، هذه المرة وسعت فوالق الزلزال وضرباته القاتلة لتطال الاراضى السورية، وكأن الاخيرة كان ينقصها تلك الفاجعة، الم تكفها نكبات ١٢ عاما من الحرب الضروس التى أتت على الأخضر واليابس وأعادت تلك البلاد الى العصر الحجرى، وضربت ومزقت الخرائط بها لكى تحولها إلى بلد الاستباحة والأشباح الأكبر فى العالم، بلد الركام الكبير، زلزلت تلك الحرب الملعونة الحجر والبشر، دفعت ١٢ مليون سورى للهروب فى الشتات والمنافى، منهم ٦ ملايين بالخارج فى أصقاع الارض، والباقى يقيمون فى مخيمات مناطق الشمال بجناحيه الغربى والشرقى هناك، يكابدون ويلات الفقر المدقع وتدنى شظف وكفاف الحياة الآدمية فى أبشع صورها وفواجعها، لتأتيهم ضربات وارتدادات وحش الزلزال القاتل ليحصد عشرات الآلاف من القتلى والجرحى فى ساعات معدودة. الصور فى المناطق السورية تغنى عن الكلام وتذيب الحجر، تطلق صيحات وأنين الغضب المكتوم على مدى اثنى عشر عاما، تطالب الطبيعة بالكف عن سيل غضبها ولعنات حظها العثر، كفى يعنى كفى بما لحق بها على يد عتاة الاٍرهاب وعصابات القتل وفرق الموت الجوال، ومجاميع الأحزمة الناسفة وصناع التفجيرات الدموية التى أدمت القلوب اثناء وبعد الخريف السورى الطويل الملعون، الذى لم يبق على هذه الارض بعد اليوم مايستحق الحياة. لامبالغة فى القول ان الفاجعة هناك خاصة فى الشمال السورى فوق قدرة البشر على التحمل او التقبل، انواء الزلزال عاصفة مميتة قاتلة كاسحة، لتضيف فصلا جديدا فى حياة هؤلاء البشر هناك ستلازمهم عشرات السنين القادمة، سيظلون يكابدون وحش الفقر والعراء ومخيمات الإيواء المهترئة سنوات طويلة بعيدة ،كانت لحظة غضب الطبيعة ووقوع كارثة الزلزال انكشافا دوليا كبيرا، الغرب والمجتمع الدولى عجز لأكثر من خمسة ايام متتالية فى مد يد العون والإغاثة، أخفق الجميع هناك أرادوا معاقبة الشعب المكلوم فى صورة النظام، تخلوا عن إنسانيتهم لأكثر من ١٠٠ ساعة، كانوا رحماء بالإسراع بمد يد العون للأصدقاء فى تركيا منذ اللحظة الأولى، فتحوا المطارات ودشنوا الجسر الطويل لطائرات الاغاثة والعون وخبراء التعاطى مع كوارث الزلزال، وبالرغم من كل ذلك كان الرئيس التركى اردوغان خلال جولات اليوم الخامس من وقوع الزلزال عاتبا عليهم، وخاطبهم علانية ان الاستجابة من قبلهم لم تكن بالسرعة المأمولة. اما على الجانب الآخر فى الداخل بالشمال السورى فبالرغم من قتامة الأوضاع ونكوص التعهدات الغربية والدولية، فإن المواقف العربية من عواصم عدة وكبرى مفخرة لكل عربى، حيث تسارعت الخطى فى الحال وكان أغلب ان لم يكن كل القادة والدول العربية القادرة على قدر المسئولية العربية الحقيقية والواجبة فى الحال، حيث تعاطت الدول العربية بمسئولية واحترافية انطلاقا من روح الأخوة والمشترك الأخلاقى والعروبى واللغوى والدينى والجغرافى، وسارعت بتجهيز المساعدات الإغاثية، وإرسال المعونات والمؤن وفرق الخبراء والتجهيزات الطبية، وكسر قادة عرب بارعون لحظات القطيعة وفعلوا دبلوماسية الزلزال فى اتصالات هاتفية فى الحال مع الرئيس السورى بشار الأسد، للوقوف معا فى مواجهة تلك النكبة وتجاوز تداعيات تلك الكارثة باقل قدر من الخسائر، كما فعل كل من الرئيس عبدالفتاح السيسى، ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، والرئيس الجزائرى عبدالمجيد تبون، والتونسى قيس سعيد، وملك البحرين، وغيرهم من قادة الإقليم العربي. وكان من حسن التدبر والإغاثة الفورية إرسال عشرات الطائرات الإغاثية والفرق الاحترافية الفنية من خبراء التعامل مع كوارث الزلازل، والفرق الطبية وكل تجهيزات الإنقاذ والإعاشة، حيث تواترات الفرق العديدة المجهزة من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات والجزائر وتونس وقطر وغيرهم لتنتشر فى ساعات معدودة داخل الاراضى السورية بعضهم بالتنسيق الكامل مع الحكومة السورية فى الحال، كما فعلت الفرق المصرية بنجاح منقطع النظير فى مناطق جنديرس بريف حلب ، حيث تلك المناطق ظلت بدون اى تدخل وكانت الأكثر تضررا فكان السباق من قبل الفرق. المصرية بدخولها فى الحال لإنقاذ عشرات المئات، وإخراج القتلى تحت الركام فى اعجاز تحدث عنه أهل جنديرس بحب وتقدير وإشادة بالنجاح المصرى فى تلك المنطقة، وهو ماقامت به فرق عربية اخرى مماثلة بنجاح متزامن من الإمارات والجزائر والسعودية وقطر فى العديد من مناطق شمال غرب سوريا المنكوبة ،بالتنسيق مع الامم المتحدة ومنظماتها المعنية بالإغاثة الانسانية، ناهيك عن حملة (ساهم) للتبرعات السعودية. صفوة القول كان الحضور والمشاركة العربية فى قلب تلك الكارثة ناجحا وموفقا وبمسئولية رفيعة للغاية عكس المشاركة الخجولة للولايات المتحدة والدول الغربية، التى سعت منذ اللحظات الأولى لتسييس كارثة الزلزال ومعاقبة الشعب والرئيس السورى معا، ولم يتحرك أى منهم الا بعد خمسة ايام كما فعلت واشنطن بعد ان تلقت كثيرا من الانتقادات، فقررت الخارجية الامريكية تعديل البوصلة، والإعلان عن توفير مساعدات وفرق إنقاذ واموال وتعليق عقوبات قانون قيصر على سوريا لمدة ٦ أشهر بحجة معالجة تداعيات الكارثة ومن بعدها الاتحاد الاوروبى، وحتى الامم المتحدة كان حراكها متكاسلا، كل هؤلاء كان تعاطيهم مع كارثة الزلزال بسوريا بطيئا ومتواضعا وخجولا ومتراجعا الى حد ما، والشواهد على أرض الواقع تؤكد كل ذلك فى الأيام الخمسة الأولى، إنه حقا عالم الكيل بمكيالين.