عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
حول الخطابات الدولية للتنمية
4 فبراير 2023
د. أحمد زايد


ترجع البدايات الأولى للخطاب الدولى حول التنمية إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث يذهب البعض إلى القول بأن الحرب قد كشفت أمام العالم المتحضر مدى الفقر والعوز القائم فى المجتمعات غير الغربية، وكأن الغرب لم يستعمر هذه المجتمعات ولم يعرف أحوالها، وربما يكون من الأفضل القول بأن الدول الاستعمارية قد أدركت مدى ما فعله الاستعمار بالشعوب المستعمرة، مع إدراك جزء من المسئولية تجاه هذه الشعوب. ومهما يكن من أمر، فمنذ هذا الوقت الذى ظهرت فيه بواكير خطابات التنمية، أضحت هذه النظريات والمفاهيم تتراكم بعضها فوق بعض، بحيث شكلت ما يشبه الغابة التى يصعب أن يسير فيها المرء من كثرة المسالك الوعرة والتشابكات غير الواضحة.



لقد بدأ الأمر بمقولات عن النمو ومراحله، وعن التحديث وأشكاله وعملياته الفرعية مثل التصنيع والتحضر، ثم بدأت المفاهيم والنظريات تتوالد وتتراكم عبر نصف قرن فى موجات يتلو بعضها البعض كموجات البحر التى لا تنتهى. وهكذا رأينا مفاهيم ونظريات حول التنمية البشرية، والتنمية بالمشاركة، والتنمية من أسفل، وحوكمة التنمية، والتنمية الشاملة، والتنمية المحلية، والتنمية متعددة الأبعاد (الاحتوائية)، والتنمية الثقافية، وتنمية رأس المال الاجتماعي، والأهداف التنموية للألفية ثم التنمية المستدامة وأهدافها السبعة عشر، ثم أخيرا الاقتصاد الأخضر والتنمية الخضراء. ولا أظن أن المفاهيم والنظريات سوف تتوقف، بل ستتوالى متراكمة بعضها فوق بعض، رغم وجود انتقادات لها، ورغم وجود نظريات ومفاهيم بديلة لا تجد انتشارا واسعا مثل مفاهيم التخلف، والتنمية الذاتية، والتنمية المستقلة، والتنمية الأصيلة وغيرها من المفاهيم التى تتطور على الهامش لأنها لا تجد دعما كبيرا من الدول أو من المنظمات الدولية التى تهتم بخطابات التنمية.



والحقيقة أن تراكم مفاهيم ونظريات التنمية عبر الزمن يثير قدرا كبيرا من الحيرة لدى المتابعين الأكثر حرصا على تطوير نظرة مستقلة بشأن القضية. ذلك أنه رغم هذه العنقودية الكبيرة للمفاهيم التنموية وتداخلها وتزاحم النقاش حولها وإنفاق الأموال الكثيرة لتطويرها ونشرها، رغم ذلك إلا أن معدلات التنمية لا تتغير بالشكل المطلوب على المستوى العالمي. فمعدلات النمو لاتزال متعثرة باستثناء عدد قليل من الدول (وفى مراحل بعينها)، كما أن القضايا التى تتجه التنمية إلى معالجتها لم تحل بشكل جذرى على المستوى العالمي. نذكر من ذلك على سبيل المثال قضية الفقر الذى تتزايد معدلاته فى العالم، حيث تشير الاحصاءات المنشورة لعام 2021 إلى أن 9% من سكان العالم يعيشون حالة من الفقر المدقع. أى أنهم يعيشون على أقل من (2) دولار فى اليوم، وتتزايد هذه النسبة إلى ما يقرب من 40% إذا تحدثنا عن معدلات الفقر النسبى التى تحسب وفقا لمستويات معيشية أعلى من مستوى الفقر المدقع. ولقد أدت جائحة كورونا إلى أن يتزايد أعداد الفقراء من المستوى الأول (الفقر المدقع) بحوالى 50 مليون نسمة. صحيح أن هذه النسب تتحسن قليلا فى حالة تخطى حالات الركود الاقتصادي، ولكن تظل النسب عالية على اختلاف بين الدول فى سياسات مكافحة الفقر. ونستطيع أن نورد احصاءات أخرى حول الصحة وجودة الحياة وجودة التعليم وغيرها من المؤشرات الدالة على حالة التنمية. ومن ناحية أخرى فإن تقارير التنمية البشرية التى تصدرها نفس الهيئات التى تدافع عن هذه المفاهيم والنظريات لا تؤشر على انتقالات تنموية كبيرة إلا فى الدول التى تمتلك ثروات طبيعية هائلة مثل الدول المنتجة للنفط ذات الأعداد القليلة من السكان.



وإزاء هذا المشهد تعن لنا بعض الأسئلة الهامة التى لا تخلو من رؤية نقدية لمثل هذه الخطابات الدولية حول التنمية وما يترتب عليها من نتائج. أهم هذه الأسئلة هو السؤال عن العوامل التى تجعل هذه المفاهيم تتدفق دون انقطاع. وللإجابة عن هذا السؤال يحق لنا أن نفكر فى أمور كثيرة منها هذه الأجهزة البيروقراطية المعقدة التى تقوم عليها المنظمات الدولية بدءا من الأمم المتحدة ومنظماتها انتهاء بالبنك الدولي. إن هذه الأجهزة تمتلئ عن آخرها بأطقم من الخبراء الذى يعيشون على صناعة هذه الخطابات ونشرها ويصنعون من أنفسهم جماعات مغلقة تهيمن على الجدال والحوار الذى ينتج خطابات التنمية. ولاشك أن إنتاج مفاهيم ونظريات جديدة يعمل على إعادة إنتاج عمل هؤلاء الخبراء، واستمراره، واستمرار الحاجة إليه. وعلى نفس المنوال قد نفكر أيضا فى الطرائق التى تتشكل بها علاقات القوة بين المجتمعات الغربية والعالم. فالعالم الغربى هو الذى أنتج هذه المفاهيم، بل إن مفهوم التنمية ذاته من إنتاج هذا العالم. وعلى هذه الخلفية تبدو العملية التى تنتج بها خطابات التنمية وكأنها دالة على شكل من أشكال الهيمنة الفكرية التى تنظر إلى المجتمعات غير الغربية وكأنها معمل تجارب لأفكار تنموية لا تنتج تنمية بقدر ما تنتج وهما؛ أو أنها تعبير عن إعادة إنتاج مركزية الدول الأغنى فى مقابل هامشية الدول الأفقر؛ أو أنها شكل جديد من أشكال الدبلوماسية التى تصنع آمالا وطموحات قد لا تتحقق بالضرورة؛ أو أنها أدوات متغيرة لصناعة نظام عالمى تلعب فيه خطابات التنمية دورا هاما فى تنضيد العلاقات وصور تقسيم العمل فى النطاق الدولي. وعلى أصداء كل هذه الافتراضات فإن خطابات التنمية المتدفقة فى العلاقات الدولية تخلق لنفسها قوة دفع ذاتية تجعلها تكتسب قوة للاستمرار والتأثير مدعومة بما تضعه المنظمات الدولية المنتجة لهذه الخطابات من تدابير وآليات للحفاظ على هذه الاستمرارية.



ولا أحسب أننى أدعو هنا إلى نبذ هذه الخطابات بقدر ما أحاول أن أفهم السياقات التى تحكم وتنتج هذه الخطابات بغرض التوصل إلى نتيجة هامة مفادها أن تحقيق التنمية بشكل يقينى وجاد لابد وأن ينطلق من معطيات الواقع لا من التعلق بخطابات واهية، وبالمضى قدما فى العمل والانجاز على أرض الواقع، والاعتماد على أفكار ومبادئ تشتق من الواقع المعاش ومن تاريخ المجتمع وثقافته. فطريق التنمية يعبد بالسير فيه بثقة وإرادة دون خوف أو تردد مهما كانت المشكلات والصعوبات.