عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
أفيونُ الشعوب!
8 يناير 2023
د. وحيد عبدالمجيد


إذا كانت عبارةُ كتبها المفكرُ الكبير كارل ماركس فى مقدمة كتابه (إسهام فى نقد فلسفة الحق عند هيجل) حُرفت للزعم بأن أفكاره وفلسفته ضد الأديان، فلا تحريف حدث فى موقف إحدى أهم المدارس الفكرية اليسارية فى القرن الماضى (مدرسة فرانكفورت) ضد كرة القدم.



كتب ماركس أن (الدين أفيون الشعوب) فى سياق نقده الرأسمالية التى رأى أنها تستخدمُ الأديان لتزييف وعى الفقراء والمسحوقين. ولكن عندما نقد بعض روَّاد مدرسة فرانكفورت الاهتمام بكرة القدم، وتخيلوا أنه لا يليقُ بمناضلين ومثقفين وسياسيين جادين، وأن عليهم توعية هواتها بأنها صارت أفيون الشعوب، كانت هذه سقطةً كبيرة. فقد أظهرت انفصالهم، وكثيرُ من قادة اليسار فى العالم، عن الشعوب التى كان هدفُهم تحريرها من الفقر والاستغلال والاستعباد. وتطابق موقفهم مع خصومٍ فكريين وسياسيين لم يفهموا الأبعاد الاجتماعية العميقة لهذه اللعبة، وظنوا أنها تافهةُ لا تؤدى سوى إلى تضييع الوقت والجهد.



ولا تكفى المجادلة بأن هذه اللعبة كانت محدودة الانتشار حتى منتصف القرن الماضى لتفسير هذا الموقف. كما أنه ليس دقيقًا القولُ إن كرة القدم كانت محدودة الانتشار. صحيحُ أنها كانت أقل انتشارًا وشعبية مما بلغته بعد ذلك, ولكن ليس إلى الحد الذى يدفع إلى احتقارها. فكانت أنديتُها آخذةً فى الازدياد منذ أوائل القرن الماضى، وكذلك الولع بها إلى حد أنها كانت أحد مظاهر احتفال جنود متحاربين بالكريسماس بعد نحو أربعة أشهر على اندلاع الحرب الأولى عام 1914. كان ذلك فى أحد المواقع على الجبهة الفرنسية – الألمانية عندما اتفق جنودُ من الطرفين على هدنةٍ محلية فى هذا الموقع بمناسبة الكريسماس. تركوا أسلحتهم، وخرجوا من خنادقهم، وتبادلوا التهانى والمشروبات التى كان لديهم شىء منها. والمهمُ، هنا، أنهم كونوا فريقين للعب مباراة كرة قدم، وحوَّلوا الصراع الدامى إلى تنافسٍ سلمىٍ جميل لساعاتٍ قبل أن يعودوا إلى قتل بعضهم البعض.



ترى ما الذى يمكن أن يقوله هوركايهم وأدورنو وغيرهما من روَّاد مدرسة فرانكفورت لو أنهم بُعثوا أحياءً قبيل المونديال الأخير, وتابعوا التفاعلات الاجتماعية والثقافية الواسعة التى حدثت فيه ؟.