عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
عــلى بــاب الـلـه
23 يوليو 2022
سـناء البيـسى


خطوة واحدة توجهك من الداخل للخارج، أو تستدير معها بقدمك لتأخذك للاتجاه المعاكس.. خطوة تنقلك من الجحيم للنعيم.. من الساخن للبارد.. من الرمضاء للنار.. من النسيم للأنواء.. من الهروب للحبس.. من التشتت للاحتواء.. من الوِحدة للصُحبة.. من الانشطار للالتقاء.. من القوقعة للفضاء.. وقد تأخذك الخطوة باستدارة توجهك فتجد من بعد الامتلاء الخواء، ومن بعد الحلو العلقم!.. الخطوة الفاصلة تلك يحدها «الباب» الذى يُفتح فيُطلقك، أو يغلق ليختفى من خلفه أثرك.. حول أدبيات الباب أستقى وأدور، أفتحه وأغلقه، لمعرفة تاريخه وفنونه ورجع أحداثه، وآثار من فتحوه ودخلوا، ومن فتحوه وخرجوا منه، ومن فتحوه على مصراعيه ليظل ممرًا للحرية، ومن أغلقوه بالضبّة والمفتاح كى لا يرى النور من حكم عليه بالظلام، فالباب ليس مجرد خشب نطرقه، أو حارس البيت الأمين، إنه المكوِّن الذى يخفى وراءه استعارات رمزية وأوصافًا مجازية، وحاضن لأجمل المعانى والحكايات الواقعية والأسطورية..



وإذا ما كان الباب عنوانًا لساكنه فليس أرفع من أبواب الجنة منزلةً، وقد قال عنها رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم بأنها ثمانية فى قوله «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ ـ يُحسن ـ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا اللـه وأن محمدًا عبد اللـه ورسوله إلا فُتِحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء»، وقد اتفق العلماء على أسماء ستة منها بنصوص شرعية: باب الصلاة والجهاد والصدقة والريّان والأيمن والكاظمين الغيظ، ومنها ما اختاره بعض العلماء لإشارات وإيماءات فى النصوص مثل باب التوبة أو الذِكر أو العلم أو الراضين أو الحج.. أبواب ورد ذِكرها فى القرآن الكريم، وفى الحديث الشريف ومنها قول الرحمن: «هذا ذكر وإن للمتقين لحُسن مآب جنات عدن مُفتحة لهم الأبواب متكئين فيها يَدْعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب»، وفى سورة «ص» (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر)، وفى سورة النبأ «وفتحت السماء فكانت أبوابا»، وفى سورة الرعد «جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب» وفى سورة يوسف «وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أُغنىَّ عنكم من اللـه من شىء إن الحكم إلا للـه عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون»، وجاء فى الحديث الشريف قول النبى صلى اللـه عليه وسلم: «إن من السُنَّة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدار»، وعن الرسول صلى اللـه عليه وسلم قوله فى علىّ بن أبى طالب رضى اللـه عنه: «أنا مدينة العلم وعلىُّ بابها»، الجنة مفتحة أبوابها بخلاف النار فعليها أبواب موصدة واللـهم يا أرحم الراحمين تجاوز عن سيئاتنا واعتق رقابنا من النار وباعد بيننا وبينها كما باعدت بين المشرق والمغرب، ولا تجعلنا ممن يطرقون أبوابها السبعة» كما جاء فى قوله سبحانه «لها سبعة أبواب لكل منهم جزء مقسوم»، والسبعة بطبقاتها هى «جهنم ولظى والحُطمة وسقر والجحيم والهاوية وهى أسفلها»..






وليفخر متحف اللوفر أبوظبى باقتنائه باب الكعبة المشرفة الرابع فى تاريخها، من بعد باب الحجاج بن يوسف وقبله بابى تبع وعبداللـه بن الزبير، ولم تكن الكعبة فى بدايتها تحتوى على باب أو سقف بل جدران تم رفعها، ويُعد الملك «تبع» أول من وضع بابًا خشبيًا للكعبة قبل البعثة النبوية بفترة طويلة، ومما يؤكد ذلك عن بن الجرير قوله: «كان تبع فيما زعموا أول من كسا البيت وأوصى ولاته بتطهيره وجعل له بابًا ومفتاحًا»، ومكث باب تبع حتى وقت الزبير الذى صنع للكعبة بابًا طوله أحد عشر ذراعًا، ويأتى الحجاج بن يوسف ليُجمل الباب الجديد عام ١٠٤٥هـ بالحُلى الفضية بما يصل وزنه إلى ٢٠٠ رطل، ويتم طلاء الباب بالذهب فى عهد مراد الرابع ومن بعدها يقوم الملك عبدالعزيز آل سعود بوضع باب جديد للكعبة على حسابه الخاص عام ١٣٦٣هـ ليستغرق العمل فيه ثلاث سنوات صنع فيها مصراعا الباب من الخشب الجاوى المصفح بالفضة المطلية بالذهب، وتبعًا لرغبة الملك خالد بن عبدالعزيز قام الصائغ أحمد بن ابراهيم بدر فى عام ١٣٩٨هـ بصنع باب جديد من الذهب استخدم فيه ٢٨٠ كيلوجرامًا بتكلفة إجمالية بلغت ١٣ مليونا و٤٢٠ ألف ريال، وبانتهاء موسم الحج يكون حجاج بيت اللـه الحرام قد دخلوا للطواف بالكعبة المكرمة من خلال ٢٦٢ بابًا من بينها ١٣ بابًا لذوى الاحتياجات الخاصة، وكانوا فى زيارتهم للرسول عليه أفضل السلام قد دخلوا للروضة الشريفة فى المسجد النبوى بالمدينة المنورة من خلال مائة باب كان عددها فى عهده صلى اللـه عليه وسلم ثلاثة، وفى عهد عُمر بن الخطاب زاد عددها إلى ستة، وفى عهد عمر بن عبدالعزيز أصبح عددها عشرين بابًا، وظل العدد فى ازدياد حتى بلوغ المائة أهمها الأربعة التى كانت موجودة منذ القدم: باب جبريل وباب النساء وباب السلام وباب السلطان عبدالمجيد نسبة للسلطان عبدالمجيد الأول الذى افتتحه..






ولعل أقدم الأبواب فى التاريخ هى الخمسة عشر بابًا فى المسجد الأقصى وهى: باب الأسباط، وباب حطة، وباب فيصل/ العتم، وباب الغوانمة، وباب المطهرة، وباب السلسلة، وباب المغاربة، وباب الرحمة، وباب الناظر، وباب الحديد، وباب القطانين، وباب الجنائز، والباب الثلاثى، والباب المزدوج، أما الباب الخامس عشر واسمه «الباب المنفرد» فقد اختفت آثاره أو تكاد فى السور الجنوبى للمسجد الأقصى، وجميع الأبواب والأسوار موغلة فى القدم وجميعها أقيمت فى عهد «اليبوسيين» قبل الميلاد بعشرات القرون وتم ترميمها عدة مرات فى العهد الرومانى وبعدها فى العصر الإسلامى، وأهم ترميم عام ١١٨٧م بعد تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبى، وآخرها فى فترة حكم السلطان العثمانى سليمان القانونى عام ١٥٣٦م، ويعد باب «الرحمة» فى السور الشرقى للمسجد من أقدم أبوابه، فهو يعود إلى الفترة الأموية فى عهد عبدالملك بن مروان، وهو الباب الذى اتخذه الصليبيون منفذًا لهم إلى الأقصى لاعتقادهم أن المسيح عيسى بن مريم دخل منه، وقد تم إغلاق الباب بعد تحرير القدس عام ١١٨٧م بهدف من صلاح الدين الأيوبى لحماية المدينة والمسجد من أى غزو محتمل.



وفى مصر عرفت مدينة القاهرة أبوابها الأولى مع قيام تأسيسها على يد جوهر الصقلى فى زمن الدولة الفاطمية بين عامى ١٠٨٧ و١٠٩٢م، وأهمها «باب النصر» الذى دخلت منه جيوش مصر المنتصرة، حيث عبره العديد من سلاطين مصر العظام مثل الظاهر بيبرس وقلاوون والأشرف خليل والناصر محمد بن قلاوون وعلى الباب نقش طويل يضم أسماء الخليفة المستنصر وأمير الجيوش أبوالنجم بدر، وهناك «باب الفتوح» المكوَّن من برجين، و«باب زويلة» أكبر أبواب القاهرة وأهم أحداثه عندما بعث هولاكو رسله بتهديد مصر أعدمهم السلطان «قطز» وعلقت الرؤوس على باب زويلة، و«باب البرقية» الذى تم هدمه عام ١٩٣٦ لبناء الجامعة الأزهرية، ومن أبواب جوهر الصقلى الأخرى فى القاهرة «باب سعادة» و«باب الفرج» و«باب القنطرة» و«باب الخوجة» و«باب السلسلة» و«باب الشعرية» و«الباب الأحمر» و«الباب الجديد» بناه صلاح الدين الأيوبى ولم تزل أطلاله موجودة، و«باب القلة» نسبة لبرج عال بناه الظاهر بيبرس فى القلعة وأهداه للسلطان قلاوون، و«باب البحر» ـ بناه صلاح الدين الأيوبى عام ١١٧٤ ــ وعُرف بعدها بباب الحديد وميدان رمسيس وكان النيل يمر بجوار الميدان حتى تغيير مساره لغرب بولاق، وباب العزب، والباب المدرج على شمال الداخل فى القلعة ومنقوش عليه اسم صلاح الدين، وباب الوزير «الوزير نجم الدين محمود وزير السلطان سيف الدين أبوبكر ابن الناصر محمد بن قلاوون» و«باب الدهيشة» نسبة لقاعة داخل القلعة بناها السلطان الصالح عماد الدين إسماعيل سنة ١٣٤٤ وأخذت اسمها من «دهشة» كل من رآها وارتسمت علامات الدهشة والإعجاب بفخامتها وزخارفها، و«باب السر» المخصص للوزراء وكاتم الأسرار وكان يفصل ما بين دهليز باب القلعة العمومى وجامع الناصر محمد بن قلاوون.. وهناك «باب الخلق» الذى أنشىء فى عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب فى سنة ١٢٤١م وكان يقع على رأس الطريق الموصل من «باب زويلة» إلى ميدان باب الخلق المعروفة الآن بشارع تحت الربع.. هذا فى زمان أيوب، أما «باب الخلق» فى أيامنا هذه فقد كان اسمًا لأنجح برامج التليفزيون خَلقًا وخُلقًا مما جعله بمثابة الباب المفتوح من شاشة النهار على ألف ميدان وميدان للثقافة والفن والدين والصحة والحضارة والتاريخ والطرب والسياحة والكشف والاستكشاف، وإلقاء الضوء على أحوال الخلق البسطاء الساعين للقمة عيش مغموس بصنوف الإبداع.. خلاص.. تمت الإزالة ورٌفعت الأنقاض لغزو جديد من جيوش برامج الطهى بزيوته وبهاراته وسلطاته وطواجنه وطباخاته الحسناوات بملابس السهرة (وتسلم إيدك ياشيف والله ينور ووحشتنا موت وحج مبرور وطريقة عمل البشاميل والملوخية البورانى ونورتى الشاشة ياروحى تسلمى ياطنط مديحة) حتى أصبحت الشاشة بقدرة قادر ــ لامؤاخذة ــ ريحتها طبيخ، وعندما يسألون الإعلامى القدير محمود سعد صاحب باب الخلق عما حدث ويحدث حتى الآن يأتى الجواب مختصرًا لكنه غير مفيد: «باب الخلق ملوش نصيب يستمر أكثر من كده»!!



ومن لفظة «الباب» يأتى توارد الخواطر والتداعى والروافد والمرادفات والمتلازمات وخزائن الذاكرة وحكم الزمان وجذوات الفطن وروح العصر وأمجاد على وشك الاندثار: الرتاج. المقبض. من تحت عقب الباب. مين؟!.. الباب الموارب المفتوح الموصد مواعيد الزيارة بوابة الحلوانى الباب العالى شمعوا الباب من باب المروءة ومن باب قلة الحيلة باب الأسانسير باب السطوح باب الرزق باب الثلاجة الواقفون ع الباب أودة البواب كنبة البواب امرأة البواب عم محمد البواب ولاد البواب قطط المدخل الشراعة، طول بعرض زى الباب، كسر الباب برجله ودخل، باب الاجتهاد، باب القرافة، يا خارجة من باب الحمام وكل خد عليه خوخة، باب الحديد لتوفيق صالح وهند رستم ويوسف شاهين بوابة الحدود باب الفرج عبداللـه فتح الباب من الباب للباب ومن الباب للشباك وكل حى يقفل عليه بابه، ومن شاف الباب وتزويقه ماشافوش من جوّه نشف ريقه، والمتعوس متعوس ولو علقوا على بابه فانوس، خرج وقفاه يقمَّر عيش. داخل إيد ورا وإيد قدام. ربنا مايحرمنا من دخلتك علينا. يفتحلك الباب اللى ما عليه بواب. آنستم وشرفتم. داخل شايل طاجن سته. خرج ورزع الباب من وراه. ماتنساش العيش. الباب يساع جمل. مقفول بالضبة والمفتاح. خلع الباب بكتفه. خد الباب فى ايدك. واقف بقى لى ساعة. ممنوع الكـلاب والأطفال. اللمبة الحمراء. باب الطائرة. تلميع الأُكر. باب عشة الفراخ. من وراء الباب. سك على بناتك. كـلام البسطة. فى حاله وقافل عليه بابه. بوابة الحدود. باب أودة المسافرين. من باب الفضول. العدو ع الأبواب، ع الباب أنا ع الباب افتح لى يا بواب، باب المندب، الوريد البابى، بوابة مصر الرقمية، شهر بابه يأتى بعد توت ويليه هاتور، سياسة الباب المفتوح أسلوب سياسى يقوم على الحوار وعدم المواجهة، رواية «الباب المفتوح» للدكتورة لطيفة الزيات فتحت الباب لأجيال من الكاتبات للسعى للحرية تحولت إلى فيلم بطولة فاتن حمامة وصالح سليم إخراج هنرى بركات، مدينة الباب ثانى أكبر مدينة فى ريف حلب الشرقى التى تخضع لسيطرة المعارضة تعرضت فى ٢ فبراير الماضى عدة مرات للقصف والتفجيرات التى راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى، و«الباب» لقب المبشر بالديانة البهائية واسمه على بن محمد رضا الشيرازى (١٨١٩ - ١٨٥٠) الذى أطلق ثورة فكرية لكن حياته انتهت بالإعدام رميًا بالرصاص وهو فى الثلاثين من عمره، ويحتفل البهائيون يومى ٢٢ و٢٣ مايو بانطلاق الدعوة البهائية فى مدينة شيراز الإيرانية، وكان الباب قد وُلد فى أكتوبر ١٨١٦ فى عهد الدولة الفاجارية التى حكمت إيران وأرمينيا وأذربيجان نحو ١٣٠ عامًا، ونشأ فى كنف عائلة من التجار تُنسب إلى أحد فروع سلالة الإمام الحسين، وتوفى والده حين كان رضيعًا فكفله أحد أخواله، ومن المرويات عن طفولته لدى أتباع البهائية أنه حين التحق بمدرسة تعليم الدين أدهش معلمه الشيخ فاعتذر عن تعليمه لأنه لا يحتاج إلى تعليم.. وعن الأبواب يهيب نزار قبانى بالصحاب: «يا أصدقائى جربوا أن تكسروا الأبواب، أن تغسلوا أفكاركم وتغسلوا الأثواب.. يا أصدقائى جربوا أن تقرأوا كتاب.. أن تكتبوا كتاب.. فالناس يجهلونكم فى خارج السرداب.. الناس يحسبونكم نوعًا من الذئاب»... ويرفض المطرب محمد عبده الأبواب والعوائق والسدود: «أرفض المسافة والسور والباب والحارس آه أنا الجالس ورى ظهر النهار. أرفض غبر ذكرى أرفض يكون الانتظار بكره. أرفض إنى أموت فى قلبك ومادرى بموتى أحد. أرفض عطش قلبى اليابس على شفاهى يقول أحبك»، وعن مريد البرغوثى: «الموتى لا يطرقون الأبواب»، وعدو بعيد أفضل من عدو على الأبواب، وينصح أنيس منصور: «تعلم أن تصغى فإن دقات الحظ على الأبواب خافتة»، وعن باولو كويلو «أغلق بعض الأبواب فى حياتك ليس بسبب الغطرسة بل لأنها لم تعد تقود إلى أى مكان».



وفى قول تشارلز ديكنز: «حتى أضخم الأبواب مفاتيحها صغيرة»، وكل الذين أحكموا إغلاق أبواب قلوبهم خشية الوقوع فى الحب لا يُدركون أن السارق الحقيقى لا يأتى عبر الأبواب، وعن رسالة الشاعر يعبِّر جارسيا ماركيز: «يجب أن يكون الشاعر أستاذًا للحواس الخمس وأن يفتح جميع الأبواب فيما بينها»، «وقد يكون اسم عائلتى قد فتح لى الأبواب لكن علىّ أن أبقيها مفتوحة»، «وفى الشباب كل الأبواب تفتح للخارج وفى الشيخوخة كلها تفتح للداخل»، «وما يفعله الناس خلف الأبواب المغلقة لا يقلقنى طالما لم أكن معهم»، «أبواب الفرص تتأرجح على مفاصل المعارضة»، «وإذا كنت لا تفتح الأبواب أمام الناس فأنت تغلقهم.. الناس»، «وكنت أحاول فقط فتح الأبواب.. لكن الجدران سقطت»، «ولا يفتح الباب إلا حين نطرقه وباب ربك دون الطرق ينفتح».. والباب هل هو مذكر أم مؤنث؟! الأصح تذكيره كما فى القول: وصل النزاع الفلسطينى ـ الإسرائيلى إلى الباب «المسدود» لا المسدودة.. وفى القرآن الكريم: «ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه (ولم يقل دخلتموها)».... وتعجب أحلام مستغانمى: «كم تسخر منا الأبواب هناك من ينتظر أن ندق بابه وآخر ننتظره عند الباب»، ومثل عجبها لدى مصطفى صادق الرافعى: «ما حيلة الشمس فى الأبواب التى نقيمها؟! افتح لها.. تدخل إليك»، «والأعداء يطرقون الأبواب بشدة لكنهم لا يستطيعون الدخول إلا إذا فتحنا لهم من الداخل».



وتؤثر ثورة ٢٣ يوليو فى وجدان كامل الشناوى ليكتب فيُلحن محمد عبدالوهاب وتشدو أم كلثوم: «على باب مصر تدق الأكف ويعلو الضجيج. رياح تثور.. جبال تدور.. بحار بحار تهيج.. وكل تساءل فى دهشة.. وكل تساءل فى لهفة أين؟ ومن؟ وكيف إذن؟! أمعجزة ما لها أنبياء.. أدورة أرض بغير فضاء!!!»، «وأطرق بابا. أفتحه. لا أبصر إلا نفسى بابا. أفتحه. أدخل. لا شىء سوى بابا آخر. يا ربى كم بابا يفصلنى عنى»!!! و.. يجعلا من الباب ملحمة شعبية تُبرز أحقية الفتاة فى اختيار شريك العمر.. مرسى جميل عزيز ومحمد الموجى مع عزف منفرد لحنجرة فايزة أحمد: «يا أمه القمر ع الباب نور قناديله. يا أمه أرد الباب ولاّ أناديله يا أمه. يا أمه القمر ع الباب خبط وقال يا أحباب ردوا على الخُطّاب ماعدشى فيها كسوف يا أمه اعملى معروف قومى افتحى له الباب ولاّ أنا أجى له.. أنا آجى له يمه.. أمه».. ويدق باب صباح: «دق الباب فتحتللو وأهلا وسهلا قِلتللو صار يغمزنى هيك هيك. صار يضحكلى ههها غصب عنى ضحكتللوا ورقصتللووا وأهلا وسهلا قِلتللوا. قِلتللوا اتفضل عالدار وخبرنى شوبك محتار. قال لى قلبى ليل نهار عم يتوجع يادللو.. صار يغمزلى هيك هيك.. كتير كتير ارتحتللووا واعطيته قلبى كِللو...».



وفى حياتى لم أسرع بغلق باب ولا شباك لا فى الطبيعة ولا فى أوراق الكتب، ومن دواعى غضبى المثل الشعبى القائل لى ولك: «الباب اللى يجيلك منه الريح سِدّه واستريح» ومن هنا يأتى التساؤل أيهما أسهل فتح الأبواب أم غلقها؟! كل الناس يستطيعون إغلاق الأبواب، ولكن لا يفتح الباب إلا من يملك المفتاح، ومن يحاول غلق كل باب مفتوح أو يتردد على عتبته، أو يتوقف عند الباب المغلق دون محاولة فتحه، سيجد نفسه محاطًا بمتاهة من الأبواب أغلقها الآخرون وسيجد نفسه وقد دخل سجنًا ضاعت مفاتيحه ومات سجانه، إن الأبواب المفتوحة التى يدخل منها الريح يستفاد منها فى تجديد الهواء، وتلطيف الأجواء وجنى الثمار، فليست جميع الرياح محمّلة بالغبار، وليست كل الرياح تقلب الأوضاع، وليست كل الرياح خماسين، وليست كل الرياح مما لا تشتهى السفن.. وأجمل ما قاله فى الأبواب الشاعر السورى الكبير «أدونيس» بلغة النثر بعد رؤيته للعديد من الأبواب القديمة فى المغرب وسوريا: «كلما أُتيح لى أن أرى بابًا قديمًا لبيت أو لقصر أو لقلعة يلح علىّ هذا السؤال: لماذا عُنى الفنان العربى والمسلم، هذه العناية الفائقة بجمالية الباب، عِلُمًِا بأن مقصده العميق ليس الباب فى ذاته، بل ما وراءه وما يؤدى إليه. الباب عامرُ الحضور بفنيته وجماله، لكنه مع ذلك (غائب) لأنه مجرد مدخل ويٌُفتح ويُغلق لا لذاته، بل من أجل شىء آخر.. ما هذا (الشىء الآخر)؟ وما ضرورة الجمال الذى ينتعش فيه، والذى لابد من أن يراه الداخل قبل رؤيته ذلك (الشيء الآخر)؟ نحن لا نرى الباب إلا لكى نعبر إلى ما ينحجب وراءه ولا نفتحه إلاّ لكى نشاهد ما ينغلق عليه.. الباب ممر.. نقطة عبور. ما سر هذا الاهتمام الفنى بتزيين العبور؟!! الباب نعم ولا فى آن.. فى الإمكان أن نرفض الباب فنبقى خارجًا، ويُفتح لنا الباب الرمز بعد القرع عليه طلبًا للدخول لننغمس فى أجمل البحيرات الضوئية حتى لا نبقى فى الخارج داخل الظلام.. هل الحياة كلها باب ــ واقعًا ورمزًا؟!!».



وتعد قصيدة «الباب تقرعه الرياح» إحدى قمم الشاعر العراقى بدر شاكر السيّاب التى كتبها فى غربته عن أمه الراحلة:



البابُ ما قرعته غير الريح فى الليل العميق



الباب ما قرعته كفُّكِ



أين كفُّك والطريق



ناءٍ بحارٌ بيننا، مدنٌ، صحارى من ظلام



من نخلةٍ يعدو إلى أخرى ويزهو فى الغمام



الباب ما قرعته غير الريح



آه لعلّ روحًا فى الرياح



هامت تمرُّ على المرافئ أو محطات القطار



لتساءل الغرباء عنى، عن غريبٍ أمس راح



يمشى على قدمين، وهو اليوم يزحف فى انكسار



هى روح أمى هزّها الحب العميق.



حب الأمومة فهى تبكى:



آه يا ولدى البعيد عن الديار!



ويلاه كيف تعود وحدك، لا دليل ولا رفيق؟!



أماه.. ليتك لم تغيبى خلف سور من الحجار!



لا باب فيه لكى أدق ولا نوافذ فى الجدار!



وتمضى قصيدة الأبواب للشاعر العراقى أحمد مطر تفصح عن مشاعر الباب وآلامه وأسراره وخلجاته ومتى يغلق الضفتين ومتى يفتح مصراعيه ومتى يكون بابًا ملكيًا لعبور المحيط:



الباب: «لم تنس المدينة أصله. ظل مثلما كان فى الغابة، ينام واقفًا»! الباب «باب الكوخ يتفرج بكل راحة ومسكين باب القصر تحجب عن عينيه دائمًا زحمة الحراس».. الباب: «ها هم ينقلون كل متاعهم فى العربة. ليس فى المنزل إلاّ الفراغ. لماذا أغلقونى إذن؟!».. الباب: «مركز حدود بين دولة السر ودولة العلن.. ثقب المفتاح»!.. الباب: «يقف فى استقبالهم. يضع يده فى أيديهم. يفتح صدره لهم. يتنحى جانبًا ليدخلوا، ومع ذلك فإن أحدًا منهم لم يقل له مرة (تعالى اجلس معنا)!».. الباب: «فى انتظار النزلاء الجدد.. يقف مرتعدًا.. علّمته التجربة أنهم لن يدخلوا قبل أن يغسلوا قدميه بدماء أضحية!».. الباب: «فى الأفراح أو فى المآتم دائمًا ما يصاب بالغثيان. ما يبلغه أوّل المساء، يلفظه آخر السهرة!».. الباب: «هم يعلمون أنه يعانى من التسوس، لكن أحدًا منهم لم يفكر باصطحابه إلى طبيب الأسنان!».. الباب: «ركّبوا جرسًا على ذراعه. فرح كثيرًا. منذ الآن، سيعلنون عن حضورهم دون الاضطرار إلى صفعه!».. الباب: «أهو فى الداخل أم فى الخارج؟ لا يعرف. كثرة الضرب أصابته بالدوار!».. الباب: «حسنًا.. هو غاضب من زوجته لماذا يصفعنى أنا؟!».. الباب: «هذا الذى مهنته ضد الريح.. بسهولة يجتاحه دبيب نملة!».. الباب: «ما أن تلتقى بحرارة الأجساد حتى تنفتح تلقائيًا.. كم هى خليعة بوابات المطارات!».. الباب: «على ضوء المصباح المعلق فوق رأسه يتسلى طول الليل بقراءة كتاب الشارع!».. الباب: «قبضته الباردة.. تصافح الزائرين. بحرارة!».. الباب: «مشكلة الباب الحديد أنه لا يملك شجرة عائلة!».. الباب: «تتذمر الأبواب الخشبية، سواء عملنا فى ملهى أو فى مسجد، فإن مصيرنا جميعًا إلى النار!».. الباب: «يزعجهم صريره لا يحترمون مطلقًا أنين الشيخوخة!».. الباب: «إلعبوا أمام الباب.. يشعر بالزهو.. السيدة تأتمنه على صغارها!».. الباب: «ليس لها بيوت ولا أهل كل يوم تقيم بين أشخاص جدد.. أبواب الفنادق!» .. الباب: «اخترقته الرصاصة. ظل واقفًا بكبرياء لم ينزف قطرة دم واحدة.. كل ما فى الأمر أنه مالَ قليلا لتخرج جنازة صاحب البيت!».. الباب: «المفتاح النائم على قارعة الطريق. عرف الآن، والآن فقط أن يكون له وطن حتى لو كان ثقبًا فى باب!»..



الأبواب: «نحن ضمادات لهذه الجروح العميقة فى أجساد المنازل!»..



الأبواب: «تعرف الحكاية كلها من طق طق إلى السلام عليكم!»..



و... افتح الباب للكلمات التى تفتح الأبواب..



و.. كيف لا ننسى الإساءة وأحد أبواب الجنة للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.. سامحتك.. و.. دق الباب فتحتللو وأهلا وسهلا قلتللو..!!