عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
أبحاثه تتفوق على أشهر نظرية ألمانية للطيران المصرى هيثم عزت طه يضع حلولا لمشكلات علمية عمرها 100 عام
13 يونيو 2022
كتب: أشرف أمين [ إشراف : يسرى الشرقاوى]
الباحث المصرى من داخل مكتبه


فى إنجاز علمى جديد سيحدث تحولا كبيرا فى تصميم الطائرات وعلوم الطيران، نجح دكتور هيثم عزت طه، المصرى الأصل والأستاذ المساعد بجامعة كاليفورنيا إيرفين بأمريكا فى وضع نظرية جديدة للطيران شكلت حلا لمعضلات علمية ظلت معلقة أكثر من 100 عام.



النظرية الجديدة ، التى وضعها طه وتلميذه، ستحمل مستقبلا مسمى «نظرية جونزاليس وطه للطيران»، ويتوقع أن تحل محل أشهر نظرية ألمانية لتقدير قوة الرفع لأجنحة الطائرات. كما أنها تعد، وفقا لتقدير العلماء، أقوى خطوة فى مجال الديناميكا الهوائية على مدار القرن الماضى ومنذ نشأة النظرية الكلاسيكية للطيران. الأهرام انفردت بالحوار مع دكتور هيثم الذى سرد رحلته لوضع نظريته العلمية الجديدة.






وسط عدد من مجسمات الطائرات المنتشرة على مكتبه، جلس د. هيثم، ومن خلفه، تزين الحائط بشهاداته الأكاديمية بدءا من شهادة تخرجه كأول دفعته بقسم هندسة الطيران فى جامعة القاهرة عام 2005، وشهادة الدكتوراه فى الهندسة الميكانيكية من «فيرجينيا تك»، ثم شهادات بتكريم عدد من أبحاثه التى تجاوزت الأربعين بحثاً ودراسة خلال 10 أعوام فقط.



وسط تلك التكريمات انتصف المشهد لوحة من الطبيعة عجز المهندسون عن محاكاتها، وهى لتحليق الطائر الطنان وهو يمتص رحيق الزهر. وفى أقصى اليمين مجسم صغير لا تخطئه العين للرياضى ذى الشعر الأجعد والذقن القصيرة، واقفا بثبات، عاقدا ذراعيه ومبتسما، رمز الجيل وفخر العرب «مو صلاح».






رايت وكوتا وأويلر



كشفت تعبيرات وجه دكتور هيثم ولون ملابسه الداكنة، الكثير عن شخصيته كشخص منضبط واضح الأفكار ومهتم بتبسيط المعلومات بهدوء. يحكى عن بدايات الطيران مع «الأخوان رايت»، اللذين أطلقا أول طائرة فى التاريخ عام 1903. وقام إنجازهما على التجربة والخطأ دون الاستناد لأسس علمية أو تحصيل دراسات جامعية متخصصة. فجناح الطائرة ذو التصميم البيضاوى فى المقدمة والمدبب فى نهايته، هو فى الأساس مستوحى من هيئة أجنحة الطيور. ولكن محاكاة الطبيعة دون دراسات متفحصة لم يكن يكفي.



فيشير دكتور هيثم إلى انطلاق سباق الدراسات والأبحاث التى وفرت كثيراً من الإجابات، ولكنها لم تكن وافية لكل الأسئلة المطروحة بخصوص علوم الطيران. فوفقا للمعادلات الحاكمة لحركة السوائل والغازات مثل معادلة «أويلر»، والتى يستعين بها المهندسون لتقدير حركة الهواء على جناح الطائرة، فإنه لا يوجد حل وحيد لتقدير قوة الرفع لجناح الطائرة. وإذا تم حساب سرعة الهواء عند الجزء المدبب من الجناح، فإن النتيجة تكون لانهائية وهو أمر غير مقبول منطقيا ولا يحدث فى الواقع.



تلك المشكلة ظلت محل بحث وتسابق بين العلماء البريطانيين والألمان لسنوات أملا فى الوصول لنظرية الطيران وسرعة بناء الطائرات العسكرية والتى يمكنها امتلاك السماء والسيطرة على مجريات الحروب. وكانت النهاية ببروز نظريتين للطيران، ثم كانت النظرية الألمانية والمعروفة بـ «نظرية كوتا»، والتى حازت السيادة حتى اليوم الحاضر، فتم تدريسها فى كل أقسام هندسة الطيران بجامعات العالم.



«نظرية كوتا» تشير إلى أنه عند تلك النقطة المدببة لجناح الطائرة، يمكن اعتماد حل وحيد وفرته «معادلة أويلر» ويحقق معدلا محدودا للسرعة. وبهذا الحل وهذه المعادلة تتحقق قيمة رقمية لقوة الرفع تقارب ما يحدث فى واقع حركة الطيور.



ويكمل دكتور هيثم : «ورغم مميزات النظرية الألمانية وسيادتها لعقود طويلة، إلا أنها عجزت عن إيجاد حلول إذا لم تكن هناك نقطة مدببة بجناح الطائرة، أو إذا كان هناك أكثر من نقطة مدببة مثلما هو الحال مع طائرة الهليكوبتر. كل ما سبق قد يفسر لماذا تصميمات الطائرات محدودة ومتقاربة. ولكن تمكنا من تجاوز هذه العقبة، وتحديدا خلال أيام الوباء».



 



من فوائد أيام العزل



يحكى دكتور هيثم أنه خلال شهور «العزل» بسبب أحكام وباء «كوفيد»، أتيح له الكثير من الوقت للتفكير وقراءة تاريخ وفلسفة علم الميكانيكا. وخلال تلك الفترة قرأ باستفاضة عن «مبدأ العمل الأقل»، الذى استعان به الفيزيائى ريتشارد فاينمان فى نظريته، والذى يتناول أن الطبيعة تختار المسار الأقل تكلفة واستهلاكا لطاقة الحركة للأجسام. ويضيف العالم المصري، موضحا: « ذلك المبدأ يتفق فى حقيقة الأمر مع نظريات نيوتن الشهيرة التى تعلمناها فى المدارس».



ويكمل دكتور هيثم: «المفاجأة الحقيقية كانت فى التوقف أمام مبدأ تم إهماله زمنا طويلا، هو مبدأ «هرتز للمنحنيات الأقل»، والذى ربما لم يكن مفيدا لحل العديد من معادلات الحركة للأجسام، إلا أنه ثبتت أهميته لاحقا. المبدأ يتحدث عن أن الأجسام الحرة والتى تجبر على الحركة فى مسار غير مستقيم، فإن الطبيعة ستحيد هذا الجسم بأقل قدر ممكن عن المسار المستقيم. وكانت هذه اللبنة الأساسية لوضع نظرية الطيران الجديدة والتى تعد أعم وأشمل من النظرية الألمانية».



 



نظرية جونزاليس وطه



يستكمل العالم المصرى الشاب أنه بعد قرابة العام من النقاشات المستفيضة مع تلميذه باحث الدكتوراه كودى جونزاليس، والذى كانت له خبرات مهنية سابقة فى صناعة سيارات السباق، تمكنا من وضع النظرية الجديدة اعتمادا على مبادئ أساسية فى علم الميكانيكا. وبالتالى يمكن الحصول على تقديرات محددة لقوة الرفع لأى جناح طائرة أيا كان تصميمها دون التقيد بالشروط الخاصة للنظرية الألمانية الشهيرة. وذلك فى إطار ما سوف يعرف بنظرية «جونزاليس وطه للطيران».



ويمكن بذات النظرية الحديثة تقدير قوة الرفع لأجنحة الطيور والحشرات الطائرة مما يفتح بابا جديدا لفهم حركة الكائنات الحية وربما الاستفادة بها فى صناعة «كاميرات الدرون» والطائرات دون طيار، إضافة إلى ابتكار وتصميم نماذج طائرات ذات أشكال مختلفة ومتطورة وذات قوة رفع أفضل. كما ان تلك النظرية قد تسهم أيضا فى تطوير شكل توربينات الرياح والعديد من التطبيقات الصناعية.



حرص دكتور هيثم على نشر دراسته الجديدة فى «دورية كامبريدج الدولية لحركية الموائع الميكانيكية»، والتى تعد من أهم وأشهر الدوريات العلمية. كما ألقى عدة محاضرات فى كبرى الجامعات الأمريكية للتعريف بنظرية الطيران الجديدة.



وتعليقا على الدراسة يقول دكتور عمر عبد العزيز، الأستاذ المساعد بقسم الهندسة الميكانيكية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة إن الدورية التى نشرت دراسة دكتور هيثم، معنية بالبحوث الأساسية التى تسهم فى التطور التكنولوجى فى المستقبل. هذا البحث أتاح للعلماء نظرية جديدة تفك شفرة قوة الرفع للأجسام فى الهواء، وبالتالى من المتوقع أن تسهل من التصميمات الجديدة للطائرات فى المستقبل. كما توقع الاستفادة من ذات النظرية فى التصميمات الجديدة للسيارات بحيث تكون أكثر اتزانا على الأرض. ويضيف أن هذه النظرية تمهد لنيل صاحبها تكريما دوليا مستحقا.



وفى سياق الاهتمام الدولى بالنظرية الجديدة، كان ما تلقاه دكتور هيثم من دكتور جورج هالر، الأستاذ بجامعة زيورخ، قائلا: « أنا متأكد من أن هذا البحث سيحظى بقدر كبير من الاهتمام. عمل بحثى جميل جدًا فى العلوم الهندسية، نادرًا ما يرى المرء شيئًا كهذا هذه الأيام..»



بينما كتب دكتور ديفيد بلور، أستاذ علم الاجتماع البريطانى والمعنى بتاريخ وفلسفة العلم:»عزيزى هيثم، شكرًا جزيلاً على إرسال نسخة من ورقتكم البحثية. قرأتها بسحر كبير. يبدو أنها نتيجة مثيرة للاهتمام للغاية ومثيرة للتفكير من الناحيتين التقنية والتاريخية. الدراسة تلقى ضوءًا جديدًا على سنوات عديدة من المناقشات العلمية التى حاولت تتبعها فى كتابى لا يسعنى إلا الإعجاب بما حققته أنت وزميلك..»