عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
المناخ .. ضحية الحرب المنسية
21 مايو 2022
ياسمين أسامة فرج
حقول الغاز الطبيعى


رغم ما شهدته الأعوام القليلة الماضية من مساع دولية لمواجهة تغير المناخ، جاءت الحرب فى أوكرانيا لتمثل انتكاسة فى طريق التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة، وضربة لتعهدات سابقة كانت قد أطلقتها العديد من الدول الكبرى لمواجهة الاحترار العالمى. ورغم تركز الاهتمام على التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب ينسى أو ربما يتناسى العالم تأثير الحرب على قضية تغير المناخ، رغم ما تمثله من خطورة وتهديد لمصير الكوكب بأكمله.



المسألة تكمن فى أن روسيا، التى اتخذت قرار الحرب، هى واحدة من أكبر الدول المصدرة للوقود الأحفورى فى العالم، والعقوبات عليها أدت إلى تهافت الدول، خاصة فى أوروبا والاقتصادات الكبرى، لتأمين عقود بديلة طويلة الأجل من الوقود الأحفورى لإيجاد بدائل عن مصادر الطاقة الروسية سواء من غاز أو بترول أو فحم.



فروسيا هى أكبر مصدر للغاز الطبيعى فى العالم، ويعتمد الاتحاد الأوروبى على الغاز الروسى فى ٤٠٪ من احتياجاته.



كما أن روسيا هى ثانى أكبر مصدر لمشتقات البترول بعد السعودية، وتتجه نصف صادراتها منه إلى دول أوروبية، والنصف الآخر لدول مثل الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية.



ومع تواصل الحرب فى أوكرانيا، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من أنه من المتوقع زيادة استخدام الوقود الأحفورى بنسبة ١٤٪  لتعويض أى نقص محتمل فى إمدادات الطاقة، فيما يمثل ضربة لهدف قمة باريس للمناخ عام ٢٠١٥ للحد من ارتفاع حرارة الأرض قبل نهاية القرن الحالى، وهو ما يتطلب الحد من استهلاك الوقود الأحفورى عالميًا بنسبة ٥٥٪. ووصف جوتيريش تسرع بعض الدول فى الاعتماد مجددا على الوقود الأحفورى كمصدر طاقة بديل بسبب الحرب بأنه «جنون»، وحذر من أن ما يعد «إدمانًا على الوقود، يقودنا إلى كارثة حقيقية».



الأمر لا يقتصر على عرقلة التحول للطاقة النظيفة فى دول العالم المتقدم والاقتصادات الكبرى فقط، بل يمتد أيضا إلى الدول النامية خاصة فى قارة أفريقيا، التى تعد أكبر ضحايا الانبعاثات الكربونية، رغم أنها الأقل تسببا فيها.فعلى سبيل المثال، تعهدت واشنطن بضخ مليارات الدولارات لمساعدة الدول النامية فى مكافحة تغير المناخ، إلا أن الحرب تسببت فى تأجيل ذلك التمويل فضلا عن تباطؤ الولايات المتحدة فى التقليل من الانبعاثات الكربونية.



فبعد أشهر قليلة من وعود واشنطن أمام قمة جلاسكو العالمية للمناخ، شكلت الحرب فى أوكرانيا حجر عثرة أمام المضى قدما فى تنفيذ تلك الوعود ليس فقط على الصعيد العالمى بل أيضا فى الداخل الأمريكى. فقد اضطرت إدارة الرئيس جو بايدن إلى تخفيف القيود المفروضة على التنقيب عن الغاز والبترول فى الأراضى الأمريكية وذلك لمواجهة الارتفاع القياسى فى أسعار الوقود فى البلاد، وهى خطوة تناقض التعهدات الرئاسية لبايدن خلال حملته الانتخابية والتى كانت مكافحة تغير المناخ على رأس برنامجها. فلم تسلم الولايات المتحدة من موجة التضخم العالمى التى تسببت فيها جائحة كورونا وأججتها بشكل كبير الحرب الروسية فى أوكرانيا، ليصبح غلاء الأسعار أكبر أسباب تراجع شعبية بايدن لأدنى المستويات. وفيما تسارع إدارة بايدن لتقديم ٤٠ مليار دولار مساعدات لأوكرانيا فى حربها مع روسيا، لم يجد الكونجرس مفرا هذا العام من تخصيص أقل من ثلث التمويل الذى تعهد به دوليا لمواجهة تغير المناخ.



ومن التداعيات الكارثية أيضا للحرب فى أوكرانيا على أجندة المناخ العالمى، هى عودة بعض الدول إلى الاعتماد على الفحم كمصدر أساسى للطاقة وهو أكثر مصادر الطاقة تلويثا للبيئة إذ أنه مسئول عن ثلث الاحترار العالمى. فبدأت دول مثل بولندا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا بالفعل فى العودة للاعتماد على الفحم لسد جزء من احتياجاتها من الطاقة.



وفى ظل الضغوط الاقتصادية الشديدة التى ضاعفتها الحرب فى أوكرانيا، توقف أيضا تمويل بعض المنظمات والكيانات المدافعة عن البيئة وتم إغلاق بعضها لأسباب سياسية أو مالية على حد السواء.



ووسط كل الخاسرين، يبقى الرابح الأكبر من تلك الاضطرابات هو شركات الطاقة التقليدية التى استفادت من نهم الأسواق لتأمين إمدادات طويلة الأجل، بتحقيق مكاسب خيالية فى ظل تواصل ارتفاع الأسعار والتقلبات فى الأسواق التى لا يعلم أحد إلى أى فترة ستستمر.