عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
ســـر باب السلطان أبو العلا
29 أبريل 2022
مى الخولى;


         1  

الطريق إلى باب السر




طريق طويل، لا يميزه إلا مشاجب الثياب، عشرات الحوامل العمودية تغطى نهر الشارع، عُلّق عليها ملابس «بالة»، وهى ملابس قديمة يعاد تدويرها فى المجتمعات الفقيرة، وعربات «الكارو» المغطاة بالأحذية وأدوات الزينة، يقطع الشارع إلى جهتين كوبرى، الجهة الأخرى منه مبان جديدة، أبراج شاهقة الإرتفاع تحت الإنشاء، ليبدو الكوبرى كقاسم بين مدينتين، إحداهما مدينة قديمة عريقة لكنها فقيرة، تحفظ معالمها تواريخ وحكايات تمتد عبر الزمن تحكيها للمارة دون توقف منذ أكثر من ٥ قرون، بينما الجهة الأخرى تلقى بالتاريخ لمصلحة المستقبل مثقلة بهمّه وأعبائه، وبين عراك الماضى والمستقبل، يفر الدراويش إلى باب سلطانهم، لا يملكون إلا أغطية رقيقة من الصوف، تخفيهم عن عيون المتلصصين حين يفترشون عتبات باب سلطانهم وباب سر السلاطين الذين هجروه وتركوه لهم.. ما القصة؟

 

  

             2     

لقد اعتليت العلاء يا أبو العُلا




القصة قصة سيدى الحسين بن سادتنا على بن زين العابدين بن الحسين بن الإمام على وفاطمة بنت النبى محمد صلى الله عليهم وسلم، جاء من مكة إلى مصر، فاختار منها جزيرة كان النيل قد أهداها لمصر منذ قليل، بانحساره عند منطقة سماها سكانها الأوائل، أرض اللوق، لحسن طميها وخصوبتها، وهى الأرض التى اختارها سيدى الحسين بن على لتكون فيها خلوته، وصار بها سوق لكبار تجار الزيت والقمح والسكر، أحد كبار التجار والذى كان يقوم بإمامة المصلين فى المسجد الصغير الذى به الخلوة، راقب سيدنا الحسين وفتش سره وعرف من تقواه، فقدمه للإمامة، وقال له الناس: «لقد اعتليت العلاء يا أبو العُلا»، ومن هنا ظهر الاصطلاح المحرف أبو العِلا، ورأى الناس من كرامات الرجل، حتى صارت نافذة خلوته مقصدهم، وكان التاجر الكبير الخواجة نورالدين على بن محمد القنيش البرلسى من مريديه، فقام بتجديد خلوة شيخه وزاويته وقام بإنشاء المسجد بمساحته الأولى 343 مترا.

 





           3

لا سلطان إلا سلطانه هو




على باب المسجد بنقش إسلامى مكتوب،»قف على الباب خاشعا حَسِن الظن والتجى.. فهو باب مجرب لقضاء الحوائج»، وباعتقاد يصدق فيه كل منطقة أبوالعلا، يقصون عليك سبب وجود «العربخانة» الملكية قبل المسجد بخطوات، وهى أن الخديو إسماعيل كان يريد أن يمر من جانب خلوة العارف بالله الحسين بن على فتوقفت الخيول أمام المُقام، ولم تستطع مواصلة المسير، وتكرر الأمر وأثار اندهاش الملك، فوقف الشيخ رمضان البولاقى وكان أحد تلامذة العارف بالله أبو العُلا وقال للملك:»لا سلطان إلا سلطانه هو»، وعرف السلاطين وعِلية القوم قدره، فأرادوا أن يزاحموا مريديه على نافذة النور المفتوحة من الخلوة، فأقاموا لأنفسهم بابا يدخلهم إلى حضرته من عطفة فى الشارع وسموه باب السر، يتخفون فيها من الناس الذين يقصدون سلطانهم صاحب الباب المفتوح ليل نهار والذى يلبى حاجياتهم مهما تكبر دون تأفف.. فما الذى جرى؟



               4

ليعد على الأربعينى إلى بلده




باب السر هجرة السلاطين والملوك، وآوى إليه المشردين والدراويش، ولم تبق سوى لافتة تحفظ اسمه، على يمينها لافتة أخرى بحمام رجال وسيدات مغلق، تكتظ جنباته بأكواب الشاى الفارغة، وبخط اليد على أحد جدرانه العتيقة كُتبت لافتة أخرى على باب خشبى محكم الغلق يجاوز عمره قرنا من الزمان، «معهد السلطان أبو العلا»، وفى مواجهة المسجد «كُشك السلطان أبو العلا»، كل شيء فى محيط السلطان أبو العُلا، يحمل اسمه، لا تدرى هم يريدون أن يمنحوا الرجل الذى زهد كل شيء إلى خلوته محبا قانعا راضيا بالله وزاهدا فيما سواه، يريدون أن يمنحوه كل شىء، أم أنهم يريدون أن يحتموا به ويلتجأوا إليه، أم أنهم يعتبرون هذه الأرض تحت ولاية سلطانهم أبو العلا، الذى لا ينافسه فى سلطانه أحد، ويقصون عليك من نبأ منبره، فيقولون لك إن الشيخ على الأربعينى والموجود مقامه بالسويس، أنه جاء إلى مسجد السلطان أبو العلا وأراد أن يصلى بالناس إماما، فجاء السلطان أبوالعلا وفرش مصلاه فارتفع فى الهواء فوق أعناق الناس، فنظر الناس إليه وسموه السلطان، ونظر إليه الشيخ على الأربعينى، فقال له: «عُد إلى بلدك»، فعندما عاد الشيخ على الأربعينى، أهداه هذا المنبر الأثرى البديع..



وزمن هذه الحكاية هو القرن التاسع الهجرى، لكن المسجد تم تجديده فى عهد السلطان فؤاد الأول، مع الحفاظ على طابعه، بما فى ذلك منافذ أسبلة المياه، حتى بعد ما أنشأ الخديو إسماعيل شركة المياه، ولم يعد من حاجة إليها.. وبقى الناس يردون سبيل السلطان أبو العلا، ليس فى حاجة لرى ماء، ولكن لرى عطش أرواحهم إلى حماية سلطانهم أبو العلا، وظلوا يرون باب السر مفتوحا رغم إحكام غلقه، يلتف حوله الدراويش والذين لا يجدون ما يسترهم إلا عتبات باب سلطانهم أبو العلا.