عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
بوتين يواجه الاختبار الصعب
1 مارس 2022
د. محمد السعيد إدريس


على عكس ما شغلت به الآلة الإعلامية الغربية نفسها، وعلى عكس ما سارت عليه المصادر الإعلامية الموالية فى معظم دول العالم التى سارعت فى الترويج لـ "فشل روسي مؤكد" فى أوكرانيا قالت مجلة "نيوزويك" الأمريكية فى تحليل لها فى عدد السبت الماضى (26/2/2022) أنه "بينما تتكشف معركة الإرادات والقوة بين روسيا والغرب حول مصير أوكرانيا، هناك حقيقة أساسية واحدة يجب وضعها فى الاعتبار وهى أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين لم يخسر أى حرب أبداً"، ولفتت المجلة إلى أنه خلال الصراعات السابقة فى الشيشان وجورجيا وسوريا والقرم، على مدى عقدين من حكمه "نجح بوتين فى إعطاء قواته المسلحة أهدافاً عسكرية واضحة وقابلة للتحقيق من شأنها أن تسمح له بإعلان النصر بمصداقية فى نظر الشعب الروسي وبحذر فى نظر العالم" وخلصت المجلة من هذه المقدمة إلى استنتاج مفاده أنه "من غير المرجح أن تكون مبادرته الأخيرة فى أوكرانيا مختلفة".



إلى أى حد يمكن اعتبار هذا الاستنتاج صحيحاً وإلى أى مدى يمكن اعتباره غير صحيح؟ الإجابة بصحة استنتاج مجلة "نيوزويك" تتوقف على مجموعة من الاعتبارات؛ أولها، أن تجربة بوتين الجديدة فى أوكرانيا تختلف كثيراً عن تجاربه السابقة المشار إليها، فهذه المرة يواجه بوتين الغرب كله موحداً بزعامة الولايات المتحدة، وربما يكون فى مواجهة "شبه عالمية" نظراً لما هو متحقق الآن من اصطفاف حلفاء وشركاء وأصدقاء الولايات المتحدة فى كل العالم، باستثناءات محدودة. الدبلوماسيون الغربيون ومسئولو الاستخبارات يعتقدون أن بوتين يسعى إلى "قطع رأس القيادة الأوكرانية" ذات الميول الغربية برئاسة فولوديمير زيلينسكى، واستبدالها بحكومة تكون موالية لـ "القيصر الجديد" وإذا نجح بوتين فى ذلك فإنه سيكون قد كسر إرادة الغرب وحقق ما يريده بمنع أوكرانيا من الانضمام، فى أى وقت، لحلف شمال الأطلسى (الناتو)، الأمر الذى رفضته الولايات المتحدة ورفضه حلف الناتو الذى اكد تمسكه بسياسة "الباب المفتوح" للحلف أمام أى دولة أوروبية ترغب فى الانضمام إليه. لذلك لن يسمح الغرب لبوتين بالانتصار فى هذه الحرب، لأنها لن تكون هزيمة لأوكرانيا، بل هزيمة للغرب بما فيه الولايات المتحدة. الاعتبار الثانى، هو بنك الأهداف الروسي فى هذه الحرب، بمعنى ماذا يريد بوتين من غزوه أوكرانيا هل يريد فرض سيطرته العسكرية على البلاد بكاملها، أم سيكتفى بالوصول إلى العاصمة كييف وإسقاط النظام الحاكم واستبداله بنظام جديد يدين له بالولاء وينهى بذلك الطموح الأوكرانى بالانضمام لحلف الناتو؟ أم سيكتفى بمحاصرة كييف وتدمير مراكز القوة فى أوكرانيا لإجبار الرئيس الأوكرانى على الجلوس على مائدة تفاوض بأجندة تفاوض روسية؟ هذه الأسئلة تفتح المجال للسؤال عن ما يتردد فى الإعلام الغربى من أن "أوكرانيا ستكون أفغانستان جديدة لروسيا"، وسيكون على الرئيس بوتين حسم خياراته، والأمر المؤكد، كما ذكرت مجلة "نيوزويك" أنه حتماً يعرف مقدماً ما يريد من غزوه أوكرانيا" ما يعنى أن ما يريده بوتين سيكون حذراً وواعياً بالقدرة على تحقيقه. فهل سينتصر بوتين على نفسه، ويحول دون تورطه فى أهداف لا يستطيع تحقيقها، وهذا هو التحدى الذى يواجه القيادة الروسية الآن.



أما الاعتبار الثالث فهو مدى قدرة روسيا على الصمود أمام الاختبارات الثلاثة الصعبة التى تواجهها الآن فى حربها مع أوكرانيا، أو بالأحرى مع العالم الغربى. فهى تواجه بدعم عسكرى غير مسبوق من الولايات المتحدة والدول الأوروبية لأوكرانيا ومن غير المستبعد أن يكون خبراء غربيون يشاركون الآن فى "المقاومة" التى تولدت ضد روسيا فى أوكرانيا وتعوق بنجاح تقدم القوات الروسية نحو العاصمة الأوكرانية وتحول دون سقوطها، كما تواجه روسيا بما يمكن تسميته "حرب مالية - اقتصادية" غربية عنيفة وغير مسبوقة أبرز ما تتضمنه إخراج روسيا من النظام المالى العالمى، وبالتحديد ما يعرف بنظام "سويفت" وهو النظام الذى تتم من خلاله التحويلات البنكية والمخاطبات المالية، وفرض إبعاد البنوك الروسية عن هذا النظام يعنى فرض حصار مالى على روسيا وتجميد أرصدتها البنكية فى الخارج، ومنعها من التعامل بالدولار، بمعنى آخر منع روسيا من التعامل مع السوق المالية العالمية. أما التحدى الثالث فهو التحدى الدبلوماسى ضد روسيا فى الأمم المتحدة لعزلها دولياً ومحاصرتها بقرارات إدانة قوية. التحرك البارز بهذا الخصوص تم يوم الجمعة الفائت (25/2/2022) فى مجلس الأمن الدولى بمبادرة أمريكية- ألبانية بطرح مسودة مشروع قرار على المجلس تتضمن 11 فقرة عامة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة مما يجيز، لو كان قد جرى إقراره، تطبيقه بكل الوسائل المتاحة بما فى ذلك القوة العسكرية. أيدت هذا المشروع 11 دولة من إجمالى 15 دولة هم أعضاء المجلس، وامتنعت ثلاث دول عن التصويت هى الصين والهند ودولة الإمارات العربية، وأسقطه الفيتو الروسى. وبعد الفشل الأمريكى فى تمرير هذا المشروع اتجهت الولايات المتحدة مدعومة بالحلفاء الغربيين لإصدار قرار من مجلس الأمن يطالب بعقد جلسة استثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة (تضم 193 دولة) لمناقشة الغزو الروسي، وفد عقدت هذه الجلسة أمس الأول الأحد وتقرر بعد مداخلات وتبادل للاتهامات إصدار قرار بعقد جلسة استثنائية طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة من المقرر أن تكون قد عقدت أمس الاثنين ، وقد نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها فى إصدار ذلك القرار نظراً لكونه قراراً إجرائياً يصدر بأغلبية 9 أصوات ولا يخضع لحق النقض (الفيتو) ما يحرم روسيا من منعه. وإذا كانت قرارات الجمعية العامة غير ملزمة لكنها تتمتع بثقل سياسى كبير. إلى أى حد ستستطيع روسيا التغلب على المقاومة الأوكرانية الشرسة المدعومة بقوة من الغرب بفرض إفشال الغزو، وإلى أى حد ستصمد روسيا أمام إقصائها من نظام "سويفت" ومقاطعتها غربياً، وإلى أى حد ستتغلب على تدويل الأزمة ضدها من المجتمع الدولى.