عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
ديستوفسكى واللحم المشوى
26 نوفمبر 2021
سماح الجمال


كاد قلبُه يتوقَّفُ فرحًا وهو يستلمُ راتبه لهذا الشهر، لأولِ مَرَّةٍ يتقاضاه كاملًا دون خصومات، حتى الصرَّاف كان فى قمة الاندهاشِ، وباركَ له مع استمرار ضحكاته الساخرة، وهو يكرِّرُ:



عقبال كل شهر يا أستاذ!



أخذ يحادثُ نفسَه.. أخيرًا أستطيع أن أحقِّقَ أحلامى الصغيرة، أبتاعُ كلَّ الكتبِ التى أتمنَّى، وأخذ يتخيلُ الأيامَ والليالىَ السعيدة ويخبِطُ الأرضَ بقدمه مبتهجًا، كاد يطيرَ وسط السيارات المارة فى نهر الطريق، كادت تصدمُه إحداها لولا ستر الله!



ذهبَ إلى أكبر مكتبةٍ بوسط البلد، وأخرج قائمةً كان يدوِّنُ فيها أسماء الروايات والمؤلفين الذين يطمحُ فى شراءِ أعمالهم، إنَّها البدايةُ كى يصبحَ زميلًا لهم، ويكتبَ هو الآخر.



لم ينسَ عشقَه للقراءة وضآلةَ العملِ الذى يمتهنه الآن، لم يُضعِفُ من عزيمته على الحلم، الأحلامُ مجانيةٌ، ولكن تحقيقها باهظٌ، يعرفُ ذلك ويعملُ عليه، لديه مؤلفاتٌ عديدةٌ داخل ذاتِه يختزلُها إلى أن تسنحَ له الفرصةُ، حتى أنَّه توقَّف عن إقامة أيَّةِ علاقةٍ مع أحدٍ كى لا يضطره ذلك للتعبير وإخراج ما بداخله، ترك البركانُ يثورُ ويغلى لينفجرَ فوق صفحاتِ الكتب التى سيؤلفُها غدًا. طموحه أن يصبحَ روائيًّا فى شهرة «نجيب محفوظ»، من يدري؟ لكن الفقرَ لا يرحمُ، قادرٌ على اغتيالِ لحظات الاستمتاع بالفرح والأحلام.



بدأ بـ «ديستوفسكى» هذا الذى يشرحُ النفسَ البشرية كأحسن مُعلِّمٍ، وكيف تبهره فكرةُ الإرادة، والرغبة، والتحليل العميق لما يجولُ داخل النفسِ الإنسانيةِ من أزماتٍ ترهقُها وتغيِّرُ مصيرَها فى اللحظة الأخيرة، وكيف يكشفُ الظلاميةَ بها، وكيف أن الملائكةَ أيضًا يذنبون على الأرض، اشتري: «الأبله»، و«الإخوة كارامازوف»، و«الجريمة والعقاب»، و«المقامر»، ولـ «تلستوى» ملحمة «الحرب والسلام»، و«آنا كارنينا»، ولـ «أنطون تشيخوف» «الأخوات الثلاثة»، و«المُغَفَّلة».



بدا سعيدًا للغاية، لم ينسَ عشقَه لـ «نجيب محفوظ» شيخَ الرواية، استكمل ما ينقصه من مؤلفاته، وحينما انتهى مع هذا الصيدِ الثمين عرجَ على مطعمٍ، واشترى وجبةَ لحمٍ دسمةٍ يفتقدُ مذاقها، ومنَّى نفسَه بأيامٍ وليالٍ سعيدةٍ، وعادَ مجبورَ الخاطرِ لمنزله المتواضع، أشعلَ الإضاءَة، وخلعَ ملابسَه، وعلَّقها بالخزانة، وذهب للحمام فغسل يديه ووجه، بدأَ فى استخراجِ اللحمِ المشوى، وكتاب لـ «ديستوفسكى» يبدأُ به.



دقائق وسمعَ جرسَ الباب يصرخُ معلنًا عن زائرٍ.. هل هذا وقته؟ حاولَ أن يتجاهلَ مَنْ بالباب، ولكن مع حِدَّةِ الطرقِ اضطرَ أن يتركَ فريستَه، ويذهبَ ليرى مَنْ بالباب، وهو يسبُّ ويلعنُ، كيف لهذا الزائر أن يختلسَ منه لذةَ القراءةِ، واللحمِ المشوى.



حارسُ البنايةِ جاءَ يطالبه بالإيجار، وكان يعنِّفُه:



يا أستاذُ، مررتُ عليك أكثرَ من مَرَّةٍ، وبتكون مش موجود، الكل دفع، أنت تتعبنى دايمًا وصاحبة العمارة توبخنى.



بُهِتَ وتذكَّر أنَّه لم يدفع الإيجار، ذهب لمحفظته يبحثُ عن المتبقِّى، لم يجد المبلغَ كافيًا أبدًا، عاد للحارس معتذرًا وأخبرَه أنَّه سيحضرُه ليلًا، رحلَ الحارسُ وهو يزمجرُ مهددًا: إن لم تأتِ بالمبلغ سأخبرُ صاحبةَ البنايةِ، وهى ستتصرفُ.



لم يجد ما يفعلُه غيرَ أنَّه ارتدى ملابسَه، وأخذَ الكتبَ، وخرجَ للشارع ليبيعها، لم يجد بُدًّا من أن يتنازلَ عمَّا يحبُّ كى يعيشَ.