عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
أكتوبر أيام لا تُنسى.. ورجال فى عيون مصر
8 أكتوبر 2021
يكتبها ــ فاروق جويدة


لم يكن نصر أكتوبر ١٩٧٣ حدثا عابرا فى تاريخ مصر وحياة المصريين، لقد كان مفاجأة اهتزت لها أركان العالم، وجيش مصر يعبر إلى سيناء ويحطم خط بارليف ويرفع علم مصر على الأرض المحررة .. كان المصريون قد ابتلعوا مرارة الهزيمة فى حرب ٦٧ ويومها خرج المحللون يؤكدون أن عبور قناة السويس مغامرة خاسرة وأن خط بارليف يحتاج إلى سلاح نووى لكى يتم تدميره..  



ـــ كانت المبالغات الإعلامية تتحدث عن استحالة تحقيق نصر عسكرى على الجيش الذى لا يقهر .. كان جيل النكسة فى٦٧ قد استسلم للهزيمة وتوارت أحلامه فى مستقبل أفضل ونصر قريب.. كنا نودع أيام الجامعة بلا أحلام وخرجنا فى مظاهرات ترفض الاستسلام للهزيمة .. كنت فى سنواتى الأولى بعد التخرج والتحقت بالأهرام أحاول أن استرد ما بقى من رصيد الأحلام وإن بدا قليلا فى سنوات الجامعة..  



ـــ كنت اكتب القليل من الشعر وفوجئت أن الشعر هجرنى خمس سنوات كاملة لم أكتب بيتا واحدا .. بحكم العمل اقتربت من كتاب الأهرام الكبار توفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وزكى نجيب محمود وثروت أباظة وصلاح طاهر وأحمد بهاء الدين ولويس عوض .. كانت هذه النخبة تجتمع فى مكتب الحكيم يوم الخميس من كل أسبوع ويوما رأيتهم يوقعون بيانا حمل عنوان لا سلم ولا حرب يستنكرون فيه ما حدث بعد النكسة .. ويطالبون باستعادة سيناء، يومها وقع كتاب الأهرام على البيان ووقعت معهم وأرسلوا البيان إلى الرئيس السادات الذى أبدى غضبه وبدء فى إبعاد بعض الكتاب عن الأهرام..   



ـــ وكان من حظى أننى لم أكن من فريق المبعدين ربما بسبب السن والبعد عن الأحداث خاصة مظاهرات الطلبة التى اجتاحت الجامعات فى بداية السبعينيات .. كنت أتابع الأحداث من بعيد وأعيش مع الجيش المصرى فى حرب الاستنزاف واستشهاد عبد المنعم رياض وسط جنوده فى موقف بطولى على شاطئ القناة وهو رئيس الأركان وواحد من أشهر القادة فى تاريخ العسكرية المصرية العريقة.. لم يكن استشهاد رياض حدثا عاديا فقد خرج الشارع المصرى يودع فارسا ومقاتلا من أنبل أبطاله..  



ـــ فى تقديرى أن درس عبد المنعم رياض كان يحمل تباشير نصر قادم .. لا أنكر أن جراح النكسة بقيت معى سنوات وكانت سببا فى تراجع رصيد الأحلام فى جيل كامل كان ضحية الحزن والاكتئاب عبرت مياه كثيرة فى النيل والمصريون غارقون فى دوامة من الحزن أمام إحساس مؤلم بأن المستقبل لا يحمل لهم أى جديد .. أمام هذه الحالة دخل المصريون فى حالة استسلام غريبة خاصة أن كل شيء كان يوحى بأن الحرب مهمة مستحيلة.. 



ـــ فى منتصف يوم ٦ أكتوبر كنت فى شارع سليمان باشا فى قلب القاهرة مع أحد الزملاء عندما تجمع المئات حول أجهزة الراديو فى المحلات والإذاعة تعلن عبور الجيش المصرى إلى سيناء .. رجعت مسرعا إلى الأهرام لكى أتابع المعارك على شاطئ القناة وبدأت الأخبار تتوالى ما بين تدمير خط بارليف بالمياه من خلال طلمبات متقدمة اخترعها جيش مصر واستوردها من ألمانيا .. وكانت من أهم الانجازات التى بهرت العالم بعد الضربات الجوية التى دمرت القوات الدفاعية لجيش العدو..  



ـــ خرج المصريون إلى الشوارع فى فرحة غابت عنهم ست سنوات كاملة ما بين اليأس والمرارة والاستسلام .. كانت أخبار جبهات القتال والأسرى وهياكل الطائرات والدبابات المحطمة تؤكد أننا أمام  نصر كبير .. فى قمة الزهو خرج أنور السادات يعلن أمام مجلس الشعب ميلاد تاريخ جديد ويكرم أبطال الجيش المصرى من القادة أحمد إسماعيل ومحمد عبدالغنى الجمسى وسعد الشاذلى وحسنى مبارك وفؤاد ذكرى ومحمد على فهمى وسعد الدين مأمون بجانب عشرات القادة والجنود الذين شاركوا فى هذا الانجاز العظيم وانطلقت مصر خلف قائدها العظيم وجيشها المنتصر .. وكان نصر أكتوبر أعظم الصفحات فى تاريخ جيش مصر كنت قد توقفت عن كتابة الشعر ولا أدرى من هجر الآخر هل هجرنى الشعر أم أنا الذى هجرته..  



ـــ مع صيحات العبور إلى سيناء عدت أكتب مرة أخرى وفى أسبوعين كنت قد كتبت ١٤ قصيدة عن النصر والشهداء وسيناء.. وكان من حظى أن وجدت ناشرا هو السيد احمد يحيى صاحب دار المكتب المصرى الحديث ويومها ذهبت إلى الأستاذ إحسان عبدالقدوس ورجوته أن يذهب معى إلى كاتبنا الكبير توفيق الحكيم ليكتب لى مقدمة عن حرب أكتوبر ورفض الحكيم وقال أنا لم أقدم شاعرا فى حياتى فقلت له ولكنه نصر أكتوبر .. كان الحكيم قد كتب مقالا فى الأهرام بعنوان «عبرنا الهزيمة» واقترحت عليه أن تكون المقدمة مقاله كتعبير عن جيل الكبار وأرد عليه بخطاب نحيى فيه شهداء مصر ووافق على الفكرة وكانت المقدمة رسالتين بينى وبين الحكيم ..  



ـــ وكان ديوانى «أوراق من حديقة أكتوبر» أول أعمالى الشعرية عن حرب أكتوبر ولاقى ترحيبا كبيرا بين الأوساط الثقافية .. كان ديوان أوراق من حديقة أكتوبر جواز سفر خاصة أنه صدر بعد حرب أكتوبر بشهور قليلة وحين أرسلته للرئيس أنور السادات رد برسالة رقيقة أشاد فيها بأبطال مصر فى القوات المسلحة الذين صنعوا هذا الإنجاز التاريخى العظيم .. كان نصر أكتوبر بداية عصر جديد وإنسان مصرى مختلف وقبل هذا تغيرت حسابات كثيرة.. 



ـــ أشياء كثيرة تغيرت فى حياة المصريين لم تشهد مصر جريمة واحدة طوال أيام المعارك وكانت الأعمال فى مؤسسات الدولة تتم على أعلى درجات الجودة والإتقان .. وكان جيش مصر يشعر بالفخر وهو يتابع ما يقول العالم عن هذا النصر العظيم.. وتصدرت المشهد قيادات جديدة تولت مسئولية العمل الوطنى فى كل المجالات .. وبدأت مفاوضات السلام بين مصر وإسرائيل حول استرداد سيناء وكانت معركة أخرى لم تختلف فى ضراوتها عن الحرب الحقيقية .. واستطاعت مصر أن تعيد سيناء بالكامل وأن تعيد ترابها المقدس .. كما قلت فى البداية لم يكن نصر أكتوبر حدثا عاديا بل كان ميلادا جديدا لجيش مصر وكان صفحة مضيئة فى تاريخ مصر وكان ميلادى الحقيقى كشاعر ذاق مرارة النكسة وعاش لحظات الانتصار العظيم.. بقدر ما اجتمعت كلمتنا على نصر أكتوبر بقدر ما اختلفنا على النتائج بعد ذلك خاصة اتفاقية السلام مع إسرائيل..  فقد انقسم الشارع المصرى حول قضية السلام مع إسرائيل وبقى الخلاف قائماً.. 



ـــ بقى ٦ أكتوبر حيا فى ضمير أجيال ذاقت مرارة الهزيمة والانكسار وكان صفحة مضيئة فى تاريخ مصر وجيشها العظيم ومازلت أعتقد أن أكتوبر لم يحصل على التقدير الكافى تاريخا وأبطالا .. إن هذا الحدث الكبير يحتاج فيلما يجسد بطولات أنور السادات واحمد إسماعيل والشاذلى والجمسى وأسطورة تدمير خط بارليف وطلعات القوات الجوية يجب أن يبقى فى ذاكرة كل مصرى إرادة قوية وانتصارا مبينا..  



ـــ قليلة فى حياة الشعوب تلك اللحظات التى يعدل فيها التاريخ مساره ويعطى الشعوب حقها فى النصر والكرامة وكان أكتوبر قرار قائد وانتصار جيش وإرادة شعب ثلاثية من العطاء والتضحية ودماء الشهداء.. 



 



ويبقى الشعر



وحين نظرتُ فى عينيكِ..



لاح الجرحُ .. والأشواقُ والذكرى



تعانقـْنا .. تعاتـْبنا



وثار الشوقُ فى الأعماق ِ..



شلالا ً تفجر فى جوانحنا 



فأصبح شوقـُنـَا نهرا



زمانٌ ضاع من يدنا..



ولم نعرف له أثرا



تباعدْنا .. تشردْنا



فلم نعرف لنا زمنـًا



ولم نعرف لنا وطنا



تـُرى ما بالـُنا نبكى؟



وطيفُ القـُربِ يجمعنا



وما يُبكيكِ .. يُبكينى



وما يُضنيكِ .. يُضنينى



تحسستُ الجراحَ .. رأيت جُرحًا



بقلبكِ عاش من زمن ٍ بعيدْ



وآخرَ فى عيونكِ ظل يُدمى



يُلطـّخ وجنتيْكِ .. ولا يريدْ



وأثقل ما يراه المرءُ جُرحًا 



يعلُّ عليه فى أيام عيدْ



وجُرحك كلَّ يوم ٍ كان يصحو



ويكبرُ ثم يكبرُ .. فى ضلوعى



دماءُ الجرح ِ تصرخ بين أعماقى



وتنزفها .. دموعى



لأنكِ عشتِ فى دَمِنا .. ولن ننساكِ



رغمَ البعدِ .. كنتِ أنيسَ وَحدتنا



وكنتِ زمانَ عفـِّتنا



وأعيادًا تجددُ فى ليالى الحزن ِ..فرحَتـَنا



ونهرًا من ظلال ِالغيبِ يَروينا..يُطهِّرنا



وكنت شموخَ قامَتنا



نسيناكِ! 



وكيف .. وأنتِ رغم البعدِ كنتِ غرامَنـَا الأولْ؟  



وكنتِ العشقَ فى زمن .. نسينا فيه 



طعمَ الحب .. والأشواق ..والنجوَى



وكنتِ الأمنَ حين نصيرُ أغرابًا..بلا مأوى؟!  



وحينَ نظرتُ فى عينيكِ..



عاد اللحنُ فى سمعى 



يذكـّرنى .. يحاصرنى .. ويسألنى



يجيب سؤالـَه .. دمعى



تذكرنا أغانينـَا



وقد عاشت على الطـُّرقاتِ مصلوبهْ



تذكرنا أمانينـَا



وقد سقطت مع الأيام ِ.. مغلوبهْ



تلاقـْينا .. وكل الناس قد عرفوا حكايتنا



وكل الأرض قد فرحت .. بعودتِنـَا



ولكن بيننا جُرحٌ..



فهذا الجرحُ فى عينيكِ شىء لا تـُداريهْ



وجُرحى.. آهِ من جُرحى



قضيْتُ العمرَ يؤلمنى .. وأخفيهْ



تعالىْ .. بيننا شوق طويلٌ ..



تعالىْ .. كى ألملمَ فيكِ بعضى



أسافرُ ما أردتُ وفيك قبرى. .



ولا أرضَى بأرض ٍ.. غير أرضى



وحين نظرتُ فى عينيكِ



صاحت بيننا القدسُ



تعاتبنا .. وتسألنا



ويصرخ خلفنا الأمسُ



هنا حلم نسيناهُ



وعهدُ عاش فى دمنا..طوَيْناهُ



وأحزانٌ ..وأيتامٌ ..وركبٌ ضاع مَرساهُ



ألا والله ما بـِعناكِ يا قدسُ..



فلا سقطت مآذنـُنـا 



ولا انحرفت أمانينا



ولا ضاقت عزائمُـنا..



ولا بخِلت أيادينا 



فنارُ الجرح ِ تجمعنا.. 



وثوبُ اليأس ِ.. يُشقينا



ولن ننساكِ يا قدسُ



ستجمعنا صلاة ُالفجر فى صدركْ 



وقرآنٌ تبسَّم فى سنا ثغركْ



وقد ننسى أمانينا..



وقد ننسى .. مُحبِّينا



وقد ننسى طلوع َ الشمس ِ فى غدِنـَا 



وقد ننسى غروبَ الحلم من يدنا 



ولن ننسى مآذننا .. 



ستجمعُنا .. دماءٌ قد سكـَبناها



وأحلامٌ حلمناها.. 



وأمجادٌ كتبناها



وأيامٌ أضعناها



ويجمعنا.. ويجمعنا .. ويجمعنا.



ولن ننساكِ.. لن ننساكِ.. يا قدسُ. 



قصيدة «لأنك عشت فى دمنا» سنة 1983