عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
فنان الأنا المتضخمة.. ســلفـادور دالـى
18 سبتمبر 2021
سـناء البيـسى


كان يرى فى نفسه لوحة فنية قابلة للتشكيل والابتكار.. لوحة إنسانية ثرية تمشى على قدمين.. لوحة لا يستطيع أحد الأقدام على مجازفة شرائها؛ لأن ما يجده فيه اليوم محال أن تضمه فى الغد، وتلك البحيرة الساكنة التى قد يسرح فى هدوئها هذا المساء ربما تكون مع الصباح بحرًا هائج الأمواج يبتلع فى جوفه من مراكب الصيد إلى السفينة تيتانيك.. فنان يشكّل لوحته كما يتراءى له، يرفع شاربه إلى أعلى فى قوسين يصلان إلى عينيه كقرون الخرتيت.. يرتدى الجوارب النسائية، ويحرص على تعرية ساقيه ليظهر استقامة خط الوسط فى نسيج دانتيللتها.. يقتحم قاعات العرض بعربته الزجاجية الأسطورية.. يدخل فى بدلة غطـَّاس المحيطات ليسبح فى خيوط العناكب الوهمية.. يتشبه بأجواء سلاطين وملوك الشرق، وتراث القصور المذهبة، والقلاع التاريخية، ويحيط مجلسه بالوسائد والطنافس والمناضد الأرابيسك والصوانى النحاسية.. يُصرّ على أن چيناته عربية تعود إلى آبائه الأفذاذ المحاربين العرب الذين أتوا إلى إسبانيا بلده، وأن معنى «دالي» هو الدال على الشيء أى المشير إليه رغبة فيه، وكانت حكمته بين مقاطع حديثه «هيا.. قل الحقيقة كما لو أنك تقولها لإنسان عربي».. عاش فى قلب الدهشة ليصنع الدهشة فى إطار «الأنا» النرجسية المتضخمة التى بلغت بقاربه النزوح إلى شاطئ الجنون، لكنه الجنون المحسوب الواعى الذى يصفه بغواية: «إن الفرق الوحيد بينى وبين المجنون أننى لست مجنونًا».. تلك «الأنا» المتضخمة التى جعلته يُكرر قوله المأثور ليوفر على المتسائلين والباحثين التنقيب عن سبب شهرته: «عمَّ تتساءلون.. أنا ظاهرة هذا العصر.. أنا العبقرى الخارق.. أنا روح السريالية.. أنا من أذاب قوالبكم المتصخرة.. كل صباح عندما أستيقظ أشعر بلذَّة بالغة.. لذّة كونى أنا نفسى سلفادور دالي!».



دالي.. أكاديمية الفنون الصادقة المذهلة المتحركة الذى علينا عندما نمنطقه أن نأخذه كله على بعضه دون تجزئة، وحتى آراءه نأخذها على عواهنها بطبيعتها المجردة التى تتداخل مع فنه، كما أرادها أن تكون.. «بينى وبين الطبيعة معركة دائمة.. لهذا فإن قدرى يُوجب أن أضع الطبيعة فى مسار أفضل؛ فأنا عندما أرسم أطلق العنان للمحيطات أن تسْكر حتى الثمالة، وتتمايل من فرط النشوة، ولا شأن لى بالآخرين الذين يفضلون السباحة فى كوب الحلاقة..».






رحلة المغامرات الفنية التى سافر فيها سلفادور إلى أمريكا لأول مرة عن طريق البحر عام 1939 قام خلالها بتصميم واجهة محل كبير للملابس اسمه «بونويت أندتيللر»، وذلك بابتكار بانيو تملؤه قطع فراء بداخلها حسناء من الشمع ترتدى فستانًا للسهرة من اللون الأخضر الزرعى، وكانت الفاترينة لملابس الصباح الأسبور، بينما فى فاترينة السهرة قام بتصميم مانيكان تجلس على سرير مغطى بقماش الساتان الأسود، قوائمه مرتكزة على الجمر المشتعل.. وفى يوم الافتتاح قام بالمرور أمام فاترينات المحل، ففوجئ بتغيير فى تصميمه، فدخل منفعلا ليسأل عن السبب، فأجابوه بأن ذلك التغيير قد تم بناءً على دهشة واستياء ورغبة الزبائن، فاندفع بجنون يحطِّم الواجهة الزجاجية، وذهب إلى الشرطة مطالبًا بحقوقه بعد الاعتداء على أفكاره، ومن بعد حادثة أخرى اختلف فيها مع إدارة سوق نيويورك الدولية التى طلبت منه تنفيذ أحد الأعمال الفنية، ولم يلق العمل قبولا لدى إدارة السوق، فإن «دالى» قد قام بنشر بيان فى جميع الصحف يقول فيه: «إعلان استقلال التصور وحق الإنسان فى جنونه الخاص».. وترك من بعدها سلفادور الولايات المتحدة محبطًا، وأبدًا لم يعد إليها إلا لعمل ديكور شقة «هيلينا روبنشتاين» صاحبة أشهر محلات أدوات التجميل فى نيويورك، ومن بعدها استدعته النجمة الشهيرة «ماى ويست» ليقوم بتغيير ديكورات شقتها هى الأخرى، فقام بتصميم هيكل الشقة الخارجى على هيئة بورتريه لـ«ماى ويست» نفسها، وقام بتصميم كنبة الصدارة على هيئة شفتين قرمزيتين..



هذا الجنون الذى أجلس سلفادور على عرش الفنون قال فيه عالم النفس «سيجموند فرويد» فى 20 يوليو 1938م بعدما التقى بالفنان فى لندن عن طريق الكاتب الروائى «ستيفان زفايج» بعد سؤاله عن رأيه فى الفن السريالى عامة وسلفادور خاصة: «كنت حتى لقائى بسلفادور أميل إلى اعتبار السرياليين الذين اختاروننى راعيًا لهم مجانين تمامًا، أو 59٪ منهم قد أصابهم الجنون، مثل الكهول الذين فتك بهم الزهايمر، وأصبحوا لا يعون الأمس من اليوم أو الغد، ولكن هذا الشاب الإسبانى بعينيه الصادقتين والمتطرقتين بعمق كان له سحر خاص، وبمهاراته التكنيكية العظيمة التى لا يمكن إنكارها، ما جعلنى أعيد النظر فى رأيى، وبالتأكيد يمكن أن يكون ممتعًا عمل تحليل لأصول هذا النوع من التصوير الفنى، السريالى، ومع ذلك ينبغى للمرء كناقد أن يكون له الحق فى أن يقول إن مفهوم الفن يظل يقاوم ما بعد النقطة التى تُحدد سياج العقل الباطن إلى حدود اللانهائية..».






سلفادور دالى الذى رحل عام 1989م عن خمسة وثمانين عامًا تعود سيرته لقلب الأحداث والأخبار وصفحات الفن والنقاد كلما أقيم أى معرض لأعماله فى أى مكان بالعالم، وتعود الدهشة، ويعود الجدل، وترحل الجدية ليسيطر عالم الأحلام والأساطير والكوابيس، فتثمر الأشجار أثداء، وتذوب الساعات ويتوقف الزمن، وتهبط السحب إلى الأرض، وينام الوحش فى حضن الطفل فى الصحراء الجرداء.. ولأنه عاش إلى ما بعد الثمانين، وبلغ فى أقواله خلاصة الخلاصة للمختصر العنيد؛ فقد قال فى ردوده على أسئلة وُجهت إليه كانت تتخللها أسئلة لم توجه إليه كقوله: «نعم.. أنا مجنون بشهادة أعمالى.. وذلك لأنى أُبصر بخمسة عيون، وأمشى على سبعة أقدام، وأحلم بأن أتناول العشاء مع (دانتى)، ثم أحطم عنقه، لأنه استعار منى الكثير من خيالاتى وتصوراتى وهو يتخيل الجحيم»..



وتتدفق الإجابات السريالية على أسئلة الدهشة..



> كيف تتصور العالم بعد موتك؟



- هذه العبارة يستخدمها الناس جميعًا عندما يتحدثون عن مرحلة ما بعد الموت.. إنهم يتجاهلون حقيقة مهمة، وهى أن العالم يتحول إلى عدم بمجرد أن يغادروه.. وبهذه المناسبة أنتهز الفرصة لأُفضى بسر شخصى للغاية، وهو أننى أعانى من الأحذية الضيقة. لم أشتر حذاء فى حياتى إلا واكتشفت بعدها أنه لا يصلح لقدمى، وأن أصابعى بداخله تغدو سجينة تصرخ للانطلاقة الحرّة.. لا أدرى ما إذا كانت هذه حالة فلسفية أم تاريخية.. ألا تعتقدون معى أنه لو بُترت قدماى فى حادث قطار لكانت الأمور أسهل بكثير؟! دعونى أتساءل هنا: ماذا يفعل أصحاب الأقدام المبتورة بالأحذية التى يشترونها؟



> لكنهم لا يشترون الأحذية أبدًا؟



- أعرف صديقًا كان يفعل ذلك.. لم أكن أتجرأ على سؤاله وخاصة بعدما كان يحدثنى طويلا عن محاسن الحذاء الذى اشتراه لاسيما للمسافات الطويلة..



> إنها دون شك حالة نفسية.. لعله يستعيد قدميه عبر هذه التصورات الوهمية..



- حسنًا.. أنتم تقولون ذلك الآن.. لماذا إذن هاجمنى النقاد عندما أشاهد الأشياء فى خيالى؟! أشاهدها كما هى فى الوهم الذى هو فى الحقيقة حقيقة، فالمهم هو أن تشعر لا أن تمارس، وعلى كل حال فإننى لست متحمسًا لتقبـُّل المشكـلات التى يلقى بها رأسى علىّ.. لو كنت جنديًا أو عضوًا فى منظمة «الألوية الحمراء» لأطلق أحدهم على رأسى النار، لكننى رسام يعيش بمنأى عن تلك الأحداث والحالات.. لقد طلبت من أحد أصدقائى أن يقطع رأسى بالسكين وأن يُلقى به لقِطة جائعة فى الطريق، لم يفعل هذا لأنه لا يريد لهذه القِطة أن تصاب بعدوى الرأس الأجوف الفارغ.. أجل إننى أملك رأسًا أجوف، وما تشاهدونه فى لوحاتى يبدو كأنه انسكاب لونى عشوائى عبر هذا الخواء الذى يملأ رأسى..



> لكنك تحدثت كثيرًا عبر تاريخك عن محاولاتك لإنقاذ العالم؟



- الواقع أننى كنت أريد فعلا إنقاذ العالم.. إن حواسنا كلها تعانى من حالات مرضية مخيفة، وهذا لا يعنى أننى أبرئ الطبيعة من مشكـلاتها النفسية؛ فهى مصابة بمرض «البارانويا»، وأعتقد أن هذه الحالة ناشئة عن «السأم».. منذ آلاف السنين ونحن نضرب عصانا فى هذه الأرض دون أن نقدم لها أى جديد.. لقد كان همنجواى الذى مات متأثرًا بفلسفتى فى الحياة دون أن يعترف أبدًا بذلك ــ يعتقد أن الأرض هى مستودع أسرارنا، ولكن هل نحن نملك فعلا أسرارًا لكى نلجأ إلى إخفائها.. إن كل ما نملكه هو جماجمنا التى ندفنها تحت التراب بسبب مجهول، ربما تفاديًا للتلوث.. وهذا يعنى أن التلوث ليس من اكتشافات القرن العشرين، كما قيل لنا، بل إنه يعود إلى أبعد العصور، أى إلى ذلك اليوم الذى أهيل فيه التراب على جثة شخص ما..



> هل حقًا أنك أوصيت بحرق جثتك بعد موتك؟!



- لا أعتقد أن جثتى تستحق كل هذا الاهتمام، لقد طلبت من الخادم أن يرمى بها فى الشاحنة التى تنقل النفايات، وأعتقد أن عمال النظافة لن يقبلوا هذا الاقتراح تخوفًا أيضًا من التلوث ومن الدخول فى مهاترات الشرطة.. ولـمّا كان المال يمكن أن يأتى بنهاية سعيدة للكثير من الأشياء؛ فقد فهمنى الخادم جيدًا وتعهد بأن يرشى هؤلاء العمال كى يتسلموا جثتى ويرموا بها بين صناديق الكرتون وبقايا السمك المجفف..



> هل تعتقد أن السُلطات ستقبل بذلك.. أن يلقى بسلفادور دالى بين صفائح المعلبات المستخدمة وصناديق الكرتون وبقايا الأسماك؟!



- ألا يكفيهم أننى ظللت طوال عمرى مُعلَّبًا.. ألا يكفى أن تلك السلطات قد فرضت علىّ سلوكًا معينًا أثناء حياتى.. هل تريدون أيضًا أن تـُفرض علىّ سلوكيات معينة أثناء موتى؟! إنها حكومة الأحياء وليست حكومة الموتى.. قولوا لى من هو الذى ينتخب السُلطة الآن.. أليس الأحياء؟!.. هذا يعنى أن للأموات حياتهم الخاصة، إننى آمل أن يتم كل شيء بسلام، واتركونى للصناديق حيًا وميتًا..



> لكن الموتى هم الذين يصنعون العديد من الحكومات؟



- أفهم هنا شيئين: الأول أن ثمة من يستشهد كى يتمكن الآخرون من تحقيق أفكاره التى استشهد من أجلها.. وهذه كذبة مخيفة مخيفة مخيفة وباطلة.. والثانى أن ثمة من يقتل كى يصل وكى يبقى.. أجل.. أجل.. إننى أُدرك هذه الحقيقة جيدًا، ولقد صنعت لوحة دامية حول الأرچنتين ومن قبل اللوحة ذهبت اسأل الجنرال «فيدل كاسترو» متوجهًا إليه فى رسالة شخصية تقول: لماذا لا تنشئون مصنعا لتعليب الدم البشرى؟!.. ومثل تلك الأقوال التى أرددها بمرارة لا تستولى على فكرى دائمًا.. إننى إنسان معتوه، أملك وجوهًا عديدة، ولا أؤمن بالعقل..



> نرى أنك تراجعت بهذا الكلام، بينما كنت تردد دائمًا قولك بأنك الوحيد فى هذا العالم الذى يمتلك عقلا؟!



- أجل.. وماذا قلت الآن غير هذا المعنى.. إننى عندما كنت أتجول اليوم نَظَرَ الأطفال تجاهي، وكأننى فأر قديم كهل.. القليل منهم لم يكترث بى لكنهم راحوا يلاحقوننى بأصابعهم مشيرين تجاهى.. لم أكن أتصور أننى رائع إلى هذا الحد إلا عندما ألقى أحد الأطفال تجاهى بزجاجة كوكاكولا قائلا لأمه: «هذا الذى يرسم الشياطين، أليس كذلك؟!».. وهل تعرفون ماذا كان رد الأم: «إياك أن تقترب منه فقد يضربك بعصاه».. لقد كنت سعيدًا للغاية، وعندما حاولت تقبيل الأم صرخت كما لو أنها أمام شامبانزى متهور، لكننى أوضحت لها بعدما أصبحتْ المسافة بيننا حوالى مائة وخمسين مترًا - عن طريق الإشارة ــ أننى لم أكن أرغب أبدًا فى أن ألحق أى أذى بها أو بطفلها..



> هناك من يقول بأنك تدَّعى الجنون، إذ لا يعقل أن يتصرف هكذا من يرسم تلك اللوحات المدهشة التى رسمتها؟



- أشعر أحيانا أننى أرسم اللوحة بأسنانى، وحينًا آخر يبدو لى أننى بمجرد أن أخربش على قماش اللوحة يتكون شكل ما يتجاوز هذا العالم الذى لم يعد صالحًا..



> الكثيرون يعتقدون أنك تمارس الإرهاب فى لوحاتك؟



- نعم.. نعم.. تلك حقيقة.. إننى أريد أن أقتل أربعة مليارات بشرى يحتلون الكرة الأرضية الآن بصورة غير مشروعة.. إننى بوّاب الأرض، وعليّ مهمة طرد هؤلاء جميعا..



> لكن أصابعك وأنت فوق الثمانين قد أصبحت متعبة تمامًا، وغدت مفاصلك واهنة لا تستطيع أن تمسك بها الفرشاة؟



- هذا غير صحيح.. إننى عندما ذهبت إلى نيودلهى قال لى أحد الرسامين: إنك كاهن الحقيقة.. أجل.. إننى أرسم الحقيقة كاملة، لكننى أملك عينين ماسيتين لا تملكها سوى الذئاب، لكننى ذئب أنيق، وعندما أكون وحيدًا فى المنزل، فإننى أسير على قوائمى الأربع..



> لماذا اخترت الذئب بالذات؟!



- لأنه بطل جميع الأساطير التى قرأتها..



> لكأنك صُنعت من الوهم؟



- نعم، لقد صُنعت من الوهم، وهو الوهم الخاص المتميز، المضاد للوهم العام.. تستطيعون القول إننى رجل قد أُلقى على هذه القبة الزرقاء.. كى يبعث الرعب فى قلوب الأشياء..



و... فجأة أثناء الحوار يسقط سلفادور دالى الذئب الكهل فى نوم عميق ويعلو غطيطه.



دالى.. الذئب الخارج عن المألوف الذى كان يتنقل داخل بيضة من الزجاج السميك الشفاف لا تتسع لغيره سوى السائق.. يحمل لوحته المبتكرة الضخمة لنيويورك عام 1958 على شكل أُذن بشرية مقتنعًا بأن كل شىء يبدأ من الأُذن.. الذى ربط العديد من فـُرش الرسم فى ذيل خنزيرين، ووضع موتورًا فى حوض كبير ملأه بالكريمة والشوكولاتة الذائبة والسمك والدود والفشار، وكلَّف فتاة حسناء بمزج الخليط بواسطة موتور ليغمس الخنزيران جميع الفُرش فى الحوض لتخرج لوحته الشهيرة «الفوضى والإبداع».. دالى الذى صمم الأزرار من الشوكولاتة وأزياء ملطخة بالمايونيز وعصير البقدونس و600 لوحة زيتية و400 لوحة من فن الحفر.. الذى مات شقيقه وكان يدعى «سلفادور» قبل مولده بتسعة أشهر فأطلقوا اسمه عليه عوضًا عن الابن المفقود، فكان يرتدى ملابسه، ويلعب بلعبه؛ مما جعله يشعر بفقدان وجوده وتلاشيه فى شخصية الراحل، وكانت علاقته بوالده علاقة رعب وعدم ثقة: «كانت نظرته نحوى مزدوجة. لم أكن فى يوم من الأيام بالنسبة له ــ أنا ــ بل النصف الآخر الميت، لذا كنت أبحث عن أى شيء يغيظه ويثير حفيظته ويُشعره بالخوف والإذلال».. الذئب الصغير استغل ضعف والديه، خاصة أمه التى تُجسد أوهامها فى هواجس وكوابيس ترويها له ليظل رجع صوتها البائس يعشش فى أذنيه: «كثيرا ما كنت أجلس فى مكانى لساعات لأنى لم أكن أعرف كيف يُفتح الباب.. ولم أكن أحسن خلع ملابسى وحدى، وكان شبح الموت خنقًا يُلازمنى فى الصباح والظلام الدامس».. وغدت المدرسة كابوسًا لسلفادور، وعندما كان الأطفال يتسلقون الأشجار كان يُفضِّل البقاء فى الفصل مع الأقلام والرسوم وصور الأشخاص المعلقة على الحوائط، وحينما كانوا يجبرونه على الذهاب للمدرسة تتعالى صرخته المدوّية «لست بحاجة إلى أستاذ».. وانعكس تخوفه من الجراد إلى لوحاته فيما بعد: «كنت أرى الجراد فى كل مكان، حتى فى الأماكن الخالية منه، وأقفز التياعًا عندما كان الأطفال يقذفون ناحيتى بالممحاة ظنًا بأنها جرادة طائرة تجاه وجهى»..



دالى.. الذى قال عنه الطبيب النفسى الإسبانى «أنطونيو أوبيسول» الذى لازمه للنهاية: «إن سلفادور دالى أغرب رجل عرفته فى حياتى؛ فهو أبعد الحالات النفسية عن الطبيعة دون أن يكون مجنونًا، وأبعد الحالات عن الجنون دون أن يكون طبيعيًا»..



الذئب السريالى الحالم الرافع شعار عظمة وعنجهية «الأنا» حتى النهاية، كان الطفل بداخله متمركزًا بأحلامه وأمانيه.. فى الثالثة تمنى أن يصبح طباخًا.. وفى السادسة أن يكون نابليونًا.. وعاش حياته يتجاذبه الصراع بين شهوة الأكل وشهوة المجد.. ظل حتى آخر أيامه يتسلل ــ وهو يتساند على العصا ــ سرًا إلى محلات الحلوى فى باريس ومدريد ونيويورك ليشترى دفعة واحدة خمسة كيلوجرامات من الحلوى والشوكولاتة، أو عشرة أكياس من حبّات البلى الزجاجية التى يلعب بها الأطفال ثم يخرج منتفخ الأوداج إلى الهواء الطلق بشعور أنه نابليون عصره وأوانه، فقد أصبح فى متناوله مئات من حبات البلى، بينما كان فى طفولة لا يكاد يحتكم على ثلاثة!



وفى يومياته التى كتبها فى الفترة ما بين 1952 و1963 قام سلفادور دالى بتعرية أسراره بكبرياء شديد ممزوج بروح الفكاهة، وكانت كلماته الصريحة فيها صادمة للقارئ تمامًا مثل أعماله التى لاقت الإهمال والاستنكار فى بداياته، ولكنها ومع استمرار إبداعه استقرت على خريطة الفن، وبعد رحيله لم تعد تحتاج إليه ليدافع عنها.. فى يوميات العبقرى تتبدى موهبة الخيال والحُكم الدقيق السريع على الأشياء وفيها كما يقدمها بنفسه: نومه وهضمه، ابتهاجه ونشوته، أظافره ودمه، حياته وموته، واختلافه عن بقية البشر. من بين أيامه فيها كتب يقول بين سطورها: «فى مسألة الشارب لن يكون شاربى مأساويًا كالضباب مثل شارب هتلر أو موسيقى ڤاجنر، سيكون شاربى خطًا رفيعًا، إمبرياليًا، لا معقولا، مشيرًا إلى السماء كالتصوف الدائم».. «لقد كنت تلميذًا ملتزمًا للنهاية بالسريالية، بحيث إنى أصبحت بسرعة السريالى الكامل».. «منذ مراهقتى نصحنى حذرى الشديد بنصيحتين: أولهما، ألا ينتهى بى الأمر بأى حال من الأحوال إلى السجن الذى يتعرض له الجميع، والنصيحة الثانية أن أصبح من أصحاب الملايين فى أسرع وقت، وقد تحقق هذا أيضًا، وإن أسهل الطرق لعدم تقديم تنازلات للذهب، أن تمتلكه».. «أعتقد أن أغرب الحريات للإنسان على الأرض أن يستطيع الحياة دون أن يكون مضطرًا للعمل».. «أيها الرسام إذا رفضت دراسة التشريح، ورسم المنظور وعلم الألوان، والحسابات الجمالية، فدعنى أقول لك إنها علامات كسل وليست علامات عبقرية».. «إبدأ بالرسم والتلوين مثل كبار العمالقة السابقين، بعد ذلك افعل ما تراه مناسبًا.. فستنال الاحترام الدائم».. «الغيرة من الفنانين الآخرين كانت ترمومتر نجاحى دائمًا».. «بأمانة.. لا ترسم بعدم أمانة».. «كانت لى خصلة رديئة منذ طفولتى، وهى أنى أعتبر نفسى مختلفًا عن الناس العاديين، وحتى فى ذلك فقد نجحت».. «وكأنى أعيش فى شهر عسل دائم مع معشوقتى (جالا)، لقد جعلت (جالا) حياتى تحفة فنية، وكان علىّ لكى أحصل على انبهارها الدائم أن أكون بطلا فى كل لحظة»..



«كل صباح عند الاستيقاظ ينتابنى فرح غامر، وقد عرفت هذا الصباح فقط ولأول مرة أن تلك البهجة الصباحية سببها كونى سلفادور دالى، وأتساءل مندهشًا: ما الأعجوبة المتوقعة التى سيحققها دالى اليوم؟! وأجد صعوبة يومًا بعد يوم فى فهم كيف يعيش الآخرون دون أن يكونوا دالى؟!».. «منذ طفولتى وأنا مُعجب بالطبقة الارستقراطية، وحين ذهبت إلى باريس كان هاجسى الوحيد أن أعرف هل يمكن أن أُدعى إلى كل الأماكن العظيمة التى أحب أن أراها، وحين أتلقى الدعوة، تهدأ كبريائى على الفور بالطريقة ذاتها التى يشفى فيها المرء بمجرد أن يفتح الطبيب الباب، ومع ذلك فإنى غالبا لا أُلبى هذه الدعوات، وإذا حدث وذهبت فإنى أختلق فضيحة تجذب لى الانتباه، ثم أختفى فى الحال».. «كان الادعاء بالنسبة لى، خاصة فى المرحلة السريالية، بمثابة استراتيجية حقيقية فى التصرف، فقد كنت الوحيد من بين السرياليين الذى يستقبل فى الأوساط الاجتماعية الرفيعة، فقد كانوا غير مقبولين داخل هذا الإطار، كنت أتفاخر بالقول لهم: معذرة لابد أن أمضى الآن لأنى مدعو لحفل عشاء فى المدينة، وأتركهم لافتراضاتهم وغيظهم؛ فهى حفلة عند طبقة يعتبرونها فاكهة محرمة بالنسبة لهم، وحين أصل إلى بيت مضيفى مباشرة، أمارس نوعًا آخر من الادعاء يُعد أكثر جدارة بالاعتبار وإحاطتى بهالة من الرفعة، أقول: (سأضطر للمغادرة ومعذرة بعد تناول القهوة مباشرة، لأنى على موعد مع الجماعة السريالية)، أو كنت أقول (أستأذنكم فأنا ذاهب إلى اجتماع مهم للجماعة السريالية المنغلقة على نفسها)، ويكون لذلك تأثير كبير، فبالنسبة لأفراد مجتمع فضولى فإنى ذاهب إلى مكان لا يستطيعون بجميع إمكاناتهم الوصول إليه، ولا يستطيع السرياليون الذهاب إلى قصور المجتمع الراقى المرفوضين فيه، ومن هنا أغدو متميزًا على الجانبين، والادعاء هو أن تضع نفسك فى موقع لا يُسمح به للآخرين، ويسبب إحساسًا بالنقص لهم، وتلك طريقة فى العلاقات الإنسانية تستطيع بها السيطرة على الموقف تمامًا، وتلك كانت سياستى مع السرياليين وأفراد المجتمع المخملى»..



«دائمًا كان من دستورى فى العلاقات ألا أشارك فى الخصومات، ولا أتحيّز إلى أى من جانبى الخصومة، فمثلا تخاصم (آل بيمونت) مع (آل لوبيز) بسبب فيلمى (عصر الذهب)، وعرف الجميع أن العائلتين قد تخاصمتا، ولم تعد إحداهما تزور الأخرى أو تتواصل معها، وكل ذلك بسببى، لكنى أنا ــ وبكل جدية ــ كنت أذهب لزيارة (آل بيمونت)، وبعدها أتوجه لزيارة (آل لوبيز) دون أن أسعى لمعرفة أى شىء عن طبيعة شجارهما، وحتى لو عرفت فأنا فوق المشاكل ولا أُعيرها أدنى انتباه، والشىء نفسه حدث بين المصممتين (كوكو شانيل) و(إلزاشيابا)؛ فقد كانت بينهما حرب أزياء عارمة، وكنت أتناول الغداء مع الأولى، وأتناول الشاى مع الثانية، وربما فى الليل أذهب للعشاء مع كوكو، وكل هذا قد خلق من حولى دوامات من الغيرة تأكل أصحابها، لكنى أنا أروح وأغدو كما أشاء نتيجة لادعائى الخاص، ولجنونى فى أن أُشاهد دائمًا وسط أكثر الدوامات صعوبة ومنالا»..«يحدث أحيانًا فى عالم النقد شيء مفزع، حين يصبح كل النقاد مجمعين على شىء جيد جدًا أو ردىء جدًا، آنذاك تأكد أن كل ما يقولونه زائف!».. «جاءنى صحفى من نيويورك ليسألنى فى موناليزا ليونارد دافنشى وما صنعه الرسام مارسيل دوشام فى صورتها من تحولات عندما أعاد رسمها بشارب سلفادور دالى، فقلت له إننى مُعجب بأداء هذا الشاب وموقفه عندما وصل ذروته بتساؤله: هل نحرق اللوفر؟ وكنت بالطبع من أولئك الذين قالوا إنه لا يجب حرق اللوفر، أما إذا قاموا حقيقة بحرقه فيجب إنقاذ الجيوكندا، وإذا احتاج الأمر يمكن نقلها إلى أمريكا مع كل الحفاوة اللائقة بها؛ فهى أيضًا قابلة للكسر نفسانيًا، طبعًا فى كل العالم يوجد المتعصبون لها، لكن الكثيرين أيضًا هاجموها، ومنذ بضع سنوات قُذفت بالحجارة، وذلك مَثل للفعل الفاحش بالعدوان على الأم، وأنت تعرف أفكار فرويد حول ليونارد دافنشى من أن كل فنه مخبوء فى لا وعيه، ومن هنا فإنه من السهل أن نستنبط أنه حين رسم ليونارد لوحة الجيوكندا، فإنه كان واقعًا فى غرام أمه، ودون أن يُدرك رسم لوحة تمتلك كل صفات الأم المتسامية، أنثى لها ثديان كبيران تنظر لكل من يتأملها بطريقة أمومية خالصة، بينما فى الوقت ذاته تبتسم بطريقة ملتبسة ذات معنى، إذن ما الذى سيحدث مع شاب مسكين سيطرت عليه عقدة أوديب، بمعنى أنه وقع فى حب أمه عندما يرى لوحة الجيوكندا، لابد أنه سيحمل حجرًا ليقذف به اللوحة».. ويعود الصحفى الذى قدم من نيويورك بعد لقائه بـ«سلفادور دالى» قائلا لنفسه - كما تخيل دالى فى مذكراته - لقد كان الحديث يستحق الرحلة، ويضيف دالى بقوله من عنده: «لقد شاهدته يصعد التل بعد مغادرته لى وهو غارق فى التفكير، ثم انحنى ليلتقط حجرًا..».



ويكتب دالى فى يومياته التى حفرت على جدران تاريخ الفن: «بيكاسو أكثر الرجال الذين عرفتهم حيوية، وقد كان لإسبانيا الشرف دائمًا فى أن تقدم للعالم أكثر التناقضات عنفًا، وقد تجسدت تلك المتناقضات فى القرن العشرين فى شخصية بابلو بيكاسو وشخصية خادمكم المتواضع سلفادور دالى، وقد قدّر لى أنا أن أنقذ الرسم الحديث من الخمول والفوضى، ومعنى اسم «دالى» باللغة القطالونية هو «رغبة»، أما اسم «بابلو» فهو مثل أسماء البابوات؛ بمعنى أنه اسم عادى جدًا..».. «اعتدت أن أنظر إلى الصحف بالمقلوب، وبدل أن أقرأ الأخبار أنظر إليها وأراها ككتلة مطبوعة، حتى وأنا مراهق رأيت وسط حروف الطباعة مباريات لكرة القدم كما كانت تبدو فى التليفزيون، كل ذلك بتصنع قليل من الحول فى عينى يجعلنى أغبش الصورة لتتبدى أمامى صورة أخرى كانت فى داخلى، واليوم وأنا أمسك الجرائد بالمقلوب، أرى أشياء رائعة تتحرك، فقررت بإلهام سلفادورى أن أقوم بتلوين أجزاء من هذه الجرائد أطرزها بنقاط من الذباب، وقد جاءتنى هذه الفكرة حين رأيت جمال مجموعة من قطع الصحف قام بتلوينها كل من بيكاسو وبراك، براك الذى سوف أُهدى له فى جنازته بكل جلال وتقدير أعظم تمثال نصفى وأشهرها تلقائية، تمثال لسقراط مصنوع من الذباب!».. «إن نتائج الفن الحديث المعاصر جاءت لنا بأقصى درجات العقلانية وأقصى درجات الشك، إن الرسامين الشبان اليوم لا يؤمنون بشيء، ومن الطبيعى حين لا يؤمن المرء بشىء أن ينتهى إلى أن يرسم لا شيء، وهى حالة الرسم الآن».. «أعرف أنى لست خطيبًا ولا رجل علم، لكن وسط الجمهور لابد وأن يكون هناك علماء، خاصة بعلم التشكيل، ولأنى سلفادور دالى فكل ما أقول من هلوسة سيتحول وسط الجمهور إلى كلمات مأثورة من منطلق الإبداع».. «يزورنى كل عام، بشكل منتظم تقريبًا، شباب يسألنى أن أدله على طريق النجاح.. قلت لأحدهم هذا الصباح: (أن تنال الاحترام الدائم والمتنامى فى المجتمع شىء عظيم، لكن إذا امتلكت موهبة كبيرة فعليك فى مطلع حياتك وشبابك، أن تعطى هذا المجتمع الذى تحبه ركلة قاسية فى ساقه، فى قصبة الساق، وعندها سوف يتذكر دائمًا وقع هذه الركلة ليضعك دائمًا فى الموضع اللائق وفى الصدارة».. «لم أستطع أبدًا أن أكون تلميذًا عاديًا، فإما أن أبدو غير قابل للتعلم على الإطلاق، وأعطى انطباعا بأنى غبى تماما، أو أن ألقى بنفسى على العمل بإرادة حديدية وإقبال منقطع النظير ورغبة فى التعلم تدهش كل من حولى، ولكى يوقظ حماسى، فمن الضرورى أن يكون دافعى شيء أحبه، وحين تنفتح شهيتى أصبح جائعًا بشكل هياجى وكأنى وحش كاسر».



ويمضى قطار العمر بوحش الفن الكاسر الذى ظهرت موهبته فى السن المبكرة لترحل الأم فى عام1921 ويقبل تلميذا فى أكاديمية «سان فرناندو» ويقوده لسانه السليط لانتقاد أستاذه فى عام 1922 فيتم طرده، وبعدها اعتقاله سجينا سياسيا لمدة 52 يوما، وفى عام 1925 أول معرض لأعماله فى برشلونة، وفى 1926 الذهاب إلى باريس ولقاء الفنان بيكاسو، وفى عام 1927 الخدمة العسكرية، وفى 1936 الحرب الأهلية الإسبانية وهروبه فى ملابس غطاس..



وتمضى سنوات القرن العشرين حاملة صولات وجولات متعدد المواهب والشطحات لترحل الزوجة «جالا» فى 10 يونيه 1982 ويعيش سلفادور وحده فى قصر بيبول ليواجه فى غرفته النائية حريقا ضخما يترك آثاره السلبية على المغامر الجرىء ليرسم لوحته الأخيرة فى 1983، وتتكالب الأمراض ويصاب بالشلل الرعاش، حتى أصابعه الأسطورية رفضت التحكم فى ريشته، وتتوالى تبعات الرفض لتصل للقلب الذى أثار بركان الفن لتخفت دقات الساعات التى رسمها سلفادور فى لوحاته السريالية وقد ذابت على الأسوار.. فى 23 يناير 1989 كانت الوفاة بأزمة قلبية لتغمض العين التى طالما ألهمت واستلهمت فى الوجه الذى أطال شاربه مقلدًا شارب الفيلسوف الألمانى «نيتشه» فيلسوف الإنسان السوبر!!