عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
حقوق الإنسان فى عالم متعدد الثقافات والأولويات
17 سبتمبر 2021
بقلم ــ عـــلاء ثابت


أثناء نشأتى فى الأقصر كنت أزور معبد الملكة المصرية حتشبسوت، الذى يعد معجزة معمارية، وكنت أستمع من المرشدين السياحيين وأبناء الأقصر النابهين فى التاريخ القديم إلى رواياتهم عن ذكاء الملكة حتشبسوت وبراعتها فى إدارة الدولة، ولم تكن حتشبسوت وحدها التى تربعت على عرش مصر القديمة، فهناك قائمة من الملكات، منهن كليوباترا السابعة وميريت نيت ونفرتيتى وتاوسرت وغيرهن كثيرات، فى وقت كانت فيه المرأة لا تتمتع بهذا التقدير وتصل إلى مكانة الملكة فى معظم الحضارات القديمة، ولم يكن الأمر مقتصرا على حق المرأة فى اعتلاء العرش، بل كانت تشغل مناصب أخرى كهنوتية وفى العمل وتحظى بحقوق الملكية والميراث وغيرها من الحقوق التى لم تكن معروفة فى حضارات أخرى مثل الحضارة اليونانية القديمة، ومرت مصر بعهود مختلفة وتعرضت لفترات احتلال طويلة، تراجعت فيها حقوق المواطنين جميعا، بمن فيهم المرأة.



تذكرت ذلك أثناء متابعتى لكلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى عن الإستراتيجية المصرية لحقوق الإنسان، والتى لم تتطرق فقط للحقوق السياسية والتعبير والنشر، وإنما شملت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتنمية الشاملة، وهو مفهوم أوسع لحقوق الإنسان، لا يركز عليه المفهوم الأوروبى والأمريكى كثيرا، وقد يكون ذلك لأن تلك الدول قطعت أشواطا أكبر فى التنمية، وأنها حققت مستوى متقدما فى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وإن كانت هناك فئات مازالت تعانى الفقر والتهميش، بل والعنصرية التى مازالت بقاياها جاثمة فى قلب الولايات المتحدة وأوروبا، ونجد أنها عادت إلى الظهور بقوة مقلقة، وأن الأحزاب اليمينية المتطرفة والنازية الجديدة والفاشية تطل برأسها فى تلك البلدان المتقدمة رغم ما أحرزته من تقدم صناعى وتكنولوجي، فحركات السود الأمريكيين تواجه جماعات تعتقد فى سيادة الرجل الأبيض، ومازالت بعض الدول تعانى من أن النساء لا يحصلن على رواتب مساوية للرجال، وأنهن مهمشات ويعانين أنواعا من التفرقة، ويتعرضن للعنف بمختلف أشكاله، وأدهشنى أن الولايات المتحدة ليست من بين الخمسين دولة الأولى فى إنصاف المرأة، رغم تبنيها الدفاع عن حقوق النساء فى العالم، بل تحتل المرتبة الأولى فى تعرض النساء للاغتصاب والعنف، لكن أحدا لا يتحدث كثيرا عن نواقص وعيوب الدول الكبرى وانتهاكاتها لحقوق الأقليات والنساء أو تفشى العنصرية.






وهذا ليس تبريرا أو دفاعا عن قصور أو انتهاكات تحدث فى بلداننا، بل وددت الإشارة فقط إلى أن الحديث عن حقوق الإنسان له أكثر من زاوية، بل أحيانا يتم استخدامه لأهداف سياسية، وأن الظروف التى تمر بها بلدان العالم قد تشهد مراحل متفاوتة حول الحقوق التى يتمتع بها المواطنون، والتفرقة بين الناس حسب العرق أو الدين أو اللون أو الجنس، فعندما مرت الولايات المتحدة بفترة اضطرابات سياسية عقب الحرب الكورية فى الخمسينيات ظهرت المكارثية المنسوبة لجوزيف مكارثي، وكان رئيسا لإحدى لجان مجلس الشيوخ، واتهم عددا من موظفى الحكومة وشخصيات عامة بالشيوعية والتجسس، وراح ضحية تلك الحملة أكثر من مائتى شخصية عامة تم الزج بهم فى السجون، وطُرِد أكثر من 10 آلاف من وظائفهم وتم التنكيل بهم، ومنهم مارتن لوثر كينج وألبرت أينشتاين وآرثر ميلر وشارلى شابلن وغيرهم.



وكانت أوروبا قد شهدت مذابح مروعة فى فترة الحرب العالمية الثانية وما قبلها، من النازية فى ألمانيا والفاشية فى إيطاليا والستالينية فى الاتحاد السوفييتي وغيرها، أى أن التاريخ الحديث للبلدان الأوروبية والولايات المتحدة لا يخلو من فترات صعبة عصفت بحقوق ملايين البشر، وأعنى أنهم ليسوا ملائكة فى مجال حقوق الإنسان، وتشهد على ذلك الفترات الطويلة التى تاجرت فيها بلدان متقدمة بالعبيد، واحتلت شعوبا لفترات طويلة وانتهكت فيها كل حقوق الإنسان سواء نساء ورجالا وأطفالا.



هناك مسألة أخرى تتعلق بالقيم الأمريكية أو القيم الأوروبية أو القيم الصينية أو اليابانية، فكل حضارة لها سمات ومجموعة قيم تختلف وفقا للزمن أو الجغرافيا أو الظروف والإرث من العادات، وطالما أننا نتحدث عن أهمية قبول الاختلاف فعلينا أيضا مراعاة تفاوت القيم من مجتمع إلى آخر، وليس من حق دولة أو جماعة فرض قيمها على الآخرين، مثلما نرى أن ليس من حق جماعة فرض معتقداتها على الآخرين، وأن نعترف بهذا التفاوت والاختلاف، وليس معناه أيضا أن نبرر به بعض السلبيات، وأن نراعى الأسس العامة لحقوق الإنسان، ونحدد تلك الأطر مثل حق المواطنة والمعتقد والتعبير والمساواة فى الحقوق، وأن نراعى أيضا وجود اختلافات فى الثقافات والعادات والموروثات، وأن ندع كل مجتمع يتطور وفق مستوى الحداثة والتطور الطبيعي، ومثال لذلك ما شهدناه مؤخرا فى أفغانستان، فعندما احتلت الولايات المتحدة أفغانستان منذ عام 2001، اعترفت بأنها فشلت فى فرض القيم الأمريكية على الشعب الأفغاني، وهذا نموذج على أن تصدير القيم أو فرض قيم بعينها لا يراعى إرث الشعوب وتراثها وعاداتها يأتى بنتائج عكسية، ويكون الارتداد قويا، أما التطور الناتج عن التلاقى والحوار وتبادل المعارف والاطلاع الحر فهو الذى يحقق التطور الطبيعى الأكثر رسوخا.



كما أن هناك أولويات لدى كل دولة وشعب، فلا يمكن لدولة تعانى الفقر الشديد أو ضعف الرعاية الصحية أو التسرب من التعليم أن تتجاهل الحقوق فى السكن المناسب والحياة الكريمة وتتحدث عن حقوق زواج المثليين مثلا التى تشغل دولا فى أوروبا والولايات المتحدة، لأن الحق فى الحياة الكريمة الآمنة أهم الأولويات التى ينبغي تغييرها لأى شعب، مع التطور الطبيعى والمتدرج للحقوق السياسية، فإن أخطر ما يضر حقوق الإنسان هو استغلالها من جانب أطراف خارجية فى هدم المجتمعات من الداخل، فتكون النتيجة عكسية، مما يلحق الضرر بتلك الحقوق.



إن مسألة حقوق الإنسان بقدر أهميتها ودورها فى تنمية المجتمعات وتحقيق غاية وطنية نبيلة، تستهدف تقدم بلدانها وتقديم الأفضل، وليس إثارة الفتن ونشر الشائعات ومحاولة هدم بنيان الدول، بل الأجدر بنا أن تكون تلك الحقوق أداة تقدم وتطور لا ينفصل عن باقى الحقوق فى التنمية الشاملة، وحقوق التعليم والصحة والعمل والسكن المناسب والحياة الكريمة، وأن ننأى بها عن الصراعات الدولية والمناكفات السياسية، وأن نتعامل معها بتجرد وإنسانية.