عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
علاج أمراض «المناطق القديمة» فى «المجتمعات الجديدة»
1 أغسطس 2021
بقلم ــ ‬عبدالمحسن‭ ‬سلامة


الحديث عن الجمهورية الجديدة ليس حديثا «عاطفيا» لكنه حديث يستند إلى إستراتيجية جديدة ومختلفة يتم تطبيقها على الأرض من خلال آليات محددة طبقا لبرامج زمنية دقيقة.



أبرز هذه الآليات هو مضاعفة مساحة المعمور فى مصر وزيادتها من 7% إلى 14% بما يعنى إضافة دولة جديدة بحجم مساحة الدولة القديمة تقريبا.



مضاعفة مساحة المعمور جاءت من خلال التوسع فى إنشاء المجتمعات العمرانية الجديدة التى تنتشر الآن فى طول مصر وعرضها، بدءا من أسوان الجديدة حتى العلمين الجديدة مرورا بمدن رشيد الجديدة، وبنى سويف الجديدة، والمنيا الجديدة وغيرها من تلك المدن والمجتمعات، التى تتم إقامتها فى مسارات متوازية لاتتقاطع مع بعضها البعض.



فى القلب من كل تلك المجتمعات العمرانية الجديدة تأتى العاصمة الإدارية الجديدة لتكون درة التاج لكل تلك المشروعات، والتى تسابق الزمن الآن للاستعداد لنقل الحكومة إليها خلال الفترة القليلة المقبلة.



إلى جوار تلك المشروعات العمرانية العملاقة تسير خطة التوسع فى زيادة الرقعة الزراعية بعد أن ضاقت مساحة الأراضى الزراعية القديمة، على المزارعين والتى تبلغ الآن حوالى 6٫1 مليون فدان موزعة على الدلتا والصعيد.



هذه المساحة الزراعية تعرضت لمخاطر التآكل بسبب الزحف العمرانى «غير المقدس» عليها، وبالتالى لم تعد تكفى الاحتياجات المتزايدة للسكان، فكانت رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسى بإضافة ما يقرب من نصف هذه المساحة دفعة واحدة للرقعة الزراعية منها مليون ونصف المليون فدان فى مشروع الريف المصرى، بالإضافة إلى مليون ونصف المليون فدان فى الدلتا الجديدة، ليصل إجمالى الأراضى الزراعية المستصلحة الجديدة إلى أكثر من 3 ملايين فدان، وبما يعادل 50% من مساحة الرقعة الزراعية الحالية.



إذن نحن أمام توسع أفقى (عمرانيا وزراعيا وصناعيا) يقترب من المساحة المعمورة الحالية لتكون عنوانا رئيسيا فى الجمهورية الجديدة التى دشنها الرئيس عبد الفتاح السيسى يوم 15 يوليو فى استاد القاهرة أمام أكبر حشد جماهيرى للأسرة المصرية مع بدء إطلاق مشروع القرن الحادى والعشرين فى مصر وهو مشروع تطوير الريف المصرى.






تدشين مشروع تطوير الريف المصرى فى استاد القاهرة والتركيز عليه، واعتباره العنوان الأبرز للجمهورية الجديدة يعنى أن الرئيس عبد الفتاح السيسى يضع إستراتيجية متكاملة للنهوض بالدولة المصرية من خلال التوسع الأفقى ومضاعفة مساحة المعمور، زراعيا وصناعيا وعمرانيا، وكذلك علاج مشكلات وأمراض المجتمعات القديمة لتكون مواكبة للمجتمعات الجديدة، ومطابقة لأفضل المواصفات العالمية بعيدا عن العشوائيات والمتاعب والأوجاع والأمراض، التى تراكمت عبر عقود طويلة وممتدة.



المتاعب والأوجاع والأمراض فى المناطق القديمة جاءت من تأخر جهود الحكومات المتعاقبة فى ملاحقة تلك المشكلات، وعدم تقديم رؤية «استباقية» لمواجهة تلك الأزمات والاكتفاء بالجرى وراء المشكلات والأزمات، ومعالجة «المتفاقم» منها فقط .



على سبيل المثال كان الريف المصرى يعانى نقص مياه الشرب، وبدأت الحكومات المتعاقبة تهتم بذلك لسد ذلك العجز، ومعالجة تلك المشكلة من خلال مد شبكات مياه النيل أو حفر آبار ارتوازية وإقامة شبكات مياه شرب على تلك الآبار فى معظم القرى.



اهتمام الحكومات السابقة بإقامة مشروعات مياه الشرب لمعالجة الأزمات المتفاقمة فى الريف جهد مشكور، لكن الحكومات السابقة لم تقدم رؤية متكاملة، ولم تبذل مايكفى من الجهد لوضع تصور يربط بين دخول مياه الشرب إلى المنازل، وضرورة وجود شبكة للصرف الصحى لاستيعاب نواتج استغلال مياه الشرب.



صحيح أن دخول مياه الشرب كان ضرورة وعالج أزمة طاحنة كانت موجودة بسبب نقص مياه الشرب لكن افتقاد الرؤية الشاملة جعل من مياه الشرب فى المنازل مشكلة كبرى بعد ذلك نتيجة ارتفاع منسوب المياه الجوفية فى أغلب القرى المصرية بسبب افتقاد مشروعات الصرف الصحى.



اضطر سكان الريف إلى حل مشكلاتهم بجهودهم الذاتية من خلال حفر «بيارات» الصرف أسفل المنازل، و«كسح» هذه «البيارات» وإلقاء نواتجها فى الترع والمصارف مما أدى إلى ارتفاع معدلات التلوث بمياه الترع، التى يتم استخدامها فى الزراعة و الرى إلى جانب زيادة منسوب المياه الجوفية فى الريف وتهديد سلامة المنشآت والمبانى.



طريقة العلاج فى الجمهورية الجديدة مختلفة لأنها لا تقوم على حلول «وقتية» حتى وإن كانت «ضرورية» لكنها تقوم على حلول «متكاملة» وإستراتيجية طويلة الأمد مثلما يحدث الآن فى مشروع تطوير الريف المصرى.



مشروع تطوير الريف المصرى ينهى «أوجاع» و«متاعب» القرى المصرية التى يسكنها ما يقرب من 58% من سكان مصر مع العشوائيات وأزمات البنية التحتية والمدارس والمستشفيات تحت شعار «حياة كريمة» لأكثر من 60 مليون مواطن مصرى يعيشون فى قرى مصر وتوابعها.



يستهدف المشروع تطوير القرى المصرية تماماً، بدءاً من إقامة مساكن جديدة لمن تتطلب حالة مساكنهم ذلك، ومروراً برصف الطرق وإقامة المنشآت التعليمية والرياضية والصحية، وانتهاء بمشروعات الكهرباء والصرف الصحى ومياه الشرب.



باختصار سوف يتحول الريف المصرى فى نهاية السنوات الثلاث المقررة لاكتمال هذا المشروع العملاق إلى ريف عصرى حديث يتمتع بجميع الامتيازات، التى يتمتع بها سكان أفضل المناطق والتجمعات السكنية ليكون عنواناً للعدالة الاجتماعية الحقيقية وترسيخاً لمفهوم الكرامة الإنسانية.



ما حدث فى مشروع تطوير الريف المصرى جعل الأمم المتحدة تختاره كأفضل مبادرات التنمية المستدامة على مستوى العالم بعد أن توافرت فيه المعايير الـ 17 المعتمدة لدى الأمم المتحدة لتقييم هذه المبادرات.



علاج أوجاع ومتاعب أمراض المناطق القديمة ليس مقصوراً على تطوير الريف المصرى فقط لكنه بدأ قبل ذلك بعدة سنوات وبالتحديد مع بدء ولاية الرئيس عبدالفتاح السيسى، حينما قرر اقتحام ملف العشوائيات، وأنهى كارثة العشوائيات «الخطيرة» من خلال إقامة مناطق جديدة تحتضن سكان تلك المناطق فى الاسمرات، وغيط العنب، وروضة السيدة، وغيرها من المناطق، التى أقيمت فى طول البلاد وعرضها واستوعبت سكان تلك المناطق الذين كانوا يعيشون تحت خطر الموت ألف مرة فى اليوم الواحد، مثلما كان يحدث فى الدويقة، وتل العقارب.



لم تقتصر جهود التطوير على المناطق الخطيرة فقط لكنها امتدت إلى المناطق العشوائية كما يحدث الآن فى «عزبة الهجانة» فى الكيلو 4٫5 على طريق السويس، والتى يسكن فيها ما يقرب من مليون و 200 ألف مواطن .



ظلت منطقة «الهجانة» بلا أب شرعى، حيث تلاصق الحى العاشر فى مدينة نصر، وتقع بالقرب من الشروق، وظلت كذلك حتى دخلت ضمن استراتيجية الدولة لتطويرها، وقد زارها الرئيس عبدالفتاح السيسى لتفقد العمل بها ومتابعة أعمال تطويرها ليكون أول رئيس جمهورية يذهب إلى هناك ويقف على مشاكلها ويطلق استراتيجية التطوير فيها وعلاج أوجاعها ومشكلاتها فى مختلف المجالات.



تحديات ودروس المناطق القديمة فى المساحة المعمورة القديمة (7%) كانت هى الدافع القومى والحافز لوضع إستراتيجية التعمير فى الجمهورية الجديدة، سواء المناطق السكنية والعمرانية، والزراعية، والصناعية، التى تصل إلى ضعف مساحة المعمورة الحالية (7% ايضا) أو علاج مشكلات المناطق القديمة ليكون هناك توازن دقيق، وعدالة اجتماعية بين كل سكان مصر فى المناطق الجديدة أو القديمة.



ضمانات عدم تكرار مشكلات المناطق القديمة فى المجتمعات الجديدة جاءت من «صرامة» الدولة بكل أجهزتها فى تطبيق القواعد والمواصفات، بحيث لا تتداخل المناطق الزراعية مع السكنية أو المناطق الصناعية معهما، وأن تكون هناك رؤية وإستراتيجية للتوسعات المستقبلية فى كل قطاع.



على الجانب المقابل، فقد روعى فى مشروعات البنية الأساسية من مياه وصرف وطرق أن تكون تلك المشروعات قادرة على استيعاب التوسعات المستقبلية لمدة 20 عامًا على الأقل، ويعاد النظر فيها بعد ذلك، بحيث يكون مبدأ «الوقاية خير من العلاج» هو المبدأ الدائم فى إستراتيجية تلك المجتمعات الجديدة، حتى لا تتكرر سياسة الجرى وراء «العلاج الجزئى» للمشكلات.



أخيرًا، فإن اقتحام الدولة لمضاعفة مساحة المعمور خلال السنوات العشر المقبلة، وفى الوقت نفسه، علاج مشكلات ومتاعب المناطق القديمة فى الريف والمدن، يؤكد الوجه الحضارى والإنسانى فى الجمهورية الجديدة والنابع من إصرار الرئيس عبدالفتاح السيسى على تحقيق مفهوم العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية لكل مواطن يعيش على أرض مصر من الإسكندرية حتى أسوان.