عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
جريمة مزدوجة
15 يوليو 2021
د. وحيد عبدالمجيد


كانت أفغانستان الساحة الأولى لتجريب مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذى بلوره مُنّتَظرو تيار المحافظين الجدد (أحد الاتجاهات التى وُلدت من رحم الليبرالية الجديدة). أتاحت هجمات سبتمبر 2001 فرصة لهذا التيار، الذى تغلغل فى المؤسسات الأمريكية عقب تولى بوش الابن الرئاسة فى يناير 2001، للتحرك باتجاه تنفيذ هذا المشروع تحت شعار الحرب على الإرهاب.



وكان سهلاً تبرير احتلال أفغانستان، سواء للشعب الأمريكى أو لمعظم بلدان العالم، عبر إعلان الحرب على قيادة تنظيم القاعدة فى أفغانستان، وحكومة طالبان التى آوتهم ومكنتهم من العمل بحرية.



والمفترض، إذا سلمنا بأن مواجهة الإرهاب كانت الهدف الوحيد لحرب أفغانستان، أن يعود الغزاة بعد أن يتم كسر شوكة تنظيم القاعدة والقضاء على حكم طالبان، أى خلال عام أو اثنين، وأن يُعهد إلى الأمم المتحدة مثلاً بالإشراف على إجراء انتخابات عامة يُقرِّر الشعب الأفغانى مصيره من خلالها. لكن المحافظين الجدد فى واشنطن وجدوها فرصة لتجريب مشروعهم، فمضوا نحو تفكيك ما كان قد بقى من مؤسسات فى أفغانستان لإعادة تركيب الدولة وفق تصورهم.



وظنوا أن إقامة نظام سياسى خاضع لسيطرتهم تكفى لتحقيق ما سموها أفغانستان الجديدة فى سعيهم إلى إيجاد نموذج جديد للتبعية. لكنهم اصطدموا بواقع مجتمع تقليدى مُعقد، ولم يحسبوا حساب قدرة طالبان على إعادة تنظيم صفوفها وخوض حرب استنزاف طويلة تراكمت خسائر الولايات المتحدة خلالها، وصولاً إلى قرار الانسحاب وترك أفغانستان فى حالة حرب أهلية.



ولهذا ربما يجوز القول إن احتلال أفغانستان كان الوجه الأول للجريمة الأمريكية فيها، بعد أن صار الانسحاب بقرار أُحادى وتركها تعانى النتائج المُرة لهذا الاحتلال وجهها الثاني. وليس هناك أكثر من تمدد طالبان المستمر, والخوف المنتشر فى المناطق التى لم تسيطر عليها بعد, دليلاً على هذا الوجه الثاني.



ليس مقبولاً بأى حال أن تبقى قوات احتلال فى أى بلد0 لكن مادام الاحتلال حدث، فالمسئولية تقضى بأن ينسحب المحتلون بطريقة لا تؤدى إلى تصاعد الحرب الأهلية. أما أن يُقرر الأمريكيون الانسحاب فجأة، وبلا تنسيق كامل مع أتباعهم، فهذا هو الوجه الآخر للجريمة المزدوجة.