عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
جائزة عفيفى.. تقدير المؤرخ والتاريخ!
6 يونيو 2021
د. خلف الميرى
محمد عفيفى


تساؤلات كثيرة فى الإطارين العام والخاص جالت بخاطرى، وأنا أتابع إعلان جوائز الدولة، فبالنسبة للإطار العام أكون سعيدا دائما بهذا العُرس السنوى الذى يجتمع فيه أعضاء المجلس الأعلى للثقافة مع وزيرة الثقافة وأمين عام المجلس الأعلى للثقافة؛ لاختيار الفائزين فى مختلف مجالات الآداب والعلوم والفنون؛ فى تصويت علنى يتسم بالشفافية. ومع ملاحظة أن الفائزين ينالونها بمختلف أوجه الاستحقاق؛ فإن بعض من يستحقونها قد تُحجب عنهم نتيجة للنُظم.



أما على الصعيد الخاص، فقد سعدت بحكم التخصص فى التاريخ بفوز المؤرخ أ.د.محمد عفيفى بجائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية، وهو فوز مستحق بجدارة، فلا يُمكن إنكار دوره الأكاديمى فى جامعة القاهرة وغزارة وتنوع إنتاجه، والإشراف على الرسائل والبحوث العلمية، بالإضافة إلى دوره الفاعل فى الحياة الثقافية، وتواجده الفكرى النشط فى الإعلام، وتفرده فى التقاط الأفكار وبلورة صياغتها بأقل التعبيرات الموجزة، فيما يمكن القول إنه "ما قلّ ودلّ". والمسألة الشخصية أو الخصوصية هنا، أراها مُنطلقا مُهما لضرورة مناقشة الدلالة فى فوز مؤرخ بالتقديرية، وبطبيعة الحال يطول ذكر القائمة على صعيد فوز أساتذتنا الرواد بجوائز الدولة، بل إن أستاذنا الدكتور يونان لبيب رزق كان أول مؤرخ يفوز بجائزة النيل؛ ولكن الجديد فى حالة عفيفى أنه ينتمى إلى جيلنا - فيما يُمكن أن نُطلق عليه مجازا "جيل الأساتذة الشبان" - باعتباره الجيل التالى لجيل أساتذتنا الرواد، وإذا كان قد فاز من جيلنا هذا بجائزة التفوق فى آخر نسختيها د.إلهام ذهنى ود.جمال شقرة، فإن هذه هى المرة الأولى التى يفوز فيها أحد أبناء هذا الجيل بالتقديرية؛ وقد جاء فوزه مؤكدا حسن ترشيحه لها من الجمعية المصرية للدراسات التاريخية؛ وهى من أعرق الجمعيات العلمية فى العالم العربى. وفى تقديرى هنا أن الفوز كان لشخصه وعطائه وعلمه وعمله، فهو حالة من الإنصاف للمؤرخ الأكاديمى المحترف، فى مواجهة هذا السيل المنهمر فى الهواة الذين يلقبون أنفسهم بالمؤرخين، وفى سائر المجالات، وهم أساسا غير مؤهلين منهجيا للبحث فى التاريخ والكتابة التاريخية؛ وقد لا يفقهون شروط البحث العلمى أو كيفية امتلاك أدواته؛ ولا كيفية التعامل مع الوثائق أو حتى قراءتها واستنطاق جنباتها وتفسير مكنونها، ناهيك عن القضية الكبرى المتمثلة فى أن بعضهم يحكمه الهوى أو خلفية من انتماءات أيديولوجية، وما إلى ذلك. لكن تبقى القضية الكبرى، وهى تقدير التاريخ والاهتمام به، باعتباره المجال الأكثر اتساعا من المؤرخين؛ وباعتباره هدفا قوميا لابد من التعامل معه تعميقا للوعى والفهم والاستنارة، لا أن يتحول مَطية لكل من هب ودب من غير المتخصصين، وقد شهدنا فى قضايانا القومية أهمية تواجد المؤرخين، وعلى سبيل المثال قضية طابا وغيرها، وما أحوجنا لهذا الفهم فى إطار الدور القومي؛ وخاصة فى خضم ما نشهده من عوامل اختراق ثقافى عابر للحدود عبر وسائل التواصل الاجتماعى العابرة للقارات والقواعد والقّيم الوطنية والأخلاقية.



إن غيبة الوعى قد تؤدى إلى التردى والانغماس فى حالات الجهل والجهالة الوطنية والأفكار الظلامية؛ وهذا يدفعنى إلى التساؤل: لماذا لا يُصبح التاريخ المصرى مقررا قوميا إجباريا فى مختلف المراحل التعليمية؛ والمستويات الجامعية، ليس بمنطق التربية القومية، وإنما بمنطق التناول والتقويم العلمى الصحيح لتاريخنا، وينبغى الحفاظ فى الحد الأدنى على توفير المعرفة بتاريخ هذا الوطن؛ فإن هذه المعرفة تزيد المرء رسوخا بوطنيته وانتمائه، وما أحوجنا وأجيال النشء والشباب لذلك، خاصة أن مصر الحضارة تسعى لها العقول والأفئدة من الدول الأجنبية بحثا فى جنبات تراثها وحضارتها؟.



وعودة إلى ضرورة التناول العلمى الصحيح للتاريخ، وأهمية الوعى به، فلمَ لا يكون التقدير للمرجعيات العلمية فى المراجعات التاريخية للأعمال الدرامية بدلا من العشوائيات والتشويهات التى نفاجأ بها وعدم دقتها مما يؤثر سلبيا فى ذاكرة الأجيال؟ وعلى سبيل المثال، ما تقدمه الدراما من أعمال تاريخية أيا كان مجالها، لماذا لا يتم تقنين ذلك بالرجوع والمراجعة من خلال المتخصصين فى الجمعية المصرية للدراسات التاريخية؟. على أية حال، إذا كنا سعدنا بهذا الفوز والتقدير لأحد المؤرخين، فإن السعادة الأوفر تكون فى الاهتمام بالتاريخ باعتباره العلم الذى يعمل به المؤرخون؛ والمجال الذى يشكل ذاكرة الأمة ومختلف الأجيال؛ وصدق من قال: «من وعى التاريخ فى صدره؛ أضاف أعمارا إلى عمره».