عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الاختيار ٢ والدرس الموجع
16 مايو 2021
نبيـل عمــر


بقدر ما انكسرت قلوبنا من مشاهد الدم البرىء المراق دفاعا عن مصر والمصريين فى مسلسل الاختيار ٢ وكلها مشاهد واقعية لم يلعب فيها الخيال أى دور، بقدر ما نهشت عقولنا تساؤلات لها أظافر وأنياب: ما الذى أوصلنا إلى هذه الحالة؟



من حقنا فعلا أن نتساءل ونصرخ ونراجع ملفاتنا ورقة ورقة ولا نهدأ قبل أن نعثر على إجابة مانعة جامعة، وهذا حق هؤلاء الشهداء قبل أن يكون حق المجتمع كله، لأن جماعة الإخوان لم تكن نبتا شيطانيا هبط علينا فجأة من الفضاء، أو جماعة نجهل تاريخها وأهدافها وجرائمها منذ نشأتها فى عام ١٩٢٨، فكيف تركناها تتوسع وتتوحش وتتسلل إلى خلايا حياتنا إلى هذه الدرجة التى باتت فيه خطرا على تماسك مجتمعنا واستقراره؟



والتساؤلات لنا جميعا: مواطنين وحكومة، أفرادا ومؤسسات.هل يعقل أن تأخذنا المواءمات السياسية إلى حافة الهاوية لأكثر من سبعين سنة؟، ألم تتكشف لنا أغراض الجماعة وأساليبها منذ نهاية الأربعينيات وأوائل الخمسينيات؟، ألم نقرأ رسائل حسن البنا لجماعته وهى كاشفة ولا تتحمل تأويلا فيما تريد وتعمل على تنفيذه وهو أستاذية العالم، صحيح هو شعار ماسونى الأصل، ويبدو أقرب إلى التخريفات والأوهام، لكن ما أكثر التخريفات التى دمرت واشعلت الحرائق وأسالت الدماء انهارا عبر تاريخ البشرية منذ سفك قابيل دم أخيه هابيل لسبب واهٍ، واستسهل أن يقتله بدلا من أن يصلح من نفسه ويرتقى بتصرفاته مثل أخيه ليقبل الله قربانه، كما لو أن الدم أيسر من عمل الخير. المدهش أن الجماعات الدينية  فى كل الأديان على امتداد الزمان مضت على درب قابيل، القتل عندها أسهل من العمل الصالح، والعنف أسرع من الجدل بالتى هى أحسن، إذ يتصورون أن التغيير باليد والإرغام والقتل تمهد الدروب إلى صناعة التقوى الشاملة بين الناس، صنع ذلك كهنة ديانات قديمة وتنظيمات متشددة يهودية ومسيحية وهندوسية وغيرها، ولو راجعنا تاريخ المسلمين فى الأربعة عشر قرنا الأخيرة من أول الخوارج والقرامطة إلى الإخوان وبوكو حرام لن تختلف الأفكار،  وكلها تستخدم نفس العبارات والتبريرات والحض على كراهية الآخر بالرغم من اختلاف الأديان. باختصار قال لنا مسلسل الاختيار إننا نتعامل مع عقول مغلقة على أفكارها سواء كانت تمارس عنفا ماديا أو عنفا معنويا.. ونعود للسؤال: كيف سمحنا لهم بالتسلل تحت جلودنا؟بالطبع وجود الجماعات المتشددة فى المجتمعات مثل الجراثيم الضارة، لا نستطيع التخلص منها، فالإنسان هو أعقد ألغاز الكون، وأحيانا تتشابك علاقته بالدين إلى الدرجة التى يخلط فيها بين الخير بالشر ، وما أكثر الجرائم والمذابح التى ارتكبت باسم السماء..فماذا نفعل؟هذا طريق طويل وصعب ويستلزم رؤية مجتمعية ومنهجا ووقتا طويلا، لكن علينا بسرعة أن نحاصر هذه الجراثيم، ونحصن أجهزة المناعة فى المجتمع من الإصابة بها. وتتشكل أجهزة المناعة فى المجتمع من مؤسسات فى غاية الأهمية، القضاء، القوات المسلحة، الشرطة، التعليم، ثم الخدمات العامة..ويبدو أن جماعة الإخوان عملت على اختراق هذه المؤسسات مبكرا وبدأت بالقضاء، ولا ننس أن المستشار حسن الهضيبى بمحكمة النقض كان المرشد الثانى للجماعة فى عام ١٩٤٩، أى بعد ١٩ سنة فقط من تأسيس حسن البنا لها مع ستة  آخرين منهم سباك ونجار ومكوجى وعجلاتي. ويمكن أن نتفهم فى ذلك الزمان البعيد أن يتسلل بعض أعضاء الجماعة إلى مؤسسات المناعة فى المجتمع، فالجهل سائد ومؤسسات المناعة لم تكن قد تعرفت بعد على طبيعة هذه الجراثيم، لتصنع ضدها أجساما مضادة، لكن قطعا لن نسامح من تصور أن هذه الجراثيم يمكن أن تكون مفيدة أحيانا، وسمح بتكاثرها فى السبعينيات وإنتاج انقسامات منها، ثم بتوحشها فى الثمانينيات والتسعينيات وبداية الألفية، فهؤلاء أيضا شركاء فى سفك الدم البرىء الذى سال دفاعا عنا من أول حربنا ضد جماعات الإرهاب المسلح فى نفس الفترة، إلى آخر عملية وهى تفجير معهد الأورام فى عام ٢٠١٩. وإذا كان الفنان المبدع الراحل وحيد حامد قد فسر لنا ببساطة ومقدرة كيف وقعنا فى فخ الجماعة وسلمناها رقابنا ما يقرب من عامين، من منتصف ٢٠١١ إلى منتصف ٢٠١٣، فى مسلسله الرائع الجماعة ١و٢،  فإنه فضح أيضا جوهر الصراع، وانه لم يكن أبدا بين الجماعة وثورة يوليو، وإنما بين الجماعة والدولة المصرية، وحين دافعت ثورة يوليو عن الدولة حفاظا عليها، استحكم العداء ونقلت الجماعة عنفها من قضاة ومدنيين إلى جيش مصر وشرطتها باعتبارهما الحصن الذى تتكسر عليه أحلامها فى السيطرة.



أما الاختيار فقد أمسك بقلوبنا وعصرها وهو يعرض علينا الثمن الذى دفعناه، بعد أن تسللت الجماعة جزئيا إلى مؤسسات المناعة فى الدولة المصرية، سواء فى هشام عشماوى وعماد عبد الحميد ، أو محمد عويس وخيرت سامى ومحمد جمال وإسلام وئام وحنفى جمال ومحمد الباكوتشي، نهيك عن تنظيم قضاة من أجل مصر الذى فر بعضه إلى خارج البلاد وأحيل بعضه إلى المعاش. هذا هو الدرس الأهم من مسلسل الاختيار ١و٢، أن نحيط مؤسسات المناعة فى الدولة بأسلاك مكهربة لا يتسلل منها أعضاء الجماعة، أسلاك ذات فاعلية مانعة تماما، وعلينا أن ندرس كل حالة من هؤلاء الذين تسللوا إلى القوات المسلحة أو الشرطة أو القضاء أو التعليم أو وزارات الخدمات دراسة مستفيضة، قد تأخذ وقتا، قد تستنزف جهدا كبيرا، لكنها دراسة لاغنى عنها إذا أردنا ألا نقع فى الفخ مرة ثانية، فاكتشاف الثغرات وأساليب التخفى والطرق الملتوية، تتيح لنا وضع التشريعات والقوانين والإجراءات التى تحمى أجهزة المناعة من الاختراق. قد ترتفع أصوات مناهضة، وتتذرع بحقوق الإنسان والمساواة وعدم التعامل بالشبهات مع المواطنين، وهى دعوة باطلة متخفية فى أقنعة قانونية، لكن ماذا نفعل بالخلايا السرطانية فى الجسد، سوى البتر حتى لا تفتك. وأهم عمل علينا أن ننشغل به فى السنوات القادمة هو تطهير التعليم كله من هذه الجراثيم، فالتعليم من الحضانة إلى الجامعة كان المفرخة التى تكاثرت فيها الجماعة، فهل نستطيع؟