عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
سد «المناهدة»
15 مايو 2021
سـناء البيـسى


لم أجد تعبيرًا أفضل منه «سد المناهدة» رغم خروجه عن الفصحى.. وجدت فيه الأصلح والأفصح والأوضح والأوفى والأجدي والأكثر رصدًا لمشاعرنا تجاهه بعدما ضاق الصدر، ونفد معين الصبر، وأغلق باب الأخذ والرد على مدى عقد كامل من الزمان، والوصول بالأزمة إلى حافة الهاوية، إلى مفترق الطرق بأن أكون أو لا أكون، وغدا الأمر يدعو للعقاب المُلزم الذى يضع كل ذى حجم داخل إطار حجمه الطبيعى لترزع اليد الطولي أصداغ من تخول له نفسه أنه يستطيع تجييش مليون أثيوبى للحرب ضد مصر، أو أنه خارج دائرة الحساب الإنسانى والحق التاريخى والمشهد الجغرافي والعدل الإلهى، أو أن حيازته لنوبل السلام يستحقها بعدما اتضحت أسبابها التى لم تعد خافية على أحد وقد لطخت يداه بدماء أراقها فى إقليم تيجراى المنكوب، والفارق كبير بين الكبير الحقيقى والمدعى الذي ينطبق عليه المثل الشعبي «شيلوه من فوقي لموته».. لقد وضعنا تعنت العنترى المزيف الآبيه أحمد الذى يلوى الحقائق ويحوّل الأزمة إلى قضية كرامة وطنية إلى الخيار صفر الذى لا نتمناه لكننا لن نتردد فى اللجوء إليه كملاذ أخير.. لقد أوصلنا التحدى والاستهانة بمشاعر ملايين المصريين إلى قلب القصيدة:



الحرب في حق لديك شريعة ومن السموم الناقعات دواء



ألم يدرك المدعى مدى رعونته، وخواء صلفه، وزيف كبريائه، وتصلب شرايينه، وصورته المهتزة، وعدائه المستفز، ولعبه في الوقت الضائع، أمام مشهد ابن مصر واقفًا شامخًا راسخًا فى بوابة متحف الحضارة ليمر من بين يديه الموكب الذهبي المهيب لـ22 ملكًا وملكة عاشوا على ضفاف النيل الخالد ووضعوا قبل الميلاد بـ7000 سنة أول تقويم يربط بين فيضانه ومواسم الزراعة، وكانت وصيتهم إذا ما انخفض النهر فليهرع كل جنود الفرعون ولا يعودون إلا بعد تحرير النهر مما يقيّد جريانه.. موكب الجلال فى رحاب الحفيد.. رعاة الماضى فى كنف راعى أرض الكنانة.. أبناء النيل فى مسيرة الخالدين.. تاريخ الأفذاذ أمام عتبة جديدة لأفذاذ جُدد.. الأحقاب كلها مجتمعة. التأريخ يمجّد التاريخ والحاضر الذى سيدوّن بأحرف جديدة من نور.. صولجانات وتيجان وعروش ومواقع وانتصارات وحروب لما قبل التاريخ وما بعده بقرون عاشت على أرض النيل الملهم، نيل الحضارة والفلاحة والملاحة، نيل الأنبياء والمرسلين، نيل الجبابرة والفراعين، نيل الطوفان والفيضان.. العربات الذهبية تتهادى تباعًا أمام صانع نهضة مصر الحديثة، وكأن شاغل كل عربة بأمجاده الحربية المسجلة على آثار مصر يتمهل يستدير ليُلقى بتحية تعظيم وامتنان قادمة عبر العصور لابن مصر السيسى الحائز على جائزة ثقة المصريين بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، مسلمًا له الأمانة الخالدة، مفتاح النيل المقدس، قبل ذهابه لرقدته الأخيرة تحت مجهر العالم المنبهر.. من بين عظماء الموكب المتفرّد كانت عربة رمسيس الثانى أشهر محاربى مصر بطل معركة قادش 1247ق.م صاحب أول معاهدة سلام في التاريخ من بعد فوزه علي ملك الحيثيين المسجلة بالهيروغليفية على جدران الكرنك الذى تغتسل ظلال أعمدته الأسطورية فى موج النيل، وتعلو أصداء النغمات الفرعونية التى يعزفها الأحفاد بمهارة الأجداد خلفية لمرور تحتمس الثالث أبوالعسكرية المصرية القديمة صاحب معركة مجدو 1457 ق.م أعظم المعارك فى تاريخنا القديم، وتسير الهيبة في ركاب رمسيس السادس والتاسع وتحتمس الثانى والثالث وسيتى الثانى وأحمس وسبتاح ومرنبتاح وسفنن رع والملكات تى وميريت وحتشبسوت التى جعلت من النيل ممرًا ومعبرًا لتجارتها إلى أراضى جنوب النوبة «بلاد بنط» لتظهر النقوش الجدارية على معبد الدير البحرى مشاهد إحدى رحلات أسطولها التجارى عام 1470 إلى بلاد بنط «الحبشة»..






تاريخ من الروابط والأواصر عبر الوريد المقدس الذى أتى آبيه أحمد فى آخر الزمان النكِد يريد أن يبتره بسد المناهدة الذى ما أن تجرؤ أثيوبيا على ملئه للمرة الثانية في منتصف يوليو القادم لتخزين 13٫5 مليار مترمكعب أخرى ــ من بعد الـ4٫9 مليار الأولى التى أقدمت علي تخزينها عام 2020، حيث تعرضت للغرق مساحات شاسعة من أراضى السودان وقراه ومدنه بما فيها العاصمة الخرطوم ــ فسوف تغرق جميع أراضي السودان ومدنه وقراه مع مقتل 20 مليون سودانى غرقا إلى جانب انهيار سدوده وأولها سد الروصيرص الأقرب إلى الحدود الأثيوبية، هذا إلى جانب خراب خمسة ملايين فدان مصرى من إجمالى ما نملك وهو 8٫5 مليون فدان فقط لا غير، بينما تمتلك أثيوبيا أرضا زراعية ومروجًا خضراء تبلغ 86٫5 مليون فدان تروى بما يعادل 996 مليار متر مكعب تستأثر بها وحدها كدولة منبع دون شركائها مصر والسودان، منها 50 مليار مترمكعب هي مياه بحيرة «تانا» التى تصب فيها روافد عديدة والتى ينبع منها النيل الأزرق أى ما يقترب من حصة مصر التى تبلغ 55٫5 مليار مترمكعب، و10 مليارات مترمكعب من بحيرة سد «تاكيزى» الذى أقامته أثيوبيا على نهر تاكيزى أحد روافد نهر «عطبرة» الذى ينبع من مرتفعات اريتريا قبل اندفاعه إلى السودان، وهناك 936 مليار مترمكعب من مياه الأمطار التي تسقط أعلى الهضبة الأثيوبية لتنبت مساحات شاسعة من الخضرة تتغذي عليها مليون رأس ماشية، نصفها من الأبقار التى تستهلك 250 مليار مترمكعب مياه حتى يبلغ عمرها ثلاث سنوات، أما النصف الآخر فهو من الأغنام ومثيلاتها التي تستهلك نحو 36 مليار مترمكعب، باعتبار أن كل 7 منها تستهلك قدر استهلاك بقرة واحدة فيكون إجمالى ما تستنزفه الـ100 ألف رأس ماشية هو 286 مليار مترمكعب، أما بقية الكمية وهى 650 مليار فعليها تزرع أثيوبيا كل من البن العضوى والأغذية التى لا تستخدم فيها الأسمدة الكيماوية أو المبيدات لتصديرها إلى أوروبا وأمريكا واليابان والصين.. كل تلك المياه إلي جانب المياه الجوفية وتدور أثيوبيا تذرف دموع التماسيح علي الساحات الدولية مُدعية أن الماء ماؤها واستئثارها به عمل من أعمال السيادة، وهذا لا يكون إلا في الأنهار الداخلية التى لا يُشاركها في مائها أحد، ولا ينازعها فى السيادة عليها منازع، والنيل نهر دولى ليس كالأنهار الداخلية الـ11 التي تملكها أثيوبيا تشرب ماءها وحدها وتبسط سيادتها عليها وحدها، وتدعى أثيوبيا أنها ستولد الكهرباء من سدها لبيعها لإنقاذ شعبها من الفقر، لكن كـلا من السودان وتنزانيا سوف تستغنيان عن تلك الكهرباء بإجمالى 40٪ من قدرة توليد السد الأثيوبي حين يكتمل، خاصة أن المقاولون العرب قد أقاموا في تنزانيا سد جورج ستيجلر، وانتهت مصر من إنشاء خط الربط الكهربائى بين مصر والسودان عبر الحدود بينهما بطول 170 كيلومترا، منها 100 كيلومتر فى الداخل المصرى وعلى امتدادها في العمق السودانى 70 كيلومترا كانت وزارة الطاقة والتعدين السودانية قد أعلنت بدء الربط بين شبكتى الربط بين البلدين فى 4 ابريل 2020 بقدرة أولية 60 ميجاوات وصولا للمرحلة النهائية بقدرة 300 ميجاوات.. وكذلك سوف تقوم الشركات المصرية في العمل بسد «إنجا» بالكونغو الديمقراطية، حيث ستبلغ قدرة التوليد فيه 40 جيجاوات أى نحو سبعة أضعاف سد النهضة، فإلى من ستبيع أثيوبيا كهرباء سدها حتى فى داخلها حيث تحتاج إلي شبكة نقل كهرباء يستغرق إنشاؤها بضعة سنين بتكلفة تتجاوز تكلفة بناء السد ذاته مما يقطع ــ كما يقول المهندس حمدى سلامة المؤرخ التاريخى القدير الراصد لسد النهضة باليوم والساعة ــ بأن سد النهضة أهدافه سياسية بحتة!!



الآبيه مخلوق نفخوه وصعّدوه وعلى الكرسى وضعوه وخلعوا عليه أعلى الجوائز وحركوه من خلف الستار لتنفيذ مخطط المسار الباطل: افتح من هنا، وسد من هنا، وزوّغ من هنا وماطل من هنا واستأسد من هنا واخنع كما القط الوديع من هنا، والمهم كسب الوقت، فإذا ما شعرت بقوة الضغط الخارجى فى سكة المصالحة إعلن قبولك للاتفاق حول الملء الثانى لخزان السد وحاذر من النطق أو التطرق للقضايا الأخرى، لأن كـلا من مصر والسودان متمسك باتفاق قانونى مُلزم وشامل ينظّم قواعد تشغيل وملء السد بما يمكنها من تجاوز الأضرار المتوقعة خاصة في أوقات الجفاف.. و..لا يخفي علي أحد من أن الحديث لأثيوبيا الآن حول التوصل لمثل هذا الاتفاق المبتور ما هو سوى محاولة لكسب المزيد من الوقت وأخذ الجميع في سكة أخرى وهى الملء الكلي أم الجزئى وهو موضوع لم يكن موضع خلاف كبير بين الدول الثلاث مصر والسودان وأثيوبيا، وهى محاولة منها أن تقول للعالم إنها تقدم طرحًا جديدًا للأزمة، كى تتهرب من الاتفاق القانونى الشامل والعادل والمُلزم الذى تتمسك به مصر مُدركة أن أثيوبيا ليس لديها حُسن نية للتوصل لأى اتفاق.. وبمضي المدة وارتفاع معدلات النفخ بالاستثمارات والجوائز والتلقين المستدام تضمر مشاعر الإنسانية داخل كيان بطل المناهدة والمماطلة والتسويف والأنانية المتوحشة التي لا يرى من خلالها سوى ضمان بقائه على كرسى الوزارة في الانتخابات القادمة رغم دولته الممزقة بالاضطرابات والإضرابات وليذهب الآخرون إلى الجحيم غرقًآ وجدبًا وجفافًا وعطشًا.. دول بأكملها تغور بسكانها.. ملايين الخلق في ستين داهية.. نساء وأطفال ومدن وبيوت وأشجار وقطعان وأسراب وأسماك ورضيع يصرخ فوق ثدى أعجف وضروع جف لبنها.. لا شيء مهم. المهم فقط كرسى الآبيه!!!.. الكرسى الذى يتحدى صحة ودقة تصميم السد وسلامة البناء والتشييد والغش في كميات ونوعية البناء.. سد المناهدة الذى لا يعرف له دراسات إنشائية ولا معامل أمان فضلا عن بنائه فوق الأخدود الإفريقى المعروف الذى سيتسع تحت ضغط كتلة مياه تقدر بـ74 مليار مترمكعب حين يكتمل بنائه فتنشطر الهضبة الأثيوبية أجزاءً تنزاح فى اتجاه البحر الأحمر لتغدو مجرد جزر منفصلة إحداها جزيرة صغيرة جدباء يجلس وسطها الآبيه فوق كرسى الوزارة!! ولقد أدرك هذا مبكرًا «ديسالين» رئيس الوزراء الأسبق فقفز مبكرًا من قطار المسئولية وكان قد سبقه «سيمانجو بيكلي» مدير مشروع السد، الذى انتحر فى يونيو 2018 حاملا معه إلي العالم الآخر أسرار السد وخفاياه، ولم تعرف للآن الحقيقة فيما إذا ما كان قد شعر بتأنيب الضمير أم أن حيتان المقاولات وراء الحادث الذي غاب فيه سيمانجو وأعمال البناء لم يكتمل منها سوى 65٪ فقط!!



ونسمع الآن كـلامًا عن إقليم «بنى شنقول» عند ذِكر السد الأثيوبي لنجد مساحته 250 ألف كيلومتر واقعا شرق السودان وغرب الهضبة الأثيوبية وعدد سكانه يقارب الـ4 ملايين نسمة يدين 90٪ منهم بالإسلام، وكانت انجلترا قد أجرته لأثيوبيا لمدة 25 عامًا في 1898 ثم ملّكته لها مقابل ضمان انسياب النيل إلى مصر والسودان بموجب اتفاقية 1902 التى وقعها إمبراطور الحبشة منليك الثاني مع انجلترا فى زمان الخديو عباس حلمى الثانى، وبالأمس القريب لمّح السودان إلي أنه فى سبيله إلى إعادة النظر في سيادة أثيوبيا على إقليم بنى شنقول الذى يُقام عليه السد حال استمرت أثيوبيا فى نهج التنصل من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمياه النيل والحدود بين البلدين، حيث كان الإقليم تابعًا للسودان منذ عهد الدولة المهدية في القرن التاسع عشر وحتى سقوطها عام 1898 عندما قامت قوات أثيوبية باحتلاله مع مناطق سودانية أخرى «فازوغلى والروصيرص» إلي أن توصل الانجليز مع منليك إلى معاهدة أديس أبابا 1902 التى احتفظت أثيوبيا بموجبها ببنى شنقول، والآن إذا ما كانت أثيوبيا تعلن عدم التزام بلادها بأى اتفاقيات استعمارية في إشارة إلى اتفاقيتى الحدود 1902 ومياه النيل عام 1959 فمن باب أولى أن تُعيد إقليم بنى شنقول للسودان بالسد المقام عليه، ويؤكد يوسف ناصر حامد ابن شنقول سفير أثيوبيا السابق فى اليمن أن الإقليم حصل على حكم ذاتى في تسعينيات القرن الماضي بعد إسقاط الإمبراطور «منجستو هيلامريام» لتتشكل حكومة انتقالية إلا أن حركة «التيجراى» الأثيوبية الحاكمة احتلت الإقليم من جديد ليقوم ناصر بعدها بالاستقالة من العمل الدبلوماسى مفضلا اللجوء للكفاح المسلح ضد الحكومة التي تعامل أبناء الإقليم كمواطنين من الدرجة الثانية، ويعنى اسم «بنى شنقول» في اللغة الدنقلاوية النهرية القديمة «بلاد الذهب»، حيث تم استخراج 73 طنا منه أثناء حفر السد الذى رفضه أبناء الإقليم لإقامته رغمًا عنهم فهو يلتهم مسافة 40 كيلومترا من مساحته وفى حال استكمال السد سيطرد سكان الإقليم المتطلع للاستقلال المناضل بالسلاح ضد الاحتلال الأثيوبي.



أثيوبيا آبيه أحمد لا تعتدى على نهر النيل المقدس فقط، لكن مساحة تعديها امتدت بشراسة حتى بلوغها القدس الشريف ليرفع الرهبان الأثيوبيون علمهم على دير السلطان المملوك للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية المقام على الأراضى المقدسة وسط تواطؤ وانحياز كامل من شرطة الاحتلال، لتتداول مواقع التواصل الاجتماعى مشاهد الترويع والتعدى التى لا مثيل لها علي الرهبان المصريين المسالمين.. والصبر له آخر وصبر مصر الآن نوع من نزع الحجج والذرائع والأقنعة عن صاحب الحسابات الخاطئة لو أصرّ على السير عكس الاتجاه الصحيح.. وإذا ما كان إبراهيم قد قال لربه كى يطمئن قلبى فنحن البشر العاديين من حقنا القلق.. من عذرنا التوجس، وإذا ما كان من شيمتنا الصبر لكن إلى حين ينضب معين الصبر.. وعلى ماذا نتوجس ونخاف ونقلق ونعيش علي أطراف الأصابع، ونحسب حساب الغد القريب الباقي عليه أيام معدودات، ونوازّن ونُقارّن ونصنّف ونفرِّق ما بين الحبيب والغريب والعدو والشقيق، إن لم يكن كل هذا تجاه النيل مصدر الوجود الذى لا يثبّت أقدامنا علي شاطئيه سوى عبارات واضحة قالها ويقولها من أوليناه كامل ثقتنا: «مضيعتكمش قبل كده عشان نضيعكم في سد النهضة» و«الأفضل لنا أن نموت هناك من أن نموت هنا عطشا، الموت حربا أهون من الموت عطشا» و«لن يتم تشغيل سد النهضة بغرض فرض الأمر الواقع وسنحافظ علي حصة مصر كاملة» ومن فوق منبر الأمم المتحدة قال السيسى «إن قضية المياه قضية حياة ووجود لمصر ولا يمكن فرض الأمر الواقع» و«المساس بحصة مصر من مياه النيل خط أحمر ومن يرد أن يجرب فليجرب وهذا ليس تهديدًا وإنما تأكيد على حقنا في المياه» و«المساس بحصة مصر سيؤثر على استقرار المنطقة بالكامل وماحدش يتصور أنه بعيد عن قدراتنا» ويصرح الرئيس بالأمس فقط مجددًا تحذيراته من أن مصر لن تتسامح مع أى تحركات من جانب أديس أبابا من شأنها خفض حصة مصر من مياه النيل بسبب السد، وذلك تكملة لقوله قبل أيام «إن بلاده لن تقبل بما يضر بمصالحها المائية».. تحذير قوى ورسالة واضحة لحكومة أديس أبابا وقول حاد لكل دول المنطقة التى تشاهد التعنت الأثيوبي والصلف غير المبرر وتقف موقف المتفرج على من قال يومًا إنه الجاهز للحماية والدفاع (دى فركة كعب)».... تتوالي تهديدات السودان بنبرة أكثر قوة وصرامة، وتصدر سلطنة عمان والسعودية والبحرين واليمن والأردن بيانات تُدعِّم حقوق مصر والسودان المائية وتتضامن مع وجهة النظر المصرية، ويأتى ولي عهد أبوظبى محمد بن زايد ليلتقي بالرئيس السيسى في رمضان ويسيران متشابكى أذرع الود والتفاهم ويغادر بن زايد البلاد ليُحيى الرئيس بالتحية العسكرية من فوق سلم الطائرة.. ويصل الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسكيدى رئيس الدورة الافريقية الحالية للاتحاد الأفريقي والمبعوث الأمريكى جيفرى فيلتمان.. الرسالة وصلت.. للعالم أجمع.. بأن كل الخيارات والطرق الدبلوماسية قد استنفدت، ومصر لا تحتاج فى خياراتها إلي دعم من أحد ولا مساندة من دولة، وإنما لا تريد الآن سوى حسن التقدير من جانب قوي عظمى مؤثرة، ثم إن سوء التقدير لن يحفظ للآبيه أحمد سدًا ولن يصون شعبًا ولن يحمى دولة ولن يبيع ماء ولا كهرباء، لكنه سيبيع ماء وجهه دون مقابل!



النيل يا آبيه أحمد حسن السير والسلوك، فبدايته في قلب افريقيا ونهايته عـلى سـاحل المتوسـط تقعان عـلى نفـس خـط الطـول 31 شرقًا وهو انتظام والتزام لم يتيسر لأى نهر غيره، وليس فى الدنيا مثله نهر يزيد ويجرى في شدة الحر صيفا حين تنقص جميع أنهار الدنيا، وكلما ازداد الحر كان الفيض غزيرًا.. نيل يخرق القاعدة من البداية، ليس مرة واحدة بل مرتين، وذلك لصالح مصر، فالنيل أحدث أنهار افريقيا جيولوجيًا نهر مخالف في اتجاهه لكل أنهار القارة، فهو يتجه في انحدار من الجنوب إلى الشمال بينما هى في معظمها عرضية اتجاهها من الشرق إلى الغرب أو العكس.. ليس هذا فقط وإنما أيضًا نهر مُعاكس في اتجاهه لمعظم أنهار الدنيا فهو ينبع من الجنوب ويصب فى الشمال فى حين معظمها يجرى بالعكس، والأهم أنه ما من نهر آخر يجرى نصف طوله في أراض صحراوية دون أن يلتقي ماء من أى رادف طوال مشوار 451 كيلومترا من منبعه في بحيرة «تانا» حتى البحر المتوسط، وطوال الرحلة قد يعرج شرقًا أو غربًا لكنه دائمًا وفى النهاية يحافظ على اتجاهه المحورى وتحفظ له بوصلته الخفية وجهته الأساسية فيعود إليها باستمرار.. وإذا لم يرد حديث أديب الجغرافيين وجغرافى الأدباء جمال حمدان فى سفره الخالد «شخصية مصر» حول النيل يكون الحديث مبتورًا فمن سطوره فيه: «إن الحقيقة الأولى فى الوجود المصرى هى أن مصر هى النيل، فبدونه لا كيان لها، ليس فقط من حيث مائه وإنما أيضًا من حيث تربته.. إن النيل لا جدال هو «أبومصر» منه استمدت جسمها ودمها، أى طميها وماءها، كما أن النيل بدوره هو مصر فحوض النيل كله يستقطب حضاريًا فى مصر، حيث لا نجد مركز الثقل في الحوض انحدارًا أو ماء فحسب، وإنما أيضًا اقتصادًا وسكانًا، حضارة وتاريخًا»..



نيل كانت حياتنا اليومية في التاريخ الإسلامى متعلقة به، تهابه وتهواه في وقت واحد.. اعتزت بشاطئه فأبت أن يحجبه بناء أو يستأثر به، ولم تكتف بذلك فصيغت له قوانين لها صبغة دينية ليحذّر العلماء الناس من السكنى على شاطئه مباشرة، وقيل في المدخل لابن الحاج: «إن الجالس علي النيل كالجالس على الطريق لأن البحر طريق للمرور فيه بالمراكب، وذلك منعًا لكشف عورات المسلمين وللبُعد عن سماع كـلام النوتية الخارج، ومن الملامح الفقهية حول حجب النيل بالمباني في رسالة الإمام السيوطى وعنوانها «الجهر في منع البروز علي شاطئ النهر» وسبب وضع الرسالة أن أحد أصحاب البيوت الأثرياء في جزيرة الروضة قد برز ببناء بيته على شاطئ النيل، فأصدر السيوطى فتواه ببطلان ذلك مستندًا إلي آراء الأئمة الأربعة وعزز كـلامه بقول الشافعى: «شطوط الأنهار لا تملّك، ولا يجوز إحياؤها ولا البناء عليها.. لقد عمت البلوى ولو فتح هذا الباب لأدى إلى أن بعض الناس يشترى أنهار البلاد كلها، ويمنع بقية الخلق عنها.. وليس للسلطان تصرف فيها بل هو وغيره فيها سواء، وعن ابن عباس قول الرسول صلي اللـه عليه وسلم: «لعن اللـه من غيّر تخوم الأرض» ولم يقف الأمر بالسيوطى عند إصدار فتواه بل لقد نظّم الفتوى فى قصيدة أسماها «النهر لمن برز على شاطئ النهر» جاء فى بعض أبياتها:



لقد عمت البلوى بأمر محرم وظن مباحا ذاك كل امرئ غر



وما قال هذاالشافعى وصحبه ولا أحد من قبل أو بعده يدرى



فمن رام مع هذا الوعيد بروزه فوالعصر إن المعتدين لفي خُسر



نيل ظهرت فيه جزيرة فى القرن الحادى عشر الميلادي لتصبح فيما بعد أرض شبرا، كذلك بينما كانت جزيرة «الروضة» موجودة كما هي قبل العصر العربى ظهرت فى القرن الـ14 الميلادى جزيرتان إلى الشمال هما جزيرة «حليمة» التى هى «الزمالك» اليوم ثم جزيرة «أروى» التى تلتحم بالضفة الغربية لتصبح اليوم منطقة الدقى..



وأبدًا ومحال أن تكون لدى الحبشى سىء التقدير تلك المشاعر المرهفة للنيل التى سرت فى وجدان شعراء مصر بالعامية والفصحى لتغدو أشعارهم فيه تراثا خالدا خلود النيل: «يا نعمة من الخلاق يا ميتك ترياق يا تبر سايل بين شطين يا حلو يا اسمر، وأنا واللى أحبه نشبهك في وفاك مالت ورقت قلوبنا لمّا رق هواك وصفونا في المحبة هوهو صفاك والناى علي الشط غنى والقدود بتميل علي هبوب الهواء لما يمر عليك يا نيل، من السماء نزلت أم جئت من عليا الجنان جداولا تترقرق وبأى نول أنت ناسج بردة للضفتين جديدها لا يخلق، واللى يدوق طعمك مرة من المستحيل أبدا ينساه، يا واهب الخُلد للزمان يا ساقى الحب والأغانى هات اسقنى ودعنى أهيّم كالطير فى الجنان يا ليتنى موجة فأحكى إلى لياليك ماشجانى، وأنا وحبيبى يا نيل نلنا أمانينا مطرح ما يسرى الهواء ترسى مراسينا، وأنا وحبيبى يا نيل غايبين عن الوجدان يطلع علينا القمر ويغيب كأنه ما كان، وهات زدنى من الحديث عن النيل سيد الأنهار ودعنى من دجلة والفرات كل المناهل بعد النيل قطرات، فى صفحتك يا جميل شمس الأصيل ذهبت قوس النخيل تحفة ومتصوّرة، وكم من ملوك على الشطين قد نزلوا كانوا فراعين أو كانوا سلاطينا فنونهم كن كالأيام معجزة وحكمهم كان للدنيا قوانينا، والدنيا من بعدك مُرّة يا ساقي وادينا الحياة، ووقفت أنادى الفلايكى تعالى من فضلك خدنا جت الفالوكة والملاّح ونزلنا وركبنا حمامة بيضاء بفرد جناح تودينا وتجيبنا ودارت الألحان والراح وسمعنا وشربنا، بين الصخور بتمر حاكم بأمرك وحْر النخل لك يطرح والطير معاك يسرح ويردد الألحان والورد علي غصنه بيزيد جمال حسنه والقطن بينوّر سبحانه من صوّر والساقية لمّا تدور تنده بنات الحور عشان يغنوا لك ويعملوا لك عيد يا نيلنا لمّا تزيد، أصل الحضارة في صعيدك ثابت وبناتها حسن عليك محلق وُلِدت فكنت المهد ثم ترعرعت فأظلّها منك الحفى المشفق ملأت ديارك حكمة مأثورها فى الصخر والبردي الكريم منمق، وواجف ع الشط باصطاد بط وأنا عايم صادنى غزال خدوده حُمر ونعايم وكيف أطوله وأنا بينى وبينه بعيد جلبى غرق فى هواه يابا وأنا عايم، زفّت إلى ملك الملوك يحثها دين ويدفعها هوى وتشوق مجلوة فى الفلك يحدو فلكها بالشاطئين مغرد ومصفق في مهرجان هزّت الدنيا به أعطافها واختال فيه المشرق، تابوت موسى وجمال يوسف ودمع إخوته رسائل توبة مسطورة بشاطئيك منمق وصلاة مريم فوق زرعك لم يزل يزكو لذكراها النبات ويسمق وخطى المسيح عليك روحًا طاهرًا بركات ربك والنعيم الغيدق (الكثير) وودائع الفاروق عندك دينه ولواؤه وبيانه والمنطق، ومن أى عهد فى القري تتدفق وبأى كف في المدائن تغدق تسقى وتطعم لا إناؤك ضائق بالواردين ولا خوانك يُنفق، والنيل أمر قال الشجر حاضر لو مافيش خاطر عشان النيل تعمل لمين خاطر؟!، ويا ضفاف النيل هل رأيتن على الشط فتى غض الإهاب أسمر الجبهة كالخمرة فى النور المذاب إن يكن مرّ وحيّا من بعيد أو قريب فصفيه لى وأعيدى وصفه فهو حبيبى، حليوة أسمر عجب للونه دهب ومرمر أرغوله في إيده يسبح لسيده حياة بلادنا يارب زيده وأنا بنت النيل أخت الهرم قد صحبت الدهر منذ القدم منهلى عذب وأرضي جنة.



النيل الملهم الذى علَّمَ القدماء بطوفانه وفيضانه ما لم يكونوا يعلمون. العملاق الذى اختصه رب العرش العظيم بالذكر والثناء فى مُحكم التنزيل بالكتابة والتلميح وليس بالاسم الصريح «النيل» ليحظى بشرف الذكر في الآيات البينّات في مواضع عدّة، فلم يرد نهر في سياق الفخر غيره، ولم يطلق على نهر اسم «البحر» غيره، ولم يطلق على نهر لفظة الجمع «الأنهار» غيره، وهو فى القرآن اليم، وهو البحر، وهو الأنهار... فعندما ازدهى الفخر بفرعون موسى لما كانت في مصر قناطر وجسور والماء يجرى تحت أفنيتها ومنازلها قال كما جاء فى القرآن الكريم: «يا قوم أليس لك ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تُبصرون» وذكر المولى لفظة «بحر» فى ثلاثة وثلاثين موضعًا منها ثلاثة قصد بها النيل وهى فى قوله تعالى: «نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربًا» و«اتخذ سبيله عجبا» و«أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر» وهناك موضع أطلق فيه علي النيل اسم البحر كما يقول بعض المفسرين في قوله تعالى «وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حُقبا» وأطلق على النيل لفظة «اليم» في الآية «إذ أوحينا إلي أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فيلقفه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له» (من سورة طه).. وفى الآية «وأوحينا إلي أم موسى أن أرضعيه فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليم ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين» وكان النيل وراء قصة موسى في سورة طه في الآية «قال موعدكم يوم الزينة وأن يُحشر الناس ضُحى» وقد ذهب أكثر من مفسر منهم المقريزى والنواوى إلي أن يوم الزينة هو يوم «وفاء النيل» ويورد الإمام جلال الدين السيوطى أن كثيرًا من المفسرين ومنهم ابن عباس قد ذهبوا إلى أنها مصر المقصود بها القول فى الآية الكريمة من سورة «المؤمنون»: «وجعلنا ابن مريم وأمه آية وأويناهما إلي ربوة»، وذلك لأن الربا لا توجد إلا بمصر، والماء حين يفيض تكون الربا وعليها القرى ولولا الربا لغرقت القرى.. وجاء في الحديث القدسى: «نيل مصر خير أنهارى فى الجنة أسكن عليه خيرتى من عبادى فمن أرادهم بسوء كبّه اللـه على وجهه». ويوجّه عمر بن الخطاب رسالة مباشرة منه إلى النيل عندما يرسل له عمرو بن العاص يستشيره في أمر العذراء التي يلقيها أهل مصر كل عام في النيل ومن أنه قد منع هذا التقليد بقوله: «إن الإسلام يهدم ما كان قبله» فيكتب إليه عمر: «لقد أصبت وإني لأرسل كتابا منى موجها إلي نهر النيل» فيفتحه عمرو فإذا به «من عبداللـه عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر أما بعد: فإن كنت تجرى من قِبلك فلا تجرى، وإن كان الواحد القهّار يجريك فنسأل الواحد القهار أن يُجريك»، فألقى عمرو بالبطاقة فى النيل الذى فاض وغاض ليجرى ماؤه ستة عشر ذراعًا، وتنتهى أسطورة عروس النيل علي قيد الحياة لتستبدل بها عروس خشبية تطوف ولا تغرق!!



النيل والبحر يلتقيان.. النيل عن يمينى والبحر عن يسارى واللثم جارى واللقاء سارى والفصل بين أضداد الانجذاب محال، فمسيرة الأقدار في آخر المشوار موعد عند اللسان يتاح فيه اللقاء بين الحلو والمالح فى مشهد أزلى يتلاشي فيه صخب الموج ويذعن الهدير ويهدأ السطح ليغدو من بعد الصخب وسنانا حريريا ناعما تجعيدته المتهادية بفعل مرور هبّات النسيم، وفي الأعماق ترحيب وأشواق وعناق لمن قطع مشوارا ليس كمثله طول مشوار، طاف فيه الفيافي والبيد والجبال والسافانا والقفار، واستعلى على الصخر فأذعن الصخر، وتودد للجلمود فإذا بلعابه يسوق ذوبه للأمام. لقاء الماء بالماء.. رحلة كل شىء حى إلي كل شيء حى. مسافر زاده الخيال لبحر طبعه الهياج. ملحمة النيل وبحر الروم. الماء العذب بالمالح الأبيض.. دموع إيزيس وإله بتاح وغناء الشادوف ولفائف البردى ومعبد فيلة وقصور الروضة وجنة الصوفية العرب عندما بلغ البعض المنتهى فتخيلوا النيل منحدرًا إلى الدنيا من تحت سدرة المنتهى أو من شرايين صخرة القدس، وصلاة الاستسقاء، وخصوبة تجاوزت حدود المعجزات حتى لتلد الشاة في تربة النيل مرتين في العام وتنجب النساء التوائم، ولعل فى تلك الخصوبة المتأصلة ما حدث في البدء لأبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام عندما لم تلد زوجته سارة الابن ما دفعه للزواج من بنت النيل هاجر التي أنجبت له أبا العرب إسماعيل، ويتلوه حبيب اللـه محمد صلي اللـه عليه وسلم ليجدد ذلك الخصب في بيت النبوة بزواجه من المصرية مارية القبطية لتلد له الولد إبراهيم، ويفند ذو القرنين عجائب الخلق ليختم بقوله الفصل: «ولكن نيل مصر هو أعجب العجب».. ويرى قدماء النيل في النيل: «إنه النيل يغمطه حقه من يقرنه بالبحر الذي لا يُنبت قمحًا، وبالصحراء التى لا تأوى طيرًا، ومادام الناس لا يأكلون اللؤلؤ والمرجان فالشعير أحسن.. الشعير أحسن».. عند اللسان يأخذ المالح في أحضانه ذلك النبيل عذب اللسان القادم من أعالى الجبال.. وما من سائر في الجوار إلا ويمسه رذاذ اللقيا.. قطرة حلوة ارتمت علي صدر المالح كل منهما يكمّل الآخر حتى لا يملّ الكون المذاق الواحد! «مرج البحرين يلتقيان.. بينهما برزخ لا يبغيان فبأى آلاء ربكما تكذبان».