عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
ثروة الأمم
27 أبريل 2021
د. مصطفى الفقى


عندما أصدر فيلسوف الاقتصاد (آدم سميث) كتابه الشهير «ثروة الأمم» إيذانًا بالخروج من عصر المقايضة للدخول إلى عصر جديد تسود فيه النقود وتنتشر أساليب التعامل الحديثة من خلال سلة جديدة من العملات ومفهوم مختلف لعلم الاقتصاد، تلعب فيه النقود والبنوك دورًا أساسيًا مع ميلاد المصارف الكبرى والمؤسسات الاقتصادية الضخمة، منذ ذلك الحين ونحن نرى أن علم الاقتصاد الذى درس لنا مبادئه بالجامعة أستاذ متألق باهر الفكرة، أنيق العبارة، هو الدكتور رفعت المحجوب بقوله (إن الاقتصاد هو علم الندرة أى توزيع الإمكانات المتاحة على الاحتياجات المتعددة، أو هو علم الصيرورة أى تحول الأشياء من حالة إلى أخرى ما بين مفهوم السلع والدلالات الرقمية للنقود) وكان الدكتور المحجوب يصول ويجول فى محاضرات رائعة يمتزج فيها الاقتصاد بالأدب وتتداخل السياسات المالية مع التاريخ البشري، وكان يدرس لنا علم النقود والبنوك أستاذ أساتذة هذا الفرع وهو الدكتور محمد زكى شافعى أول عميد لكلية الاقتصاد الذى كان يداعبنا قائلًا إنه عندما يتحدث عن أحد المصارف الدولية الكبرى فهو لا يشير إلى فرع أحد البنوك المحلية فى حى (بين السرايات) الملاصق للجامعة والذى كان حيًا شعبيًا بسيطًا فى ذلك الوقت، أما الآن فقد تغير حاله وتبدل أمره وظهرت فيه البنايات الكبيرة والعمائر الحديثة، وكنا ندرس التكتلات الاقتصادية بما فيها أنواع (الكارتل) و(الترست) ثم نصل إلى الشركات الدولية الكبرى عابرة القارات والتى تملك فروعًا فى دول مختلفة حتى أصبح مقياس ثروات الأمم هو محصلة الناتج القومى للتبادل التجارى فى جانب وميزان المدفوعات فى جانب آخر كترجمة واضحة للموارد الطبيعية والموارد البشرية معًا وفى كل دولة على حدة، وتختلف الدول فيما تملك بين رصيد كبير من الموارد الطبيعية ورصيد أقل من الموارد البشرية أو العكس، بل إن دولًا مثل اليابان فى آسيا وسويسرا فى أوروبا لا تملكان موارد طبيعية كبيرة ولكنهما أحرزتا قدرًا كبيرًا من الإنجازات وقطعتا شوطًا طويلًا على مسار التقدم, والسبب فى ذلك أن العنصر البشرى المتميز يقوم تلقائيًا بتعويض النقص فى الموارد الطبيعية حيث يركز على الصناعات الحديثة لتصبح ثروة الأمة هى مجموع العقول البشرية لأبنائها بغير استثناء، فالدولة المحرومة نسبيًا من المواد الخام والتى لم تكن الطبيعة سخية عليها لا تقف مكتوفة الأيدى ولكنها تتجه بالضرورة إلى العقل البشرى لكى تستخدمه فى عملية التحول إلى التصنيع الثقيل والخفيف والانطلاق منهما للأسواق العالمية، فالعقل البشرى هو الحاكم وهو السيد وهو المتغير المستقل الذى تتبعه جميع المتغيرات الأخرى التابعة له، إلا أن مجتمعات الوفرة على الجانب الآخر التى تملك المياه الكافية والأراضى الواسعة وتستخرج من باطن الأرض مصادر الوقود وسوائل المحروقات وفى مقدمتها النفط, لذلك عكفت هذه الدول على البناء السهل معتمدة على تعدد مصادر الطاقة وخامات الصناعة، ولعل الولايات المتحدة الأمريكية هى أبرز النماذج المعاصرة لمجتمعات الوفرة وإن كان ذلك لا يعنى عدم تعرض الاقتصاد الأمريكى فى بعض الأحوال إلى أزمات طارئة بل وهزات عنيفة أطاحت ببعض الرؤساء فى الانتخابات الرئاسية وهم فى الحكم رغم إنجازاتهم الباهرة فى السياسة الخارجية ونجاحهم الملحوظ فى إدارة شبكة العلاقات الدولية التى تنتمى إليها واشنطن، ولنا هنا بعض الملاحظات:



أولاً: إن ثروة الأمم فى عصر التقدم التكنولوجى الكاسح قد تغيرت من حيث الدلالة كمًا وكيفًا، ولو اتخذنا علوم البرمجيات نموذجًا جديدًا لما يمكن أن يتفاعل معه المواطن العادى بعد دورات تدريبية مكثفة لوجدنا أننا أمام مصادر جديدة للدخل القومى فى حياة كثير من الدول، فالتكنولوجيا لم تعد عصية على أحد، إنها باختصار عملية توظيف العلم والتدريب فى خدمة الصناعة والتصنيع بمعناه الثقيل والمتوسط والخفيف.



ثانيًا: تظل الزراعة هى مصدر الغذاء وسلة الطعام للشعوب المختلفة, ولعل الدول المحرومة من الزراعة بسبب قلة مساحات الأرض أو ندرة المياه وزحف التصحر وانتشار الجفاف هى نماذج على الجانب الآخر لفقر الطبيعة وشيوع المجاعات، وقد تتوافر الأرض والمياه ولكن تنعدم الإرادة البشرية للاستصلاح والاستزراع، ولقد كانت المساحات الشاسعة فى السودان الشقيق هى أحد النماذج لذلك، خصوصًا أن السودان كان مرشحًا لكى يكون سلة الغذاء للقارة الإفريقية والعالم العربي، ولعل ما نشهده من ضوضاء صاخبة حول سد النهضة هو تطبيق قريب للأفكار التى أشرنا إليها، وقد استعانت دول ثرية ولكنها لا تملك الوفرة المائية بدول أخرى مثل إثيوبيا والسودان لتزرع على أرضها وبمياهها مساحات شاسعة تفى بغذاء شعوبها على حساب حقوق دول النهر وبتدبير خبيث يفتقد حسن النية.



ثالثًا: تظل السياحة لدولة مثل مصر هى الباب الذهبى لما نسميه ثروة الأمم شريطة أن تتمكن الدولة المصرية من توظيف ما لديها من إمكانات ضخمة وثروة حضارية هائلة، وكما قلنا من قبل فإن هناك شعوبًا تحفر من أجل المياه أو النفط أو المعادن الأخرى بينما يحفر المصريون ليستخرجوا الحضارة التى أبهرت العالم، فإذا تمكنت مصر من تحسين الخدمات فى مرافقها المختلفة ومؤسساتها المتعددة بحيث جعلت سعر الخدمة المحلية هو ذاته سعرها العالمى فإننا نكون قد حققنا طفرة سياحية كبرى تتقدم بها مصر لتكون فى صدارة الدول السياحية فى العالم بما تملكه من آثار خالدة ومدن قديمة وشواطئ رائعة.



إن ثروة الأمم تختلف من عصر إلى عصر ومن دولة إلى أخرى ولكن تعظيم تلك الثروة يحتاج دائمًا إلى إعمال العقل البشرى وقدرته على فهم ما يدور حوله واستيعابه لحركة التطور التى لا تتوقف.