عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
فى مواجهة القضايا المستعصية!
7 أبريل 2021
د. عبدالمنعم سعيد


لم يكن الأسبوع قبل الماضي رحيما بنا، فبعد جنوح السفينة إيفر جيفين في مجري قناة السويس، توالت مجموعة من الأزمات واحدة في السكك الحديدية وقع فيها ضحايا وجرحي، وخسائر اقتصادية متنوعة؛ وواحدة أخري في انهيار عقار في شارع جسر السويس شرق القاهرة ومرة أخري كان هناك ضحايا وجرحي وأسر فقدت سكنها. وكأن كل ذلك ليس كافيا، وكانت هناك حاجة لإضافة درامية تراجيدية، أطلقت فتاة العنان لسرعة سيارتها في اتجاه السير المضاد على الطريق السريع المؤدي إلي مدينة الجلالة حتي اصطدمت في سيارة نقل ثقيلة وفقدت حياتها.



وباستثناء الحالة الأولي للسفينة التي لقي جنوحها اهتماما عالميا غير مسبوق لما يترتب عليها من نتائج اقتصادية سلبية ممثلة في أسعار النفط وسلاسل التوريد اللازمة للصناعة؛ فإنها كانت وحدها التي تمكنت السواعد والعقول المصرية من التعامل معها وعودة القناة إلى أيامها الطيبة الأولي في خدمة مصر والاقتصاد العالمي. القضايا الأخرى رغم استئناف مسيرة القطارات، ورفع أنقاض العقار، والترحم على الفتاة المنتحرة، بدت وكأنها كلها تمثل قضايا مستعصية على الحل الذي تحاوله الدولة بجدية بالغة. وقبل فترة قصيرة فإن مجلسي الشيوخ والنواب ناقشا وأقرا رفع العقوبة على من يقوم أو يسهم في ختان الإناث باعتبارها جناية كبري.



لم يكن هذا لا فرضا لعقوبة جديدة، ولا رفعا جديدا للعقوبة، ومع ذلك فإن التقرير المصاحب للقانون أقر أنه رغم تراجع نسبي في معدلات ارتكاب الجريمة، فإن المؤشرات لا تشير إلى قربها من الانتهاء. هي في الأول والآخر قضية مستعصية أخري لا تدور في إطار القانون وتشديد العقوبة، وإنما في إطار الوعي الاجتماعي والممارسات الطبية المتواترة التي تستند في قسوة إلى تقاليد بالية، وصورة عدوانية تجاه المرأة مهما تبلغ من موقع ومكانة في المجتمع. باختصار كان فك الجنوح عن السفينة ممكنا، ولكن الفك كان مؤجلا في باقي القضايا.



رجعت إلى أوراقي السابقة في التعامل مع القضايا المستعصية فوجدت مقالا بعنوان في شأن مسألة تجديد الفكر، وأرجو من القارئ الكريم أن يغفر لي تكرار الفقرة الأولي منه: في ستينيات القرن الماضي شاهدت في القاهرة على ما كان يسمي المسرح الحديث مسرحية بروتولد بريخت -المؤلف المسرحي الذي عرف بالمباشرة- إنسان ستشوان الطيب والتي كان الراوي فيها سقاء حاملا للماء سرعان ما أدرك متحدثا إلى الآلهة وأصحاب الحكمة أن هناك شيئا في عالمكم أيها النيرون غلط. لم يكن هناك أمر منطقي ولا صحيح ولا مناسب أن يكون عليه بيع الماء في عز المطر. أكثر من نصف قرن مضي على إدراك هذا الخطأ في تركيبة الحياة في قرية صينية أعاد إلى الذهن زيارة أخري للصين في فبراير ٢٠٠٢ وصلت بنا إلى حي شنبو في مدينة شنغهاي الساحلية والتي تعد واحدة من أيقونات التقدم في الدولة تاريخيا وفي العصر الحديث. كنا في بعثة صحفية من الأهرام الغراء للبحث فيما تغير في هذه الدولة بعد التغيرات الكبيرة التي جرت في العالم من أول انتهاء الحرب الباردة إلى انفراد أمريكا بقيادة العالم إلى بداية الصعود الصيني الكبير، مع إجراء الهند وباكستان اختبارات قنابل وأسلحة نووية جعلت العالم يرتج بعد ما كان معروفا باسم الأزمة الاقتصادية الآسيوية. قابلنا كثيرين من أول الرئيس الصيني زيمين وحتى وصلنا إلي رئيس حي صغير (أربعة ملايين نسمة) في المدينة الساحلية الكبيرة شنغهاي. حكي لنا الرجل تجربته التنموية التي جعلته يجتذب إلى الحي أربعة مليارات من الاستثمارات الأجنبية خلال العام السابق. كان الرقم مهولا، وكان طبيعيا أن تُطرح أسئلة على هذا النجاح على ضوء ما كنا نعرفه من كون الصين مازالت دولة اشتراكية حتى ولو أضيفت كلمتي السوق الاجتماعي؛ وكنا نريد أن نعرف ما فعلته الصين مع عمالة القطاع العام، والعمالة الزائدة في الحكومة، وكيف يتم التعامل مع ما كان في ذلك الوقت ٦٠٠ مليون فقير صيني (الآن أصبحوا ١٥٠ مليونًا فقط أو ١٠٪ فقط من السكان). كان إلحاحنا في الأسئلة، وعجبنا من الإجابات التي جعلت حي شنبو يجذب الاستثمارات، ويمنع الصينيين الفقراء من المجيء إلى شنغهاي كلها إلا لعمل محدد ومتعاقد عليه؛ وعندها سكت رئيس الحي تماما لثوان قليلة تعليقا على المقارنات التي أجريناها مع الأحوال في القاهرة ثم قال: لابد من تغيير الفكر أولا!.



ما هو الفكر الذي نحتاج تغييره حتى تنتهي حوادث القطارات، وتتوقف العقارات عن الانهيار، ولا تقوم فتيات بالانتحار، وينتهي من حياتنا عار ختان الإناث؟ وبالطبع لا توجد حلول سحرية، أو أفكار عبقرية لدي الكاتب؛ ولكن المشهد الذي جري في قناة السويس ربما يعطينا بعضا من الإلهام حيث حصلت القضية علي أعلي درجات الاهتمام. قال الرئيس السيسي للفريق أسامة ربيع: إن سمعة مصر كلها في يد إدارة القناة والتي أصبح على مائدتها شرف مصر أمام العالم. لا يوجد أعلي من ذلك اهتمام وتركيز وتعريف للقضية لكي تشحذ الهمم، ويرتفع الجميع إلي أعلي درجات الوطنية وهو الأمر الذي جعل الحمل ثقيلا في أوله، وباعثا على الفرحة الطاغية في نهايته. وبعد تقدير أهمية الأمر البالغة جاءت محصلة نضج مؤسسة مصرية متقدمة عبر السنين، ومعها قدر هائل من العلم والكفاءة والقدرة على الابتكار، ما جعل طريق الحل ممهدا بمرتين من الفشل، ولكن في الثالثة كان النجاح. الحزمة هنا كانت فاعلة حتى ولو كانت تجري أمام العالم أجمع، والدنيا كلها تعد أنفاس العاملين في الإدارة التي عليها التعامل مع عناصر متعددة، وضغوط السفن التي جاءت من كل حدب وصوب ووقفت على الأبواب في الشمال والجنوب تلح بشدة حتى ولو لم تنطق بكلمة واحدة. حل أزمة السفينة يدلنا علي أول طريق حل المشكلات المستعصية الأخرى رغم اختلاف حجمها ومنطلقاتها، هو أول الطريق في الاهتمام والعلم، وبعد ذلك تفرض المشكلة خصائصها التي تحتاج همة وتفكيرا جديدين.