عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الإعصار الزوجى
26 مارس 2021
000;


أنا زوجة تعديت سن الأربعين، وأتمتع بشخصية هادئة، ومعى ثلاثة أبناء أكبرهم التحق بالجامعة، وكانت نشأتى حزينة فى أسرة طيبة، حيث توفى أبى وأنا طفلة صغيرة، وبحكم صغر سن أمى قام أهلها بتزويجها لرجل أحسن تربيتى وتعليمى ورعايتى، وتفوقت بالجامعة وعملت وتدرجت بكفاءة فى وظيفتى، وحلمت أن يعوضنى الله بزوج صالح يحمينى ويكون سندا ودرعا لى من قسوة الحياة، ولكن لا أشقى من امرأة تعطى كل شىء بلا حدود، ولا تجد فى المقابل أى شىء فلقد تزوجت رجلا لا يعرف للرجولة أى معنى, إذ كان يعتمد على مرتبى، ولا يتحمل أى نوع من المسئولية حتى تربية الأبناء، وهو موظف سيئ الخلق وعديم الأمانة، وضعيف أمام أهله، وحياتى معه عبارة عن سلسلة مشكلات توجع القلب بما فيها من ضرب وإهانة.. لقد دمّر نفسيتى وخرّب حياتى أنا وأبنائى بظلمه وغدره وطمعه، فحين تقدم لى خدعنى بأنه شخصية طيبة طموحة، وتحديت بعد المسافة وأهلى من أجله رغم رفضهم له، فلقد أقنعتهم وقتها أن سعادتى معه، ولكن اكتشفت بسرعة بعد زواجنا أنه مادى وأنانى وطمّاع ومستهتر ودلوعة أهله، ويكره أى «عمل كادح»، وللأسف استغل اندفاعى للحفاظ على البيت واستنزفنى طول زواجنا بداية بسلب أموالى ومرورا بإجبارى على الحصول على قروض، وغير ذلك من الحيل، واستمرت حياتى معه على مضض، وتحملت مسئولية بيتى وأبنائى، أنفق عليهم وأعلمهم القيم والدين دون شكوى أو ضيق، فلقد أجبرنى على قطع صلتى بأرحامى لأنهم اكتشفوا حقيقته، وحوّل حياتى إلى جحيم، وجاءت «اللحظة الحاسمة» بعد استحالة العشرة، إذ تركت بيتى، ورفعت دعوى طلاق بعد أن استشرت أبنائى الذين تعاطفوا معى، ورأوا أن أغادر البيت، وسيلحقون بى.



وسافرت إلى أهلى والحزن يملأ قلبى لفراقهم بعد ما أوصيتهم بالصبر حتى نتجاوز الأزمة، لكن لما ظهر عجزه فى سد متطلبات البيت والأبناء حاول بكل السبل أن يعيدنى إلى البيت، وقال إنه تغيّر، ولما تأكد من عدم تراجعى عن قرار الانفصال، طلب من أهلى أن يطلق بدون محاكم ومن كثرة ضغطه علىّ بأولادى نزولا على رغبتهم فتحت باب الصلح كفرصة أخيرة لإبراء ذمتى، لكنه يماطل فى إعادتى للتنازل عن القضية التى رفعتها ضده، وأن أرجع بدون أى ضمان بالتزامه ناحيتنا بالشكل الذى يجعلنى مطمئنة فى بيته، وأنا أعرف أنه مخادع، ولذلك رفضت الرجوع بهذا «الشكل الرخيص» ولكن بعد فترة من بعدى عنهم، فوجئت بأن أبنائى تغيروا، وأصبحوا يتكلمون بلسان حال أبيهم، وطريقة تفكيره، واختاروا أن يعيشوا معه فى شقته الكبيرة حتى لو أخذت كل منقولات شقة الزوجية، فهل أرجع إليه من أجلهم؟، وكيف ستمضى الحياة معه، ومع أهله قساة القلب، وهم يسكنون فى البيت نفسه؟، ورجوعى إليه معناه «انتحارى ببطء» لأنى كرهت عشرته من ظلمه وإساءته لى وتخبطه فى الحياة، فالمرأة تصبر على فقر زوجها ولا تصبر على سوء خلقه، ويعلم الله أنى عاقلة منذ صغرى صوامة قوامة لله، وذو خلق ودين، وهو متمسك بى لأخلاقى وأدبى وحسن عشرتى، وقد منحته فرصا كثيرة لا يستحقها لأبرئ ذمتى ولا أندم لحظة بعد خذلانه لى.. لكنه يعود إلى سيرته الأولى فى كل مرة.



وفى المرة الأخيرة التى طلب منحها له، أرى أن عليه التوقيع على عقد اتفاق وضعه محام، ومن شروطه الالتزام بالمعاملة الطيبة والنفقة علينا بما يرضى الله، ولو وافق عليه سوف أتنازل عن القضية، لكنه يرفض، وهناك إجماع على أنه «مراوغ ولا ميثاق له، ولا يحترم كلمته، ولما توالت عليه الإنذارات وخاف من الأحكام التى ستصدر ضده، تظاهر بأنه مازال يحبنى، ويريدنى أن أعود إليه بعيدا عن أهلى لأنهم فى خصومة معه ويحاربوه، مع أن شروطهم بمثابة ضمان غير مادى لى كحقوق زوجة مشروعة.



إنه يرفض أن يجبر خاطرى لآخر مرة بالود واعتبر أن ما يحدث «حرب على رجولته»، وأشعر الآن بمرارة ووحدة دون أبنائى، فهل أتنازل عن حقوقى وأخسر راحة بالى وصحتى وأرجع له؟ وهل تصلح حياتنا معا بعد كل هذه الفجوات والتراكمات؟ أم أكمل القضية، فأكسب حريتى؟، ولكن فى المقابل أخسر أبنائى الذين اختاروا أباهم لمجرد الارتباط بالمكان، وهل أسكن بنفس مدينته أم بجوار أهلى لأنه للأسف لو تم الطلاق سيتفرق الأبناء بيننا، ولا أريد حرمانى منهم أو تفريقهم، وكيف أتخلص من حالة «الإعصار الزوجى» التى أحياها؟.



 



 ولكاتبة هذه الرسالة أقول:



 



القاعدة أن الأفضل دائما تسوية الخلافات بعيدا عن المحاكم، سواء تم الطلاق أو استمرت العلاقة الزوجية برغم هذه الظروف، ويمكن تحرير «عقد اتفاق» لتنظيم العلاقة بين الزوجين بحيث يتضمن عدة بنود منها قيمة نفقة الزوجة الشهرية، ونفقة الأطفال وموقف مسكن الزوجية وقائمة المنقولات، وأماكن ومواعيد الرؤية بين الزوجين للأطفال، فضلا عن مصاريف المدارس للأطفال ونوع التعليم وله دور مهم فى تنظيم الحياة بين الأب والأم فى حالة الطلاق.



ويجوز الاتفاق بشكل رضائى بين الزوجين، وبخاصة فى حالة الرغبة فى إيقاع الطلاق بناء على استحكام الشقاق والنفور بينهما، وما يتبع ذلك من ترتيب المستحقات المالية المترتبة على الطلاق سواء للزوجة المطلقة مثل: «نفقة العدة، ونفقة المتعة، ومؤخر الصداق، وأجر الحضانة»، وكذا المستحقات الخاصة بالصغار مثل: «نفقة الصغار بأنواعها، ومصروفات الدراسة والتعليم، والكسوة، ومصروفات العلاج، ومسكن الحضانة، والولاية التعليمية على الصغار».



وهى كلها أمور يجب حسمها ماداما الطرفان قد اتفقا على عدم اللجوء إلى إجراءات التقاضى التى تتطلب جهدا ووقتا ونفقات وإجراءات معقدة مرهقة للطرفين، وذات أثر سلبى نفسيا وماديا فى كثير من الأحوال على الزوجة والصغار، ومن ثم فإنه يجوز الاتفاق على تنظيم تلك الأمور والمستحقات بما يعمل على توفير كل هذا الجهد والنفقات، وبالنسبة لحالة «الإقرار العرفى» الذى ترغبين فى تحريره لن يكون ذا جدوى فى حسم كل تلك الأمور، ومن ثم فإنه فى حالة امتناع زوجك عن تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سيكون لزاما عليك اللجوء إلى المحكمة من جديد للمطالبة بحقوقك وحقوق أبنائك لديه.



وربما يكون الحل المناسب الآن هو محاولة إزالة أسباب الشقاق والخلاف بينكما وفقا لما جاء فى القانون الذى يقرر بأن ينشأ بدائرة اختصاص كل محكمة جزئية مكتب أو أكثر لتسوية المنازعات الأسرية، يتبع وزارة العدل ويضم عددا كافيا من الأخصائيين القانونيين والاجتماعيين والنفسيين، ويتولى هذا المكتب تفريغ ما تم الاتفاق عليه بين الزوجين فى صورة عقد اتفاق رسمى محرر بمعرفة موظف مكتب التسوية، ثم توقيع الطرفين على هذا العقد، ويعقب ذلك رفع عقد الاتفاق إلى رئيس المحكمة للتصديق عليه وتزيله بالصيغة التنفيذية، مما يجعل هذا العقد سندا تنفيذيا بيد الزوجة، ويحفظ حقوقها وحقوق صغارها فيما تم الاتفاق عليه.



كما لا يجوز لاحقا للزوج «المطلق» التراجع عما تم الاتفاق عليه أو حتى إنكاره لأنه صدر بإرادة حرة عنه غير مشوبة بثمة عيب من عيوب الإرادة، وهو ما يتم معه اختصار وقت إجراءات التقاضى والدعاوى المتعددة فى جلسة التسوية الودية والتى يتم بموجبها حسم الاتفاق والتصديق عليه وجعله فى قوة السند التنفيذى، وهو أمر ضامن لحقوق الزوجة وصغارها وكذا لحقوق الزوج فيما تضمنه من التزامات للطرفين، وأرجو أن يعى زوجك ذلك، ولا شىء فيه، ولكن لا تتخذى هذا العقد سلاحا تشهريه فى وجهه عند كل خلاف، وإذا لم يستجب لا مفر من اللجوء إلى المحكمة طلبا للطلاق، وليت كلا منكما يبتعد عن استخدام الأبناء فى «الحرب» بينكما، فهم الخاسرون فى النهاية، ولابد من العقل والحكمة فى تسوية نزاعكما، وأسأل الله لكما الهداية والتوفيق.