عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
تقويم الخطأ.. ضرورة لا مناص من تحقيقها
10 مارس 2021
عماد رحيم


لم تكن الصورة المتداولة على منصات التواصل الاجتماعى، لإحدى الترع التى امتلأت عن آخرها بالقمامة والقاذورات، صادمة فقط، ولكنها بينت بشكل واضح ما يمكن أن يفعله حفنة من الجهلاء، افتقدوا لكل معايير الاحساس بالجمال والانجاز، وضربوا بكل ما تم عرض الحائط غير عابئين بما فعلوه، وبما خلفوه من جريمة غير مقبولة فى حق الدولة، وكذلك فى حق أنفسهم.



نعم هى جريمة بكل المقاييس، فعندما قررت الدولة تحسين حال الريف وبدأت تنظيف الترع والمصارف التى تشق مصر من جنوبها لشمالها، وقامت بتطهيرها، ثم بطنتها بحرفية جميلة، لتعيد للريف جماله ورونقه، كما أنها فى الوقت نفسه تقضى على التلوث تماما، لتوفر للفلاح بيئة نظيفة راقية، يتم ذلك فى إطار أشمل، يهتم بتوفير حياة كريمة لكل المصريين، حياة ترسخ قيم الحضارة فى أبهى صورها، والواقع الذى تم إنجازه أكثر بهرا وحلاوة مما يمكن أن يُوصف.



لذلك فالغضب من الفعل طبيعى، ويستلزم معه معالجة ذلك الجُرم بشكل يمنع تكراره مرة أخرى، وإلا فلننتظر مشاهدة عدد من التجاوزات، لأن من أمن العقاب أساء التصرف، وهذا يُدخلنا فى دائرة أكبر جدا من مجرد الرد بحسم على تلك التجاوزات، فنحن أمام سؤال مهم، لماذا تحدث؟



والإجابة قد تكون كاشفة، لاسيما أن هناك أمورا خرجت عن نصابها، واختلط حابلها بنابلها، بشكل بات مؤلماً، فالقمامة التى تراكمت، لم تصل لتلك الدرجة الكارثية فى يوم وليلة، ولكنها تراكمت خلال فترات متسلسلة، شاهد الناس تراكمها، ولم يتحرك أى من المسئولين لإيقاف تلك المهزلة، حتى انتشرت صورها على منصات التواصل الاجتماعي.



وذلك يعنى وجود مسئولين لا يقومون بدورهم كما ينبغى، فلو تم التصرف فور مشاهدة إلقاء القمامة لما وصلت الحال لما آلت إليه، ولكن من المقصر مسئولو وزارة الري؟ أم الوحدات المحلية؟



فى تصورى، المسئولية الأساسية تقع على عاتق الوحدات المحلية، قبل وزارة الرى، لأنهم معنيون بإيقاف المخالفات حال حدوثها، ولأن المخالفات نهشت الريف بكل أركانه، وأكلت الأخضر، وانتشرت المبانى السكنية فوق الأراضى الزراعية تحت سمع و بصر المتغافلين، فأمسى حدوث المخالفة أمراً طبيعياً، وأصبح تكرارها عادة مستحبة لدى البعض، لذلك شهدنا جميعا مدى تقلص الأراضى الزراعية لدرجة مخيفة، ومحزنة، ولم يُعاقب مسئول واحد عن تقصيره، وانصرف تفكيرنا فى كيفية مواجهة تلك المخالفات ومعالجة آثامها، وظل المتقاعسون متنعمين ومستمتعين بسوء أفعالهم، دون حسيب أو رقيب.



إنه ملف خطير للغاية، تفوق خطورته ملفات أخرى، يرى غالبيتنا أنها أكثر أهمية، مثل الصحة والتعليم .. إلخ، ولكن الحقيقة أن تطبيق مبدأ عفا الله عما سلف، وترسيخه، يؤدى لتكرار المخالفة وراء المخالفة، ومن ثم نشاهد كوارث مؤلمة ومُوجعة لنا جميعا، مثل ما حدث مع تلويث الترع التى أرهقت من جمٌلها، وتعود الدولة لتقوم بتطهيرها مرة ثانية، هكذا بكل بساطة، وهو أمر غير مستحب، لأننا معرضون لتكرار التجاوز الذى لم يواجه بالحسم اللازم.



بل الأكثر إيلاما، هو انتهاج ذلك النموذج غير المبالى، ليصبح هو القدوة، دعنى أُعط لك مثلاً، مع انتشار التوك توك، الذى يفعل كل المخالفات بأريحية عجيبة، ومع ذلك يسير متباهيا، كان ذلك حافزا لتزايد أعداده وتزايد موبقاته، والدولة لا تتحرك صوب تقويم ذلك الوضع، بل الأغرب هو وجود لافتات ضخمة، تحذر من سيره وتراه يسير بجانبها زاهيا، بل إننى شهدت بعضهم يسير بطريقة ثعبانية وسط طرق رئيسية، وتعجبت، فنحن نسن كل القوانين الممكنة لضبط إيقاع الطرق ونقرر عددا من الغرامات المفروضة على المخالفين من قائدى السيارات لتنظيم المرور، لاسيما بعدما طورت الدولة منظومة الطرق ببراعة، بهرت العالم، لتتقدم مصر من المركز الـ 114 للمركز 28 فى مؤشر جودة الطرق على مستوى العالم، ورغم ذلك عندنا مركبات تسير دون لوحات معدنية، ترتكب المخالفات دون أن تدفع ما يناسبها من غرامات، وتربح دون أن تدفع ضرائبها المستحقة، فى سابقة لا مبرر لها.



لذلك أتمنى التحرك فى مسارين متوازيين، الأول، ضرورة التنبيه على كل مسئولى الوحدات المحلية بجميع القرى، بمتابعة أحوال الترع و المصارف، أولاً بأول، مع التبليغ فور مشاهدة أى خطأ يحدث كإلقاء القمامة مثلاً، حتى يتم إيقاف تلك التجاوزات فى مستهلها.



الثانى، تطبيق مبدأ الثواب والعقاب، مع المسئول، وكذلك مع المواطن المتجاوز، لأنه دون ذلك فنحن سنواجه عدداً من التجاوزات لا ناقة لنا بها على الاطلاق، تجاوزات من المهملين، تعصف بما حققناه من إنجازات، ليس فقط فى مجال تبطين الترع وتطهيرها، ولكن فى مجالات أخرى، ولأنه بيننا يعيش الأسوياء، وأيضا المنحرفون، فلابد من مواجهة الانحراف بكل سبل الحزم المتاحة، مع تقويم المنحرفين وإعادة تأهيلهم، من أجل الحفاظ على ما تم من إنجازات، من حق الأجيال القادمة الاستمتاع بها ومشاهدة ثمراتها، إنجازات تحققت بفضل دعم المصريين ومساندتهم لقيادتهم السياسية، لذلك فتقويم الخطأ وتصويبه، ليس من الرفاهيات، بل بات ضرورة لا مناص منها.