عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الاستعداد للانتشار العمرانى!
10 مارس 2021
د. عبدالمنعم سعيد


جاءت جائحة كورونا خلال الشهور الأولى من عام 2020 لكى تضع مصر ومسيرتها التنموية موضع الاختبار أمام أزمة مختلفة جاءت من مملكة أخرى غير ممالك البشر أو ممالك الدول، وإنما هى من الممالك التى تهدد وتقتل ولا تُري، ويكون ضحاياها من البشر ومن الثروة. وبعد عام من مواجهة الجائحة فإن الدولة المصرية اكتشفت فى داخلها قدرات كامنة، ونجحت فى التقليل من الخسائر البشرية إلى الحدود الدنيا، والأهم من ذلك كله أنها استمرت فى عمليات التنمية الجارية وفى المقدمة منها الانتشار العمرانى، سواء من خلال شبكة من المدن الجديدة، وشبكات البنية الأساسية التى تربط فيما بينها. وكان ذلك مواكبا لأهم دروس الجائحة وهو ضرورة التباعد الاجتماعى الذى يعنى أماكن العمل والعيش والسلوكيات الاجتماعية التى تنقل العدوى وتوفر لها ظروف الانتشار. وباختصار وسواء كان الأمر يعود إلى ما جاءنا من بلاء أو أن التاريخ المصرى الذى لف المصريين فى وادى النيل حول قرى ومدائن قامت فى الأساس على التلاصق الشديد فى الشوارع والحوارى والأزقة وسبل الحياة والعيش. وأذكر أنه فى منتصف الثمانينيات من القرن الماضى وفى مناسبة زيارة خبراء وباحثين من مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام إلى ما كان وقتها تأسيس المفاعل النووى الذى كان قريبا من قرية الحمام فقمنا بزيارتها وهالنا ساعتها أن القرية كانت متلاصقة المبانى والعائلات فى حوار ضيقة للغاية، بينما الصحراء كانت تحيطها من جميع الجهات وإلى امتداد البصر. قيل وقتها إن هذه الرغبة فى التلاصق هى لخلق الظل الذى يبرد السخونة ويحمى من الشمس الحارقة. الآن لم يعد الحال كذلك وانتشرت المدن الجديدة فى صحراوات مصر شرقا وغربا، وبعيدا عن المدن القديمة أو بالقرب منها، وعلى السواحل والخلجان، وفى كل الأحوال فيها شوارع واسعة وميادين فسيحة، ووفق إمكانات لم يسبق أن توافرت لمدن مصرية عند البداية من قبل. والحقيقة مثلت مصر بتركيبتها الجغرافية من ازدحام سكانى شديد فى وادى النيل والدلتا هدفا مثاليا لفيروس الكورونا، ولولا أن التطورات الديموغرافية خلال العقود الثلاثة الماضية قد غيرت من التركيبة العمرية لمصلحة فئة الشباب، وكانت الدولة حريصة حرصا بالغا على تطعيم الأطفال للتعامل مع أمراض مختلفة، بالإضافة إلى جهود الدولة فى المحافظة على تطبيق الإجراءات الاحترازية، لكانت نتيجة الجائحة أكثر قسوة على المصريين والاقتصاد المصري. ولكن لحسن الحظ أن خطط التنمية المصرية اعتمدت إلى حد كبير على عملية الانتشار العمرانى من النهر إلى البحر، ومن مدن وقرى الوادى إلى مدن ومجتمعات جديدة، من خلال شبكات طرق وجسور وأنفاق ووسائل مواصلات متقدمة. وخلال العقود الأربعة الماضية نشأ فى مصر ما يقرب من 55 مدينة وتجمعا سكانيا جديدا (31 ما بين 1975 و2011، و24 من 2015 حتى الآن منها 14 دخلت فى عملية الإنشاء و10 تحت التخطيط). والحقيقة أن تحقيق ذلك لم يكن محض مصادفة وإنما للإدراك السياسى أن الازدحام المصرى داخل الوادى الضيق قد تجاوز بقدر كبير ضروراته التاريخية، وبات حتميا الخروج من الوادى فى الأصل للتخفيف من الضغط على الموارد والاقتراب من موارد جديدة وعفية. أزمة كورونا تضيف سببا إضافيا، وإلحاحا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، على هذا التوجه لكى ينجح ويواصل النجاح والتقدم.



ولكن الثابت أنه رغم كل هذه التطورات المهمة فى البنية التحتية للإسكان فإن الأغلبية الساحقة من السكان فى مصر لا تزال قابعة فى وادى النيل والدلتا بحيث لا يتجاوز عدد السكان الذين يعيشون عيشة دائمة ومستقرة فى الساحل الشمالى على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وسيناء والوادى الجديد لا تتجاوز ثلاثة ملايين نسمة. وتشير تجربة العقود الخمسة الأخيرة إلى تردد مصرى كبير فى الانتقال من المدن القديمة إلى المدن الحديثة، واستغرق الأمر وقتا طويلا حتى تتم درجة من التعمير فى مدن مثل السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان ولا يزال هناك الكثير من المساكن الفارغة فى المدن الأكثر حداثة. إقامة توازن سكانى جديد لمصر يتضمن انتقال ما لا يقل عن 30 مليون نسمة خلال العقدين القادمين إلى العالم الجديد على السواحل والخلجان والوادى الجديد وهو ما سوف يجعل استغلال موارد الوادى والدلتا أكثر كفاءة، كما أنه سوف يضيف ثروات جديدة إلى الناتج المحلى الإجمالى بما يرفع الطاقة الاقتصادية المصرية بأقدار كبيرة. والحقيقة أن الدولة تعلمت الكثير من دروس الجيل الأول من المدن، وهذه المرة فإنها حريصة على تحقيق التكامل بين فرص العمل والتعليم والانتقال الاجتماعى للسكان من خلال شبكات الاتصال والمواصلات الذكية والراقية.



ومع ذلك، فإن الثقافة العامة المحافظة للمجتمع المصرى تجعله مترددا فى البحث عن حياة جديدة حتى ولو كانت أكثر تقدما. ولذا فإن تحقيق ذلك يحتاج استراتيجية متكاملة لإعادة توزيع السكان، وتعمير المدن الجديدة وملئها بالحياة، وجذب الشباب خاصة إلى أنواع جديدة من العمل والتشغيل غير تلك التى عرفها الآباء والأجداد. التجربة الماثلة فى الذهن هنا هى التجربة الأمريكية التى انتقل فيها السكان من الساحل الشرقى للولايات المتحدة الأمريكية إلى الساحل الغربى من خلال السكك الحديدية وشبكات الطرق والبحث عن الذهب. وكان الدافع الاقتصادى كافيا لكى ينتقل عشرات الملايين من المستوطنين المشبعين بروح الاستكشاف والبحث عن الثروة، وفى وادى السيلكون خرجت إلى العالم موجات من الإبداع والابتكار. الأمر كله يحتاج إلى حشد الجهود الفكرية والعملية أولا لنشر المعرفة عما تم والفرص التى يتيحها للمواطنين؛ وثانيا لإعداد المواطنين للانتقال إلى مناطق جديدة تحتاج درجات متفاوتة من التكيف الاجتماعى الحديث الذى يقوم على الائتلاف والتعاون مع آخرين بعيدا عن الروابط العائلية للأسر والعائلات الممتدة؛ وثالثا بث روح المجتمعات الجديدة بكل ما يجب فيه من حداثة واعتماد على الذات وإدارة الأمور المشتركة. المهمة فى عمومها ليست سهلة، وربما تحتاج جهدا من هيئة تفكير قومية، وجهدا تشريعيا من مجلسى النواب والشيوخ لكى يكون الانتقال فرصة للمواطن والوطن.