عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
بايدن والفلسطينيون
3 مارس 2021
د. عبدالمنعم سعيد


الانتخابات الأمريكية تجعل جميع الأطراف الدولية، وهذه فيها دول، ومنظمات إقليمية وعالمية، وشركات اقتصادية وترفيهية؛ كلها تنظر إلى رقعة الشطرنج تحسب للقادم حسابه، وتحسب لنفسها زمنا ومكانة. فإذا ما استقر الأمر فى النهاية يحل اليقين محل الشك، وتبدأ الحسابات تأخذ لنفسها مسارا آخر. وهذه المرة لم تكن الحال فى واشنطن مثلما كانت فى مرات سابقة، امتدت فترة إعلان النتيجة، وانتهى يوم التصديق على النتيجة إلى حالة تراجيدية لا تزال أصداؤها تتردد فى واشنطن وبقية العالم. الرئيس الجديد حاول أن ينأى بنفسه عن الضجيج، فذلك أمر يهم الكونجرس بمجلسيه، وما يهمه هو أن يبدأ الحكم والسلطان ببرنامج يكاد يكون متفقا عليه فى كل المصادر، فى أن الإدارة ورئيسها مهموم بالداخل وليس الخارج، وفى الخارج فإنه مهتم بعودة الغرب إلى ما كان عليه، وهناك صياغة للعلاقات بالصين وروسيا تتسم بالمنافسة، وهذه لمن لا يعلم ليست الصراع أو النزاع. الأصل الديمقراطى للرئاسة يرى أن لكل مقام مقالا، وأن هناك دائما مساحات متصلة فى العلاقات الدولية بقدر ما فيها من مساحات متنازع عليها. المهم ألا يغفل أحد المساحة الواقعة بينهما حتى لا يضل الطريق أو يخطئ الهدف. الشرق الأوسط كان الظن فيه أنه فى قاع الأولويات، وفى الحقيقة أن ما جرى من بايدن هو أنه ليس لديه تلك الأولويات التى تبدأ فيها الأولى ثم بعد ذلك تتلوها الثانية ثم الثالثة وهكذا دواليك؛ وإنما ما لديه طرق متوازية تطلق القرارات التنفيذية لخمسين قضية فى يوم شاملة للداخل والخارج، ثم تحركات تجرى بعضها باتصال تليفونى مع الصين، وبعضها الآخر بوضع مبعوثين فى مهام عاجلة، وأخيرها وليس آخرها هو حزم من التحركات التى تذهب بالكرة إلى عدة اتجاهات فى وقت واحد. الشرق الأوسط يوجد فيه أهداف استراتيجية لها علاقة بزوال الخطر النووى الإيراني، وأهداف إنسانية بإنهاء الحرب فى اليمن، والعلاقات مع الحلفاء يختلط فيها الود مع الغمز، ومع الخصوم فى البحث عما إذا كانت هناك نقاط لقاء مشتركة.



الفلسطينيون كما هى العادة شأنهم معقد، وفى أحيان كثيرة فإنه لا يعرف فلسطينى بقدر ما يعرف إسرائيلي، وفى وقت ترامب اتفق بايدن مع الرئيس حول الكثير من عناصر خطة ترامب للسلام فى الوقت الذى لم يتفق معه فى أى شأن آخر. ولكن بايدن كان لديه مؤثرات أخرى فقد وجد من بين مؤيديه جناح تقدمى كانت له وجهات نظر أخرى إزاء المستوطنات وما وقع إزاء الفلسطينيين من ظلم تاريخي. التأثير الآخر كان من تاريخ بايدن نفسه فقد كان رئيسا للجنة العلاقات الخارجية سنوات، كما كان رفيقا لأوباما ساعة التورط الكبير فى الشرق الأوسط. وجاءته الخبرة التاريخية سنوات طوالا من العمل السياسى أنه لا ينافس فى السوء التورط العسكرى فى الشرق الأوسط بقدر التورط الدبلوماسى فى المنطقة خاصة فى عملية السلام الممتدة لنصف قرن لم يكن بوسع أمريكا البقاء بداخلها، أو الخروج منها. ترامب حاول أن يحلها بأن يعطى إسرائيل كل ما تريده، ولكن النتيجة كانت خروج الفلسطينيين من اللعبة كلها، ولقاء عرب مع إسرائيل على قواعد جديدة للعبة. وربما عرف بايدن تأثيره أنه بمجرد الفوز فى الانتخابات فإن الرئيس الفلسطينى استأنف كل العلاقات مرة أخرى مع الحكومة الإسرائيلية التى وجدت فى قطر عونا فى التفاهم مع سلطة حماس - وهى سلطة أخرى غير معترف بها دوليا وتختلف عن السلطة الوطنية الفلسطينية المعترف بها دوليا - فتحصل إسرائيل على الهدوء النسبى (السبب هنا أن هناك 12 تنظيما فلسطينيا عسكريا لا يعلم أحد متى سوف يكون لأى منهم رأى آخر)، مقابل حصول غزة على 30 مليون دولار لإدارة الأمور وتوليد الكهرباء وصيد السمك فى البحر المتوسط.



إستراتيجية المسارات المتوازية تعطى الفلسطينيين بعضا من الاهتمام، وفى هذا لم يقدم بايدن شيئا غير ذلك الذى نراه أمام أعيننا، ولكن بعضا مما لا نراه ربما نجده فى دوائر قريبة من الإدارة. وفى أثناء الانتخابات كانت هناك كثرة من المشروعات لإنقاذ الشرق الأوسط فى كل مراكز التفكير فى واشنطن، ولكن أهمها ربما كان معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى الذى خرج منه أخيرا ورقة مهمة للباحث والخبير والمشارك فى إدارة أوباما السابقة دافيد ماكوفيسكي، ولعله قريب من الإدارة الحالية ومزاج وزير خارجيتها ومستشارها للأمن القومي؛ وجميعهم كانوا فى حملة بايدن، والأهم من خصوم ترامب الورقة تقوم على عدة أعمدة أولها الاستثمار فى التطبيع العربى الإسرائيلى الذى جرى أخيرا مع التحامها باتفاقيات السلام التى سبقت مع مصر والأردن. هذا الاستثمار يغرى دولا عربية أخرى بالمشاركة وأهمها السعودية، ويغرى الإسرائيليين بالتنازل كما حدث فى تعليق ضم الأراضى الفلسطينية، كما أنه يؤكد للفلسطينيين أنهم لم يعد لديهم حق للفيتو على السلام فى المنطقة لأن الأوضاع السياسية والإستراتيجية تغيرت. وثانيها أنه بينما يقلص البناء على التطبيع الصراع العربى الإسرائيلى فإنه من الضرورى أن يظل الباب أمام حل الدولتين مفتوحا. وثالثا تأكيد دعم الولايات المتحدة أمن إسرائيل إذا اقتصر استيطانها على غرب الحاجز الأمني، وهى تؤكد ما سبق الاتفاق عليه من تبادل الأراضى فيما هو عكس ذلك، مع تشجيع الفلسطينيين - ونضيف العرب القادمين - للاستثمار فى المنطقة سى التى هى المنطقة الأكبر فى الضفة الغربية. ورابعا الاحتفاظ بالسفارة الأمريكية فى القدس ولكن لا يوجد مانع من عودة قنصلية أمريكية للتعامل مع الفلسطينيين. وخامسا إعادة إشراك السلطة الفلسطينية فى المفاوضات مع تراجعها عن اتخاذ إجراءات قانونية ضد إسرائيل فى المحكمة الجنائية الدولية. وسادسا الدخول فى عملية طويلة المدى تقوم على التدرج فى وجود منسق أمريكى متفرغ وله صلة قوية بالبيت الأبيض للعمل والتنسيق والانتقال من خطوة إلى أخري. الورقة بعد ذلك فيها تفاصيل كثيرة، وربما يكون فيها بعض من جس النبض، وبعضها الآخر فيه ما يدعونا إلى التفكير!.