عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
نقطـة ضعـف
19 فبراير 2021
000;


قد تبدو مشكلتى بسيطة، ولكنها بالنسبة لى كبيرة جدا، فأنا رجل فى الخامسة والأربعين من عمرى، متزوج ومعى ثلاثة أبناء، ومشكلتى أننى خلال دراستى الجامعية تعرفت على فتاة وجدت فيها كل ما يتمناه أى شاب فى الفتاة التى يحلم بها، ووجدتنى ضعيفا أمامها، وبرغم شخصيتى القوية المعروفة عنى، فإن حبى لها جعلنى أسيرها، ولم أرد أن أكون كذلك، ولا أكون ضعيفا أمامها، ولذلك ودون تفكير أو إعمال للعقل، انفصلت عنها بطريقة مهينة من التجريح بأن عائلتها لا تقارن بعائلتى، وأنها لا تناسبنى، وفى آخر محادثة بيننا تعاليت وتكبرت وتجبرت عليها بشكل مهين جدا بأنها لا تليق بى، وكسرت كبرياءها فى الوقت الذى كنت فيه فى قمة الحب والعطاء لها، ولا أخفيك سرا أنها دائما فى خيالى ولم أنسها، وربنا يعلم أن هذه هى الفتاة الوحيدة التى تكبرت عليها، وكلما استعدت الأحداث لا أعلم لماذا فعلت ذلك؟، وبعد الانفصال أحسست بقلبى يحتضر، وندمت بشدة على ما اقترفته بحقها.



وظللت فترة طويلة فى حالة عدم توازن، ثم تماسكت وحاولت تضميد الجراح التى لحقت بى بيدى، وتزوجت، وصارت لى أسرة، وأبناء، ومرت السنون تلو الأخرى، وأصبت بمرض خطير، ووفقا لرأى الأطباء، فإن عمرى سيكون قصيرا بسبب حالتى الصحية التى تتدهور كل يوم، لتكون أسوأ من اليوم السابق عليه، وما أعرفه هو أنه مهما فعل الإنسان من الخير، والصلاة والاستغفار، فإن دعوة المظلوم تصبح عالقة فى السماء إلى حين مسامحة صاحبها.. أعلم جيدا أننى كنت مغرورا إلى أبعد الحدود، ولكنى مع الوقت تغيرت كثيرا، وأصبحت إنسانا متواضعا جدا، ولا أعرف ماذا أفعل لكى أرد إليها مظلمتها؟، علما بأنها سيدة محترمة جدا، ومتزوجة، ولا أرغب فى أن أتعامل مع هذه المسألة مثل المراهقين، فأبعث إليها برسالة «غفران» عن حماقتى معها، وجرمى فى حقها.. إننى أعيش حالة «اكتئاب» شديدة الوطأة بسبب هذا الموضوع خوفا من أن الله سوف يتوفانى فى أى وقت، وأنا ظالم لها، فهل أتصل بها، وأرجوها أن تسامحنى، أم ماذا أفعل حتى ألقى الله وقد غسلت نفسى من هذا الذنب؟.



 



ولكاتب هذه الرسالة أقول:



 



لا تتصل بها، ولا تفتح موضوعا قديما هى بالتأكيد تجاوزته، وربما تكون قد حمدت ربها أنها لم تتزوجك لصنيعك معها، ومن الواضح أنها تحيا حياة مستقرة مع أبنائها وزوجها، ولا يعقل أن تتصل بها، فتنبش موضوعا انتهى أمره، وكان مواجهة بينك وبينها، والواجب عليك الاستغفار والندم لما فعلته لقوله تعالى: «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورا رَحِيما» [النساء:110]، وقوله: «فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» [المائدة:39].



وفى مسألة رد المظالم، إذا كان الحق مما يستوفى كالمال، وجب رده إلى صاحبه بأى وسيلة ممكنة، وإن تعسر ذلك من كل وجه وضعه فى مصالح المسلمين، بقصد النفع لصاحب المظلمة، حيث يقول رسول الله: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شىء، فيتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه»؛ وأما إن كانت المظلمة مما لا يستوفى كالغيبة والنميمة والكذب ونحو ذلك، فيكتفى بالدعاء له والاستغفار وذكره بخير، مع الإتيان ببقية شروط التوبة، فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، وقذفه بذكر عفته وإحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه.



وأرى أن إعلام هذه السيدة, بندمك على موقفك منها، مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة، إذ لن يزيدها ذلك إلا أذى وحنقا وغما، وهى مستريحة الآن.



لقد صنعت ما صنعته معها من باب «الكبرياء» ولكى لا تبدو ضعيفا أمامها، ونسيت أو تناسيت أن الكبرياء لله وحده لا شريك له فيه لقوله عز وجل: «وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (الجاثية:37)، وفى الحديث أن رسول الله قال: يقول الله عز وجل: «العز إزارى والكبرياء ردائى، فمن نازعنى شيئا منهما عذبته».



إن مبادئ حقوق العباد تنحصر فى ثلاثة أشياء هى: النفس، والمال، والعرض، وينشأ العدوان على الحق فيها لأحد سببين :الأول: التفريط فى إعطاء الحق، والثانى: العدوان على الغير، فَالظُّلْمُ لِلْغَيْرِ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْعُقُوبةَ فى الدنيا لا محالةَ، لِكَفِّ ظلمِ الناسِ بعضهم عن بعض، ثم هو نوعانِ: أَحَدُهُمَا: مَنْعُ مَا يَجِبُ لَهُمْ مِنْ الْحُقُوقِ، وَهُوَ التَّفْرِيطُ، والثَّانِى: فِعْلُ مَا يَضُرُّ بِهِ، وَهُوَ الْعُدْوَانُ، فالجناية على النفس تشمل كل شىء حرم الله فعله للغير، ابتداء من اللطمة حتى القتل، ويشمل الجراحات كلها، والجناية على المال تشمل منع حق واجب، كالنفقة على الزوجة والولد مثلا، والعدوان على مال الغير، بأى نوع من أنواع الإفساد، والجناية على العرض، وتشمل كل نقيصة ألحقها المسلم بأخيه، سواء بغيبة أو سب أو قذف، أو عدوان على حرمته، وقد جمعها رسول الله فى قوله: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».



يا سيدى: اترك هذه السيدة وشأنها، واستغفر ربك، وادع لها براحة البال، وأن تنعم بحياة هادئة مستقرة، وقدم الأعمال الصالحة، ولتكن رسالتك درسا للآخرين، فلا يسيئون إلى أحد، لأن الدنيا دوّارة، ولا أحد يضمن فيها شيئا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.