عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
تنبأ بالصراع الحالى على مياه النيل وقال: لا معنى للعرب دون فلسطين جمال حمدان.. ضمير عصره
14 فبراير 2021
نجلاء محفوظ


«المثقف هو من يتجاوز ذاته ليصل للمجتمع الأكبر..هو القادر على أن يجعل مشاكل الآخرين هموما شخصية له..هو ضمير عصره» جمال حمدان.



ولد جمال حمدان فى 4 فبراير عام 1928، وتخرج بتفوق فى جامعة القاهرة، كلية الآداب، قسم الجغرافيا، وعين معيدًا به، وحصل على الدكتوراة من بريطانيا.



فاز بجائزة الدولة التشجيعية عام 1959عن كتبه الثلاثة؛ «جغرافيا المدن»، «المظاهر الجغرافية لمجموعة المدينة»، و«دراسات عن العالم العربي». لكنه دفع ضريبة تفوقه؛ فتعرض للاضطهاد والتنكيل المعنوى والمادى من رؤسائه، حتى استقال عام 1963 احتجاجًا على حرمانه من حقوقه، وقال: شرط النجاح بمصر أن تكون اتباعيًا لا ابتداعيًا.



اعتزل الناس، ورفض مناصب دولية، ووهب حياته للبحث العلمى والتأليف، وأخلص لهما فمنحاه ما لم يفز به غيره؛ وكيف لا وهو لم يكن باحثًا عاديًا، بل كانت له رؤيته الخاصة وموقفه الوطنى الصادق.



لم يقلد حمدان أحدا ممن سبقوه؛ وشق لنفسه طريقًا خاصًا. وسع مفهوم الجغرافيا وجعله ينبض بالحياة، ونجح فى توصيله للقراء من غير المختصين، فربطه بالثقافة والسياسة والاقتصاد والعمران والإسكان والتاريخ .. وحفز الكثيرين على متابعة دراساته وأبحاثه الجادة والعاشقة لمصر دوما، والداعية لها، لتنهض من كبواتها التى طالت لتحتل مكانها ومكانتها فى العالم، كما يليق بها. تتخطى الجغرافيا عند حمدان الخرائط والحدود، تمتد لتشمل تفاصيل حياة البشر؛ وكما قال: تنفذ لروح المكان وتحدد عبقرية البشر وما يميز شخصية البلد.



كان عاشقًا «واعيًا» لمصر؛ يحبها وينبه لما يضرها، ويكشفه لها «لحمايتها» منه، وطالب مصر بثورة نفسية على نفسها ونفسيتها، وبتغيير جذرى بالعقلية والمُثُل وأيدلوجية الحياة، قبل أى تغيير حقيقى فى حياتها وكيانها ومصيرها؛ أى ثورة على الشخصية المصرية، ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر وكيانها ومستقبلها. وأشار إلى أن أبرز ملامح الشخصية المصرية هو المركزية الصارخة، وهى صفة متوطنة؛ لأنها قديمة قدم الأهرامات، مزمنة حتى اليوم. ودعا للتوقف عن الحديث عن مزايانا والتركيز على عيوبنا بشجاعة، ليس لننسحق بها ولكن لنسحقها، لا لنسيء لأنفسنا ولكن لنطهرها. وقال عن مستقبل مصر: نحن إما متفائلون بإسراف يدعو للسخرية أومتشائمون إلى حد متطرف قابض للنفس.



يُذكر اسمه عند الحديث عن مصر؛ كونه «ذاكرة» المكان والمكانة لها، ويُذكر أيضا عند الحديث عن فلسطين؛ كونه المدافع القوى الذكى والمثابر عنها، هو القائل: طلبت الصهيونية العالمية دولة لليهود بفلسطين؛ فأسسها لهم العرب؛ يعنى أن قيام إسرائيل وضياع فلسطين سببه العجز والتفرق العربى. وهو القائل: إذا قال اليهود لا معنى لإسرائيل دون القدس فنحن نقول لهم: لا معنى للعرب دون فلسطين.



كان عالمًا ينفذ لعمق الماضى والحاضر ليستشرف المستقبل ولا يكتفى بالقشور؛ لذا تنبأ عام 1968 بتفكك الاتحاد السوفيتى وهو ما حدث نهاية عام 1991، وتنبأ فى كتابه« بترول العرب» بزحف الاستعمار لاستغلال النفط العربى، وتنبأ أيضا بالصراع على مياه النيل بين مصر وإثيويبا. ورفض الصراع بين المسلمين والحضارة الغربية ورآه ضارًا وغير عملى وأصر على التعايش والاستفادة المتبادلة.



غادر حمدان الحياة فى 17أبريل عام 1993بعد أن أهدى مصر والعلم 29كتابًا و79بحثًا، منها «المدينة العربية»، «اليهود انثروبولوجيا»، «العالم الإسلامى المعاصر»، «دراسات فى العالم العربي»، «إسترتيجية الاستعمار والتحرير»، «إفريقيا الجديدة»، و«شخصية مصر ــ عبقرية الزمان والمكان» الذى أصدره عام 1966 ثم عكف 22عامًا على تطويره والتوسع فيه حتى أصدر منه مجلدات؛ قدم فيها كل ما يخص مصر؛ الجغرافيا والتاريخ والثقافة والماضى والحاضر والمستقبل، وتفاصيل الإنسان المصرى، وعرض بالجزء الرابع مشكلات مصر والعالم العربى بعين الطبيب النابه الذى يرى المرض ويجيد التشخيص ويقدم العلاج الشافى بقلب المحب المخلص.