عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
أسطورة يوسف إدريس
22 يناير 2021
محسن عبد العزيز;

مثل كثير من المبدعين لم يكتب يوسف إدريس مذكراته،وما تسلل عن حياته فى قصصه، ورواياته يظل غير كاف لنضع أيدينا تماما على الأسطورة التى حكمت مجرى حياته منذ الطفولة حتى أصبح ملء السمع والبصر.

وتبقى السيدة رجاء إدريس زوجته التى تسجل حياته فى قلبها وعقلها هى القادرة على رواية مذكراته بما تعى من تفاصيل هذه الحياة كبيرها وصغيرها، فقد أحبته بكل قلبها وعقلها، واحتملت نزوات موهبته التى كانت لا تنتهى.

روت لى السيدة رجاء أن يوسف إدريس عاش مع جده وجدته بعد أن تم انتزاعه من بيت أمه وأبيه ليلتحق بالمدرسة، وأنه كان يسير كل يوم نحو ثلاثة كيلو مترات من هذا المنزل حتى يصل إلى مدرسته الابتدائية فى فاقوس، وطوال هذا الطريق الطويل كان دائما يحلم بالعثور على الكنز ليبتعد عن هذا البيت القاسى والرتيب لعجوزين.

وكان الكنز بالطبع داخله هو الكتابة المؤجلة قصصًا وروايات ومسرحيات.

الكنز الذى ظل يوسف إدريس يخرج منه ما يمتعنا هو الأسطورة التى حكمت حياته وإبداعه، فطوال تاريخه سوف يظل ــ بهذا الكنز ــ يواجه التخلف والفقر والجهل.

وكما عانى يوسف إدريس الغربة والحرمان فى الحياة مع جده وجدته فإنه كان هدفًا للأطفال وشقاوتهم، لأنه غريب عن القرية، كانوا يضربونه ويتهمونه بسرقة أدواتهم المدرسية فيضربه المدرسون أيضا.

ووجد فى بيت جده القديم أول كنز عبارة عن 400 رواية من روايات الجيب، وألف ليلة وليلة، وحديث عيسى بن هشام، وأبوزيد الهلالى، ورجوع الشيخ إلى صباه، وراح يلتهم هذه الكتب هروبا من قسوة المحيطين به فى المدرسة وفى البيت، وهو لا يدرى أنه غارق فى اسطورته ليكشف كنزه الأكبر.

ومنذ طفولته ستكون السياسة عالمه الأثير يتلقى الضرب بسببها دائما، ففى عام 1936 تسلق سور المدرسة ليشاهد أول مظاهرة فى حياته يسمع فيها اسم مصر، ذلك البلد البعيد عن قريته، وبينما هو مستغرق فى الفرجة على المظاهرة يأمر مدير المدرسة الذى كان تركيا بإحضاره من فوق السور، وضربه 36 عصا فى الطابور أمام المدرسة كلها.

يجتهد يوسف إدريس فى التعليم ويلتحق بكلية الطب بعد أن يحصل على البكالوريا من مدرسة دمياط الابتدائية، لكنه يكتشف أنها ليست الكنز الذى يبحث عنه، وينضم إلى لجنة الطلبة والعمال فى جامعة القاهرة عام 1946، ويشترك فى المظاهرات ويتعرض للاعتقال وتكون المظاهرات بمثابة الحفر عن الكنز، وقد واصل الحفر كثيرًا حتى أصبح زعيمًا للطلاب فى كلية الطب.

وعندما نجحت ثورة يوليو كان من أشد أنصارها، أنشأ مجلة التحرير فى سبتمبر عام 1952 لكنها أيضا لم تكن الكنز لا الثورة ولا المجلة.

وواصل الحفر فى طريق آخر بحثا عن كنزه، وبعد عامين أصدر مجموعته القصصية الأولى «أرخص ليالى» لتقلب موازين كتابة القصة فى العالم العربى رأسًا على عقب، ولم يكد يضع يده على هذا الكنز الذى سيغير خريطة الإبداع القصصى عندنا، حتى قامت سلطات ثورة يوليو بالقبض عليه واعتقاله لمدة 13 شهرًا بتهمة الانضمام لتنظيم يسارى، بينما الأمر كان القبض على أسطورته متلبسة بالإبداع العبقرى بعد أن وجد الكنز الحقيقى الذى سيشكل أسطورته مثلما كان يحلم وهو صغير على الطريق الطويل من بيت جده وجدته إلى المدرسة.

خرج إدريس من معتقل الثورة منتصرًا بعد أن عثر على أسطورته التى تحرك مجرى حياته.

فكتب بغزارة بعد الإفراج عنه، وأصدر مسرحية «ملك القطن»، وقصص جمهورية فرحات، ورواية قصة حب، ومجموعة أليس كذلك، والبطل، ومجموعة حادث شرف، ومسرحية اللحظة الحرجة، وفى نفس الفترة أيضا تزوج من رجاء الرفاعى فى 28 أغسطس عام 1957.

فالعثور على الكنز أعطاه الثقة بالنفس للبحث عن فتاة تشاركه الحياة وتؤمن باسطورته.

وقد عثر على الزوجة الكنز التى ستكون شاهدة على مجرى الإبداع طوال حياته، وسوف يكتب يوسف إدريس جميع قصصه وهى جالسة أمامه، ولا توجد قصة له لم تقرأها رجاء لتكون دائما أول ناقد وأول قارئ تمشى كلماته الملتهبة فى دمها.

الكنز الذى يحكم حياة يوسف إدريس هو الذى قاد عبدالرحمن الخميسى ليكشف عن كنز إدريس الإبداعى بعد أن ظل صاحبنا 10 سنوات يكتب القصص ولا ينشرها حتى تقود المصادفة عبدالرحمن الخميسى الذى كان يزوره ليكشف كنزا من القصص الجميلة أخذها رغم أنف صاحبها، وقام بنشرها فى عدد من الصحف والمجلات، ليقوم أحمد أبوالفتح بعدها بتعيينه محررًا أدبيا مقابل 40 جنيها شهريا عام 1950 وكان راتب إدريس كطبيب 190 جنيها.

وصارت حياة يوسف إدريس عنيفة صاخبة بحثًا عن الكنز أو دفاعًا عنه، فدخل معارك عديدة ضد أساطين الجهل والتخلف أصحاب العقول الجامدة.

وبدأ أولى معاركه فى الكلية عندما كتب مقالًا فى مجلة «الجميع» التى كان يرأس تحريرها منتقدًا الدروس الخصوصية التى كان يعطيها أساتذة الكلية للطلاب، وتم فصله من الكلية لكن عاد مرة أخرى.. وقد كانت علاقة يوسف إدريس بالرئيس السادات ملتبسة، فرغم أنهما عملا معا فى منظمة المؤتمر الإسلامى فإن السادات أبعده مع عدد من المثقفين عام 1973.

وحدثت الضربة الكبرى ليوسف إدريس بعد انفتاح «السداح مداح» حيث انطفأ الكنز الإبداعى أو كاد، ولم يعد له القدرة على مواجهة الطفيليين الجدد وسماسرة التوكيلات فصمت أدبيا لمدة 15 سنة حتى منتصف الثمانينيات، وانتقاما من سارق الكنز أصدر يوسف إدريس كتاب «البحث عن السادات» ردًا على كتاب «البحث عن الذات» الذى اصدره السادات.

ودخل يوسف إدريس معركة قاسية مع وزير الثقافة محمد عبدالحميد رضوان بعد مقالته «أهمية أن نتثقف ياناس» دفاعًا عن عقل هذا البلد ضذ الطفيليين وبرامج تغييب العقل التى كان يزخر بها التليفزيون المصرى فى ذلك الوقت.

وكانت معركة غريبة؛ إدريس يطالب بالوعى والثقافة، ووزير الثقافة يتهمه بالغيبوبة! ورفع إدريس قضية ضد الوزير وكسبها، وحصل على تعويض 20 ألف جنيه.

ولم تتوقف معارك يوسف إدريس سواء مع الشيخ الشعراوى أو الدكتور أحمد شفيق حول اكتشافه دواء للإيدز أو حتى مع توفيق الحكيم.. وعندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام 1988 أحس يوسف إدريس بأن الكنز الذى ظل طوال العمر يحلم به، ضاع وراح يخوض حربًا غاضبة ضد الجميع، وكأنما تعرض لخيانة كبرى، وكأى عبقرى نزق راح يهدأ قليلًا ويقول ساخرًا لأصحابه: نجيب محفوظ رجل طيب هيصرف فلوس الجائزة فين، إنما أنا أصرفها جدا ويضحك ويضحكون فهو كان معروفا بالكرم الشديد.. لم يقبل يوسف إدريس أن يخونه كنزه بهذا الشكل، فتعبت نفسه وتعب قلبه، ودخل فى غيبوبة طويلة ليموت بعدها وعمره 63 عامًا فقط عام 1991 بعد أن ظل طوال عمره يبحث عن الكنز، ويغرف منه إبداعًا متوهجًا، لكنه عندما أحس أن كنزه خانه.. مات.

لتصبح حياته كما قال: قصة قصيرة طالت قليلًا.