عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
محمد صالح البحر: الطفـولة نبـع الإبداع
10 يناير 2021
محمود إبراهيم الشرقاوى
محمد صالح البحر


يرى أنه لا سبيل أمام المبدع إلا أن يكون إنسانا، يصارع من أجل معرفة ذاته، ولحظته الوجودية»، وأن الحكايات لا تملؤنا بمضامينها فحسب، بل بأشكالها وأرواحها وطابعها الذى يشبه البصمة. وأننا لا نفعل شيئا بعد أن نكبر سوى أننا نحاول تحقيق الأحلام التى راودتْ مخيلتنا هناك، وأنه مع التقدم فى العمر يزداد زمن الكتابة بقدر زيادة الحرص على الحفر..الروائى محمد صالح البحر صاحب «نصف مسافة» وحقيبة الرسول وموت وردة و«أزمنة الآخرين» و«ثلاث خطوات باتجاه السماء» و«فريكيكو» (مسرحية للطفل)، يؤكد فى هذا الحوار، أن الذين يتخلون عن إنسانيتهم يتخلى الإبداع عنهم.



 



 



تجربتك الإبداعية تعكس ثقافة الجنوب، وملامح من فترات الطفولة، ونشأتك تشير إلى دور الأسرة فى تشكيل وعيك الأدبى والمعرفى، ما روافدك الثقافية؟



الإنسان الذى بلا طفولة بلا ذاكرة أيضا، ولك أن تتخيل الحال التى يمكن أن يكون عليها إنسان ما يمشى بلا ذاكرة، فاقدا إحساسه بالزمان والمكان، والمصدر الذى أتى منه، والغاية التى يسير إليها، الطفولة هى التى توفر لنا كل ذلك، هى النبع الممتلئ دوما، والخزان الذى لا ينضب أبدا، ويتشكل فيها كل شيء، من التكوين الخارجى للشكل والملامح ولون البشرة والتعليم والمستوى الاجتماعى والاقتصادى للبيئة، وحتى التكوين الداخلى للروح والنفس والشخصية، والأفق الذى يتشكل فوقنا بقدر امتداد نظرتنا الصغيرة إلى السماء، أعتقد أننا لا نفعل شيئا بعد أن نكبر سوى أننا نحاول تحقيق تلك الأحلام التى راودتْ مخيلتنا هناك، وشكلتْ الروافد الأساسية لنهر الحياة، الأسرة التى تؤمن بفعل القراءة، والمدرسون الحقيقيون، والمكتبات التى لم توصد أبوابها فى وجهى أبدا، والصحراء، والجبل، والنهر، وأضواء المدينة التى تومض على البُعد القريب، وشريط السكة الحديد بامتداده اللامتناهى، وذلك البراح الموغل فى السِّعة باتجاه الأفق البعيد، إلى حد السماء، أعتقد أننى إنسان محظوظ إلى أقصى مدى، مهما حاولتْ الحياة أن تُكذِّب ذلك.



روايتك الأولى «حقيبة الرسول» تسببت فى إفساد علاقتك بكتاب كبار؟!



ربما لأنها أسقطتْ أسطورة عبد الناصر وتقديسه، وربما لأنها كانت ـ مع ثلاث روايات أخرى تقريبا ـ من أولى روايات جيل التسعينيات التى جازفتْ بها دور النشر فى جائزة البوكر فى بداياتها الأولى عام 2010م، وربما لأننى لا أُجيد التملق، وربما لأسباب أخرى لا أعلمها، أنت فى جميع الأحوال ترصد المشهد وتقرؤه فقط، ، إنها مخزون الروح والنفس والشخصية، ونحن لانُجيد التعبير عن تكويننا الداخلى بشكل علنى، أو حتى صادق وصريح.



استغرقت 11 شهرا متواصلة فى كتابتها أليست فترة طويلة نسبيا؟



«حقيبة الرسول» أتت بعد صدور مجموعتين قصصيتين، لكنها الرواية التى نُشرتْ أولا، أحد عشر شهرا ليست فترة طويلة لكتابة رواية تريد لها أن تبقى من بعدك، ومع التقدم فى العمر يزداد زمن الكتابة بقدر زيادة الحرص على الحفر، الإبداع ليس حِمْلا يجب أن تُلقى به قبل أن ترحل، الإبداع أثر تحفر بداخلك من حوله ـ بعناية فائقة ـ ليبقى من بعدك طويلا ومؤثرا وجميلا ، فأنت لا تعلم متى يداهمك الإبداع ، ولا متى ينتهى منك؟



أنت مهتم بالقضايا الإنسانية، ففى مجموعة «قسوة الآلهة»احتفاء بصراع الإنسان مع ذاته ومع الوجود؟



لا سبيل أمامك كمبدع إلا أن تكون إنسانا، يصارع من أجل معرفة ذاته، ولحظته الوجودية، قد يصل، وقد يظل سائرا إلى ما لا نهاية، المهم أنه لا يكل عن مقاومة الأشياء التى تسحقه، وتمنع عنه الحياة. والذين يتخلون عن إنسانيتهم يتخلى الإبداع عنهم، «قسوة الآلهة» صرخة الإنسان فى النور الذى يكمن ساكنا بداخله، لعله يحيا .



«نصف مسافة» رواية تدور فى أجواء أسطورة شتاء جاثم تليد، وطائر رسمه جندى على الأرض،عكست عوالم ساحرة بجماليات ألوانها، ودقة تفاصيلها، لماذا أنت متأثر بجو الأساطير؟



الأسطورة هى تحيين للحظات القوة السابقة، كى تُعيننا على مواجهة قسوة الحاضر، ليست أفعال الأبطال الخارقين فحسب، بل إن كل لحظة نستدعيها لتهبنا القوة أو الثقة أو الفرح أو الأمل هى أسطورة، كل ما يساعدنا على تجاوز آلامنا الراهنة، ويدفعنا إلى مواصلة الطريق، هو أسطورة، لذلك يحتاج كل منا إلى الأسطورة ليحيا، ونحتاج كمجتمع إلى الأسطورة لنتقدم، ويحتاج العالم إلى الأسطورة ليظل قابضا على فطرته الإنسانية، وينأى بحضارته عن طريق الهلاك.



روايتك الأحدث «حتى يجد الأسود من يحبه» تثير العديد من الأسئلة، ما المقصود بالأسود؟



هى ضد النبذ بكل أشكاله، الحياة ـ بعمد أو بطبيعتها التلقائية ـ قاسية، وهو ما يُنتج الكثير من الآلام للإنسان، ويدفعه إلى الوحدة والخوف والانعزال والجنون والمرض، ولا سبيل للخلاص سوى المحبة لمعرفة الذات والطريق، المحبة بكل أشكالها، الحب والرضا والبسمة والمقاومة والغناء والعمل والصدق والرقص والكلمات، ساعتها فقط سنتعلم كيف نحيا، وربما نصير أسطورة يتعلم منها كل الذين سيأتون من بعد، وتمهد لهم طريق الحياة.



أنت مقل فى أعمالك، يرى النقاد أن هذا الأمر أضفى زخما وثقلا على إنتاجك، هل تتفق معهم؟



أتفق، لأن الزخم والثقل يحتاج إلى وقت وصبر، ولا أتفق إذا كانوا يشيرون إلى الكم، فالإبداع لا يُقاس أبدا بعدد الأعمال، بل بقيمتها وقدرتها على التأثير والإضافة والبقاء .



شاركت فى الأمانة العامة لمؤتمر أدباء مصر لأكثر من دورة، فكيف ترى المشهد الإبداعى الراهن؟



لا أستطيع أن أُقيّم أحدا، فكيف أُقيّم مشهدًا بأكمله، إنه عمل الناقد لا المبدع، لكننى أرصد وأقرأ وأحاول جاهدا معرفة الطريق التى تخصنى، أرى مفردات المشهد كله وقد تكدستْ فى بطن خلاط كبير، مُحكم الغلق، ولا تكف سكاكينه الحادة عن الدوران المحموم، وأحاول بكل جهدى أن أنأى بنفسى عن «الفرم».