عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
جذور العروبة فى مصر
11 أكتوبر 2020
د. على الدين هلال


شاركت يوم 28 سبتمبر الماضى فى مؤتمر نظمه المجلس الأعلى للثقافة بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاة الرئيس جمال عبدالناصر، كانت المناقشات فُرصة لتذكير الأجيال الشابة من المصريين بالأحداث التى مرت ببلادنا فى حقبتى الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين وتقييمها. وذلك لأن التاريخ هو أحداث الماضى منظورا إليها بعين الحاضر للاستفادة من دروسها ودلالاتها.



كانت مشاركتى فى جلسة عن «الدائرة العربية» فى سياسة مصر الخارجية واخترت أن تكون مساهمتى لإبراز أن العروبة السياسية والثقافية فى مصر أسبق بكثير من ثورة 1952، ومن عبد الناصر، وأن إدراك الحكومات المصرية لهذه الدائرة، والاهتمام الشعبى بها،وتبنى المثقفين لها امتد بجذوره إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.



فظهر الاهتمام الشعبى والحزبى بالقضايا العربية مبكرا. ومن مظاهره مُشاركة عبدالرحمن عزام فى النضال الليبى ضد الاستعمار فى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، ثم دعوته الزعيم الليبى عمر المختار للحضور إلى مصر حيث قضى بها عامين.ومُشاركة محمد علوبة باشا بصفته وزيرًا للأوقاف فى المؤتمر الإسلامى العام الذى عقد فى القُدس عام 1931 لبحث قضية فلسطين. وفى نفس العام، قام مكرم باشا عبيد السكرتير العام لحزب الوفد بزيارة فلسطين وسوريا ولبنان، عاد منها ليتحدث عن المصالح المشتركة التى تربط مصر بهذه البلاد. وفى العام التالي، قام وفد من الكتلة الوطنية السورية برئاسة جميل مردم رئيس الوزراء بزيارة مصر. والتقوا مصطفى النحاس رئيس الوفد ومكرم عبيد، وكان ذلك فى وقت لم يكن فيه الوفد فى السلطة.



وعلى المستوى الرسمي، أقامت مصر علاقات دبلوماسية مع الدول العربية المُستقلة. ومن ذلك،إقامة العلاقات مع العراق عام 1921، وتم الاتفاق على إقامة سفارة مصرية فى بغداد وقنصليتين فى الرصافة وأربيل وهى حاليا عاصمة إقليم كردستان. ووقعت اتفاقية صداقة وتعاون مع السعودية فى مايو 1936، أعقبتها اتفاقية أخرى فى عام 1939 بشأن مشاركة مصر فى توسعة وتعمير الأماكن المقدسة. وكانت لمصر قنصلية فى مدينة القُدس الفلسطينية تولاها فى عام 1948 أحمد فراج طايع الذى أصبح أول وزير للخارجية بعد ثورة 1952. كانت مصر على صلة بالأحزاب والقيادات المطالبة باستقلال البلاد العربية، فاستخدم المناضلون الليبيون الصحراء الغربية لتهريب السلاح والمؤن إلى داخل ليبيا بدعم من نظرائهم المصريين، وكانوا يدخلون الأراضى المصرية لإعادة ترتيب صفوفهم قبل جولة أُخرى ضد القوات الإيطالية. وأقام الأمير ادريس السنوسى فى مصر لسنوات، وكتب مقالات فى صحفها مدافعا عن استقلال ليبيا.وفى القاهرة، عقد اجتماع بين الزعيمين اللبنانيين بشارة الخورى ورياض الصُلح مع رئيس الوزراء مصطفى النحاس لحل بعض الخلافات بشأن وثيقةالميثاق الوطنى واستقلال لبنان فى عام 1943. واختارها الحبيب بورقيبة رئيس الحزب الدستورى التونسى مقرا لمنفاه فى عام 1945، كما اختارها علال الفاسى رئيس حزب الاستقلال المغربى مقرا لمنفاه أيضا. كما اختارها أعداد من الفنانين العرب مستقرا لهم، مثل جورج أبيض وفريد الأطرش وأسمهان ونور الهدى وصباح وعبد السلام النابلسى وبديعة مصابني، والمنتجتين السينمائيتين آسيا داغر ومارى كويني،ومن الأدباء مى زيادة وفى الأربعينيات، كان لمصر دور رئيسى فى إقامة جامعة الدول العربية فاستضافت المباحثات التمهيدية التى عقدت بقصر أنطونيادس بالإسكندرية فى 22 أكتوبر 1944، والتى صدر عنها بروتوكول الإسكندرية، ثُم مباحثات القاهرة التى انتهت بتوقيع ميثاق الجامعة فى 22مارس 1945، ونص الميثاق على أن تكون القاهرة مقرا للجامعة والاتفاق على أن يكون أمينها العام مصريا، فتولى المنصب عبد الرحمن باشا عزام.وجاءت حرب فلسطين لتدعم الانخراط المصرى فى الشئون العربية والذى اتخذ شكل مشاركة متطوعين للقتال عام 1947، ثم المشاركة الرسمية للجيش المصرى عام 1948. وعلى المستوى الثقافى والفكري، برزت العروبة كإحدى مقومات الشخصية المصرية فى وقت مبكر، فظهرت مقالات فى الصحافة المصرية فى نهاية القرن التاسع عشر تدافع عن العروبة كهوية، وتدعو إلى توطيد أواصر العلاقة بين البلاد العربية. ودعم من ذلك أن مصر كانت الملاذ الآمن لأعداد من المفكرين العرب الشوام الذين هربوا من عسف السلطات العثمانية وكان لهم دور بارز فى تأسيس الصحافة والسينما والمسرح فى مصر، وكان من بينهم الشيخ عبدالرحمن الكواكبي.



ومع أن الوطنية المصرية كانت هى العنصر الأقوى فى حقبة العشرينيات وما تلاها، ظهرت الأفكار العربية فى أكثر من مُناسبة. ففى عام 1923 ثار جدل حول موضوع فضل العرب على الحضارة الإنسانية بين طه حسين وشيخ العروبة أحمد زكى باشا. وفى عام 1933، كتب عبد الرحمن عزام وفتحى رضوان ود.زكى مبارك وأحمد حسن الزيات صاحب مجلة الرسالة وعبد القادر حمزة صاحب جريدة البلاغ دفاعًا عن العروبة ردا على مقال لطه حسين أشار فيه إلى الغزو العربى لمصر. وفى نفس العام، ثار حوار بين د. محمد حسين هيكل ومحمد عبد الله عنان المدافعين عن الهوية الفرعونية وأحمد حسن الزيات المدافع عن العروبة. وبعدها بخمسة أعوام، كان هناك سجال آخر بين ساطع الحصرى أبو الفكر القومى العربى وطه حسين.وفى هذه الفترة، أسس مجموعة من طلاب جامعة القاهرة جمعية «الوحدة» التى نشطت فى مجال الدعوة للاتحاد العربى وتدعيم العلاقات مع الدول العربية. ومع مطلع الخمسينيات، أصبحت العروبة إحدى الروافد الأساسية للهوية المصرية، وجاءت ثورة 1952 لتحسم هذا الأمر من الناحية الرسمية، وأشار عبد الناصر إلى الدائرة العربية كأولى دوائر حركة سياسة مصر الخارجية. وجاء ادراكه لأهمية الدائرة العربية بناء على خبرته المباشرة فى الحرب العربية/ الإسرائيلية الأولى 1948، وفهمه للقيمة الجيوستراتيجية لمصر فى قلب هذه الدائرة، خاصة بعد مشاركته فى مؤتمر باندونج فى أبريل 1955 ولقائه نهرو وشوين لاى وتفاعله مع تيارات التحرر الوطنى فى عصر الحرب الباردة.