عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
خليل مصطفى.. رحيل موسيقار نبيل
9 أكتوبر 2020
محمد شعير


كثيرون - ربما- من المستمعين المتذوقين، لا الموسيقيين والمتخصصين، قد لا يعرفون صورته، أو حتي اسمه، لكنهم يعرفون جيدًا حالة الشجن التي تنتابهم، عندما يستمعون إلي موسيقاه، التي كانت علامة علي عصر الثمانينيات وأشهر أغانيه. علي أنغامه مازلنا نشعر - حتي الآن- بأن «السهرة تحلي» عندما نستمع إلي شدو مدحت صالح، ونستشعر حلاوة «الشمس الجريئة» في الصيف عندما يأتينا صوت حنان من ذلك الزمان، والآن.. بعد رحيله في صمت وهدوء يوم الجمعة 25 سبتمبر بعد صراع مع المرض، وعندما نستعيد صوت عمرو دياب من أواخر الثمانينيات، نقف في حزن إزاء موسيقار نبيل، وإنسان جميل، «شوَّقنا» قليلًا، ثم رحل أخيرًا.. موسيقار اسمه خليل مصطفي.



.............................



الرحلة الفنية التي استمرت مع أهم مطربي مصر حتي الألفية الجديدة، بدأت بأغنية «كان إحساسي صحيح» للفنان علي الحجار من ألبوم «اعذريني»، بكل ما فيها من رقة وعذوبة، ومزج بين ألحان الطرب الشرقي والقوالب الموسيقية الجديدة وقتها، لكن الموعد من النجاح المدوِّي جاء مع أغنية «عنوان بيتنا» للحجار أيضا، التي لحَّنها خليل مصطفي فوق «كوبري أبو العلا»!.



قصة «عنوان بيتنا» رواها الموسيقار الراحل للكاتب الصحفي مصطفي حمدي، الذي نقلها في كتابه «شريط كوكتيل»، وفيه يقول خليل: «بمجرد أن سمعت كلمات الأغنية تخيلت مشهدًا لفتاة بملاية لف تسير في حارة شعبية بينما يغازلها شاب جالس في المقهي مرتديا بدلة وطربوشا، كأن طيفا زارني من أفلام المخرج حسن الإمام، ليمنحني جملة موسيقية راقصة». طلب خليل مصطفي من صديقه علي الحجار أن يلحن الأغنية، لكن الأخير أخبره بأنه يعتزم إسنادها إلي الملحن أحمد منيب، الذي كان يحقق وقتها نجاحات كبيرة مع محمد منير. يضيف الموسيقار الراحل: «لا أترك كلمة تعجبني دون أن ألحنها، ولهذا أخذت الكلمات وقررت تلحينها لنفسي». وطوال طريق عودته إلي بيته ظل يدندن بالكلمات علي الجملة الموسيقية التي عُرفت بها الأغنية فيما بعد، وفوق «كوبري أبو العلا» التقي صدفة بعازف الناي الدكتور نبيل برجاس، فاستوقفه ليُسمعه اللحن. جلسا معا علي ظهر سيارة خليل الذي كان يغني، ونبيل يعزف بالناي، حتي لا يضيع اللحن من ذهن صاحبه.



انتهي كل شيء عندئذ بالنسبة له، فعل ما أحبه وكفي، لكنه فوجئ بعد يومين بعلي الحجار يتصل به ويطلب حضوره إلي الاستديو فورًا، ثم طلب الحجار أن يسمع منه اللحن قائلًا إن ما سمعه من برجاس أعظم من أي لحن آخر قد يسمعه للأغنية.. وهكذا جاءت «عنوان بيتنا» وجاء النجاح الأول الكبير في حياة الملحن الشاب.



انطلق خليل مصطفي في رحلة الإبداع، لكن الرحلة تميزت دوما بطابع خاص، تكرر كثيرًا معه، وهو كما هو؛ أغلب الأغاني التي مازلنا نتغني بها رفضها أصحابها وكثيرون غيرهم قبل خروجها، لكن الفنان المبدع كان يبحث ويصر ويثابر، كأنه مراهنٌ علي النجاح، الذي ما إن يتحقق - بل يبلغ عنان السماء- حتي يعض المطربون الرافضون أصابعهم ندمًا وكمدًا، لأنهم لم يستشرفوا ما رآه خليل في المستقبل.



أُعجب مدحت صالح بأغنية «عنوان بيتنا»، وغنَّاها لخليل مصطفي في أول لقاء يجمعهما، طالبًا منه أغنية مثلها، لكن المفاجأة أن الملحن الفنان عرض عليه أغنية أخري تماما، سبق أن قدمها مع الشاعر الغنائي رضا أمين كاتب كلماتها إلي «كل مطربي مصر» علي حد قوله لكنهم رفضوها.. أغنية «السهرة تحلي»!. في أحد لقاءاته التليفزيونية النادرة، التي كان آخرها قبل نحو عامين يروي خليل مصطفي تفاصيل القصة. علاء عبدالخالق رفض الأغنية وقال إنه يمكن أن يغنيها في الأفراح فقط، دون أن يضعها في ألبوم، وعلي الحجار اعتبرها «أغنية كباريهات»، بل إن الفنانة حنان التي كانت وقتها زوجة خليل مصطفي رفضتها هي الأخري، أما مدحت صالح فقد وافق بتردد علي الأغنية التي كان اسمها «هوا هوا» علي أن يضعها في ألبوم مقبل، إذ كان قد انتهي من أغاني الألبوم الذي كان مقررا أن يحمل اسم «مسافة السكة»، لكن المنتج عاطف منتصر - بعد تسجيل الأغنية- فاجأ مدحت بوضعها في الألبوم، بل تسميته باسمها الجديد الذي اختاره لها؛ «السهرة تحلي»، لتصبح هذه الأغنية العلامة انطلاقة أولي في مسار الأغاني الشبابية وقتها، بعد الانتقال من طريق الطرب الشرقي بشكله القديم. ولا تزال الأغنية التي رفضها الكل باقية في الوجدان حتي الآن.



بعد عام واحد، يتكرر الأمر ذاته مع أغنية «الشمس الجريئة»، لم تقتنع بها حنان، ورفضتها بإصرار، وفي لقاء عائلي مع مدحت صالح استعان به خليل مصطفي لإقناعها بالأغنية، وما إن سمعها مدحت حتي قال لحنان: «هي سيئة فعلا يا حنان.. هي أغنيتي أنا»، وضحك الجميع. غنت حنان الأغنية في النهاية، دون اقتناع ربما، لتصبح هذه إحدي أيقونات أغاني الثمانينيات، وحتي الآن.



«ولا تسوي دموع.. وسفر ورجوع.. ولا تحلي الدنيا إلا بناسها.. طب ليه نحتار.. بين ميت مشوار.. ما تسيبوا قلوبنا لإحساسها».. مرة أخري لم يلتقط إحساس المطربين كلمات وألحان هذه الأغنية؛ رفضها مدحت صالح في البداية، واعتذر عنها هاني شاكر، لكن خليل مصطفي جلس يسجلها علي شريط كاسيت تمهيدا لمنحها إلي مطرب آخر، وعندما سمعتها منه السيدة ليلي صديق زوجة مدحت صالح آنذاك همست في أذن المطرب الكبير بكلمات، فما كان منه إلا أن أوقف التسجيل وقال: «هذه أغنيتي»، وبالفعل غنَّاها مدحت، بل إنها أصبحت عنوان ألبوم كامل؛ ألبوم «ولا تسوي دموع».



ويتبدل الحال مع أغنية «شوَّقنا»؛ يلتقطها عمرو دياب، قبل دقائق من وصولها إلي إحدي المطربات اللبنانيات. المصادفة تجمع بين المطرب الذكي والملحن الموهوب أمام مصعد أحد الفنادق الكبري، خليل كان في طريقه لتقديم الأغنية للمطربة بينما كان عمرو عائدا من ممارسة الرياضة، تبادل الاثنان التحيات، وطلب عمرو سماع أحدث إنتاج خليل الذي كان قد قدم له من قبل أغنية «خالصين». غني خليل «شوَّقنا» داخل المصعد، فما كان من عمرو إلا أن اصطحبه إلي غرفته، ليحصل منه علي الأغنية التي تصبح عنوان ألبوم عمرو الجديد عام 89.



علي مدي الرحلة الطويلة، قدم كبار المطربين عشرات الألحان للموسيقار خليل مصطفي؛ أكثرهم مدحت صالح، وعمرو دياب وعلي الحجار وهاني شاكر وعلاء عبدالخالق وإيهاب توفيق وعامر منيب وأنوشكا ونادية مصطفي وآخرون، لكن آخر أعماله كانت في عام 2013 عندما لحَّن لعمرو دياب إحدي أغنياته الشهيرة، التي بدا كأن الموسيقار النبيل يبلغنا من خلالها رسالة أو يطلق إنذارًا؛ أغنية «سِبت فراغ كبير»!. «أين أنت؟!».. ذلك هو السؤال الذي ظل يلاحق خليل مصطفي في سنواته الأخيرة، لكن الرجل كان يبتسم في خجل ويكتفي بالقول: «أنا فاشل في تسويق نفسي». ولكن إن كان قد بقي لنا من كلمة أخيرة فإننا بدورنا نسأل: وهل يحتاج المبدعون الذين يشهد عليهم تاريخهم أن يبادروا بتسويق أنفسهم؟!. والحقيقة أن النبلاء هكذا؛ يقابلون التجاهل بتجاهل أشد، مهما تعتصرهم المرارة، لسان حالهم يقول: نحن موجودون، لمن يهتم، الأزمة ليست أزمتنا، تاريخنا يكفينا، المأساة مأساة عصر؛ عصر يهدم ويدهم، ولا يعرف للكبار قيمة. هكذا هم النبلاء دومًا؛ لا يعرضون أنفسهم، يعيشون في صمت، ويرحلون في هدوء.