عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
أسئلة كانط الكبرى
22 سبتمبر 2020
د. أنور مغيث


فى البدء كانت الفلسفة تبرر وجودها وتستمد شرعيتها من زعمها بأن هدفها هو البحث عن الحقيقة. ثم تبين أن العلم أكثر فاعلية ومصداقية فى هذا المجال. فبقى للفلسفة زعمها بأنها طب النفوس، ولكن تطور علم النفس والطب النفسى جعل كلام الفلسفة فى هذا المجال هو مجرد حيل بلاغية مريحة.



أراد الفيلسوف الألمانى كانط الذى ظهرت كتاباته الفلسفية فى الربع الأخير من القرن الثامن عشر أن يكشف عن ضرورة الفلسفة ومهامها التى تتميز بها عن باقى العلوم خصوصا أن له كتابات سابقة مهمة فى علم الفلك والجغرافيا.يرى كانط أن هدف الفلسفة هو الإجابة عن ثلاثة أسئلة كبري: ماذا يمكننى أن أعرف؟ ماذا يجب على أن أفعل؟ ماهو المسموح لى أن آمل فيه؟ الوجود فى نظر كانط أكبر من المعرفة، فهناك أشياء يمكننى معرفتها وأشياء أخرى موجودة لا سبيل لمعرفتها، فأنا حين أنظر إلى شيء وليكن مثلاً مبنى أو شجرة، ما أعرفه هو مظاهره الخارجية التى تتلقاها حواسي، لكننى لا أعرف الشيء فى ذاته. العقل هو أداة المعرفة لكنه يغامر ويشغل نفسه بمجالات لا سبيل أصلاً لمعرفتها، ولهذا يقع فى الارتباك والتناقض. فنحن نندهش من اتفاق علماء الرياضيات على أن مجموع زوايا المثلث 180 درجة ومن اتفاق علماء الفيزياء على صلاحية نظرية الجاذبية ونندهش بالقدر نفسه من الاختلافات الهائلة بين الفلاسفة فى قضايا اللاهوت والميتافيزيقا مثل خلود النفس وهل العالم نهائى أم لانهائي. للإجابة عن ذلك كتب كانط كتابه نقد العقل الخالص والذى يقول فى مقدمته أنه بمثابة محكمة تعيّن للعقل حدود اختصاصه والمنطقة المسموح له فيها بالحركة. ومن هنا كان النقد عند كانط يعنى تحديد المجال الذى ينبغى على العقل أن يلتزم به كى ينتج معرفة مجدية. وهذا المجال فى نظر كانط هو الطبيعة أو التجربة الواقعية. فأنا حين أتجه لركوب السيارة وأضع يدى على سطحها وأقول السيارة ساخنة، اللغة هنا لم تفعل سوى أنها ترجمت الانطباع الحسى الذى شعرت به، أما إذا قلت الشمس هى سبب سخونة السيارة، فهذا يعنى أن العقل قد تدخل ليربط بين ظاهرتين منفصلتين هما الشمس والسيارة بعلاقة السببية. فنحن إذن أمام حكم يجمع بين تجربتنا الحسية وتنظيم العقل لها. وفيما يخص سؤال ماذا يجب على أن أفعل؟ فهو سؤال الأخلاق ويحسمه كانط بأمر قطعى موجه للفرد: افعل بحيث يكون فعلك نموذجاً يقتدى به كل إنسان. والسمة المميزة للعمل الخلقى أو فعل الخير هو أن يكون فعلا منزها عن الغرض لا ينتظر الانسان من ورائه جزاءً ولا مكافأة.



نقرأ فى العادة فى كتب تاريخ الأفكار أن كانط هو آخر فلاسفة التنوير. ولكن هذا القول الشائع يتعارض مع مفهوم التنوير عند كانط نفسه والذى يتمثل فى الشعار الذى أعلنه فى مقالته ماهو التنوير؟ فلتكن لديك الشجاعة فى استخدام عقلك. فالتنوير فى نظره هو خروج من حالة الطفولة والقصور والوصول إلى سن الرشد والذى يتمثل فى تخلص الانسان من الأوصياء على عقله ليصيغ أراءه وقراراته بنفسه ويتحمل مسئولياتها. ولكن المشكلة فى أن الناس بدافع الكسل يستمرئون حالة القصور ويبحثون دائماً عمن يفكر لهم. ولا شك أن النداء الذى يوجهه لنا كانط بأن نتجرأ على استخدام عقولنا يستلزم الاعتراف بحرية التفكير فى المجتمع. وهو مبدأ دعا له فلاسفة كثيرون قبل كانط مثل لوك وفولتير وروسو. وكان فى تصوره التقليدى يعنى أن الإنسان حر فى مجاله الخاص، أما التعبير فى المجال العام فيخضع لضوابط معينة. ولكن كانط يقلب الآية فيجعل الفرد فى مجاله الخاص ملزما بإطاعة اللوائح، أما فى المجال العام فله حرية نقدها والمثال الذى يضربه كانط هو أن الفرد فى مجاله الخاص يكون ملزماً بدفع الضريبة المفروضة عليه، ولكنه فى المجال العام من حقه أن ينتقد السياسة الضريبية التى تتبناها الحكومة.



ألا يوجد تناقض بين سعى كانط لوضع حدود للعقل فى المعرفة ودعوته لنا بأن نستخدم عقلنا بحرية؟ يرى كانط أن الممارسة العلنية للنقد هى التى تتيح معرفة حدود العقل كما أنها من جانب آخر تشجع الخاضعين للوصايةالفكرية على رفضها والتفكير بأنفسهم. وفى النهاية بفضل ممارسة النقد يصبح المواطن مشاركاً فى صنع مستقبله. فالتنوير عند كانط هو فى الوقت نفسه صناعة للمستقبل وإعادة صياغة للذات، وهذا هو جوهر الحداثة. ويقول ميشيل فوكو إن الحداثة من منظور كانط ليست فترة تاريخية لها ما قبلها وما بعدها ولكنها سلوك يكون الفرد فيه مدعواً باستمرار لتغيير نفسه وتغيير العالم، ولهذا فالتنوير عند كانط جهد لن ينتهى.