عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
مجلس الشيوخ.. وسيناريوهات المستقبل
5 سبتمبر 2020
محمد أبو المكارم


مجلس الشيوخ بحكم طبيعته وتعريفه، مؤسسة معقدة الهيكل التنظيمى والمؤسسي، تضم اللجان الدائمة والنوعية والخاصة، والإدارات الفنية والبحثية والمعلوماتية والمالية والإدارية، وشئون الأعضاء والخدمات المساندة من الفريق المعاون، فضلا عن العلاقة مع السلطة التنفيذية من ناحية والدوائر الانتخابية والمواطنين من ناحية أخرى، وهذا يتطلب أهمية الاستثمار فى قدرات لجان الخبرة البرلمانية وتوفير مخزون غنى من الخبرات الاستشارية والبحوث السياسية للنواب فى مختلف المجالات لتمكين أعضاء المجلس من التعامل مع سيل القضايا الجديدة والمعقدة التى لم تألفها الحياة السياسية والتشريعية من قبل، مثل التكتلات الاقتصادية وعمل المنظمات الدولية وأنظمة الاحتكار الدولية العملاقة للسلع والمنتجات، ونظم الأسواق والبورصة والأوراق المالية، وقضايا الاستنساخ والهندسة الوراثية، ومجتمع المعلومات والتكنولوجيا وحروب الجيل الرابع، والاتفاقات الدولية والقضايا الاستراتيجية والنظام الدولى الجديد، والدبلوماسية البرلمانية والدور السياسى لأعضاء المجلس... وغيرها. مفهوم المنظمة المتعلّمة فى سياق التطورات التى تشهدها الساحة الإقليمية، والأبعاد الجيوسياسية للعبة السياسة والجغرافيا والمصالح، وما يصاحبهما من متواليات تشكّل أنماطا وأنواعا جديدة من مجموعات القوى الدولية الإقليمية، ونرسم من خلال هذا المقال سيناريوهات الأداء الأمثل لمجلس الشيوخ وتمكين منظومته التشريعية لتطبيق مفهوم المنظمة المتعلّمة ودورها فى صناعة التنمية السياسية، والذى برز فى التسعينيات من القرن الماضى على يد مبتكره بيتر سينج، لتعظيم الاستفادة من مخزون الخبرات والكوادر الوطنية فى دعم جهود تطوير السياسات العامة للدولة وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يستوجب أن يتسم التنظيم الداخلى للمجلس بثلاثة مرتكزات أساسية:



أولا: التمكين الذاتى لأعضاء المجلس, عبر تأسيس منهج مستمر لتطوير عمل المجلس التشريعي، إذ يمثل التدريب أهمية محورية فى عملية التطوير المؤسسى، والهدف أن يكون برنامج التدريب هو نافذة البرلمان على مجريات العصر، ووسيلة للاستفادة من خبرات التطوير المختلفة فى برلمانات العالم، قبل تراكم وتزاحم أجندة العمل البرلماني، والتوسّع فى أنشطة العمل الفنية والتشريعية لدعم قدرات أطراف العمل البرلمانى (الأعضاء والفنيين والمعاونين لهم) لمواكبة تلك الأعباء المستجدة وتطوير الأداء البرلمانى بوجه عام.



ثانيا: التفكير النّظمي: والذى يمثل الركيزة الأساسية لعمل مجلس الشيوخ المستند على منهج وإطار عمل يقوم على رؤية الكل بدلاً من الجزء ورؤية العلاقات البينية التى تربط بين أجزاء النظام التشريعى والمؤسسة التشريعية، وهيكلها التنظيمى بلجانه وإداراته وبيوت الخبرة والاستشاريين المساندين لعملية التشريع ، وهذا كله يستوجب مزيدا من الاهتمام بمنهجية عمل التفكير النّظمى لصناعة القرارات عبر تدرّج هيكلى لمسارات العمل الفنى والعمل النيابي.



ثالثا: الرؤية المشتركة والتى يجب أن يتبناها المجلس بجميع لجانه ودوائره ضمن خطة استراتيجية لمستهدفات الدورة البرلمانية للمجلس عن طريق رسم خارطة طريق مشتركة ومتماثلة، فالمؤسسات البرلمانية الناجحة حول العالم هى التى تستطيع جمع الأعضاء والنواب بها حول رؤية مشتركة وفهم موحد لتوجهات المجلس وتطلعاته المستقبلية لتحقيق المصالح الوطنية المبتغاة من دور المجلس فى تنمية الحياة السياسية والتشريعية. كذلك يبرز مفهوم (نظرية اللعبة السياسية) وهو من المفاهيم المهمة فى المساعدة فى عملية اتخاذ القرار عندما يكون ضمن عملية معقدة لمداولة ومناقشة القرارات واعتمادها بالنظر إلى المتغيرات الكثيرة التى تأخذ بعين الاعتبار اللاعبين الآخرين فى جانب السلطة التنفيذية والسلطة الرقابية والسلطة القضائية والتشريعية، وكيفية تأثير قراراتهم على مؤسساتهم، وهنا تكمن أهمية معرفة النظام المؤسسى الشامل لمختلف العلاقات بين المؤشرات وقوة التغيير وتأثيره الاجتماعى والسياسى والأمنى حتى يتسنى لأطراف العلاقة فى البرلمان رسم التصور الشامل والناجح لمختلف السيناريوهات المترتبة على توجهات ومؤشرات تلك القرارات فى عملية تشكيل المستقبل وقدرتها على التعامل مع التحديات واقتناص الفرص.



تلك كانت أبرز الإجراءات المتبعة فى برلمانات العالم الناجحة، حاولت رسمها، ليعتمد مجلسنا الموقر سيناريوهات المستقبل كأداة ضرورية لإعداد منظومة الحوكمة الإدارية وتوفير متطلباتها خلال المائة يوم الأولى، من أجل تفادى أسباب فشل أساليب التخطيط التقليدى فى النسخة السابقة من المجلس فى مواجهة تحديات المستقبل.