عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
طه حسين والعقاد فى البيت الحـرام
24 يوليو 2020
صلاح البيلى



  • طه حسين مجيبا عمن سأله عن مشاعره أمام الكعبة وقبر الرسول: أعجب لقوم يتدخلون بين المرء وربه!


  •  


  • العقاد يقول بعد زيارته بيت الصديق وغار ثور: بكيت بكاء حارا لجهاد السيدة أسماء بنت أبى بكر











هل تعرف أن عميد الأدب العربى د. طه حسين زار الأراضى المقدسة سنة 1955 وأدى شعيرة العمرة وزار الكعبة المشرفة, وأن الشيخ الشعراوى وقف يمدحه بقصيدة رفعته للسماء؟ وهل تعرف ماذا كتب العقاد عن مشاعره وهو فى أرض الحجاز حاجا.



فى السطور التالية إجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.



.......................







عميد الأدب العربى د. طه حسين زار الأراضى المقدسة لمدة تسعة عشر يوما وبدأت الزيارة فى 15 يناير سنة 1955 وكانت الزيارة له بوصفه رئيسا للجنة الثقافية بجامعة الدول العربية والتى انعقدت دورتها آنذاك فى جدة ولأن طه حسين كان ملء السمع والبصر فقد احتفت به الصحافة السعودية والملك والأمراء والتقى آنذاك الأمير فهد بن عبدالعزيز الذى صار الملك لاحقا، كما زار الكعبة المشرفة وأدى شعيرة العمرة والتقطت له الصور وهو يقبل الحجر الأسود، كل ذلك ذكره وجمعه من صحف هذا العصر محمد القشعمى ونشره فى كتاب سنة 2009، نقول هذا لأن صورة طه حسين تجسد فى الوعى العام كل ما هو غربى وتجديدى وتمرد على الثقافة التقليدية والأزهرية التى نبع وبدأ رحلته منها، وطه حسين نفسه هو الذى خاض معارك شتى مع خصومه ومع أصدقائه وكان معتزا بما يفعل وينادى لدرجة أنه لما نادى بالتعليم كالماء والهواء وهو وزير للمعارف فى حكومة مصطفى النحاس قبل ثورة 23 يوليو 1952 وصفه حاقدوه بأنه (وزير الماء والهواء) ولم يغضب منهم كما ذكر فى حوار صحفى (للأهرام) مع سامح كريم، وعبر عن سعادته بزيارة السعودية خاصة مكة والمدينة وعرفات وكل المزارات، كان يريد أن يقتبس من موطن الوحى الأول واختلطت مشاعره هناك وهاجه الشوق والحنين لأيام بعثة خير الأنام.



يقول مؤلف الكتاب محمد القشعمى إن الدورة التاسعة للجنة الثقافية العربية افتتحت بقصر الكندرة بجدة مساء السبت 21 من جمادى الأولى سنة 1374 هجرية الموافق 15 يناير سنة 1955 م برعاية الأمير فهد بن عبدالعزيز وزير المعارف السعودى آنذاك، ورئاسة د. طه حسين وبمشاركة وفود من مصر والأردن وسوريا ولبنان والسعودية واختتم المؤتمر 25 من يناير بحفل عشاء ضم كل الوفود ووزير المعارف وأدباء السعودية وكتابها.








الشيخ الشعراوى يمدح عميد الادب العربى بقصيدة من122 بيتا



وفى مستهل زيارته للمدينة المنورة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم سأله مندوب جريدة (المدينة) عن مشاعره وهو يحط قدمه فى مطار مدينة الرسول فقال: (كيف تريدوننى أن أرفع صوتى فى هذا البلد، وقد نزل فيه قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)، وحين سألوه لاحقا كيف كان يدعو أمام قبر الرسول وحول الكعبة قال عبارة موجزة ومهمة، قال:(أعجب لقوم يتدخلون بين المرء وربه)!



وكانت الصحافة السعودية كلها قد نوهت بزيارته كصاحب قلب ذكى وذهن جبار ومنطق سليم ومثقف من طراز نادر وثروة قومية نعتز بها، وحين أجرت معه مجلة (منهل الطلبة) حوارا وسألته عن سبب توقف مجلة (الكاتب) أجاب: قاتل الله الخصومة السياسية فإنها لم تعرض لشئون الأدب والسياسة إلا أفسدتها. وحين سئل كعميد للأدب العربى عن متابعته للأدب السعودى، أجاب بأنه ليس عميدا للأدب العربى ولكنه كلام يقال، وأسف لأن متابعته قليلة وما يأتى مصر هو النادر، وحين سئل عن أحب مؤلفاته إليه قال: لا أحب منها شيئا!



وكان الأديب المفكر أمين الخولى قد ألقى كلمة ارتجالية جميلة فى اللقاء الرسمى خاطب فيها أبناء العروبة وحثهم على التعاون وذكر جيران الحرمين بكل خير، ثم قام الشيخ محمد متولى الشعراوى عضو بعثة الأزهر فألقى قصيدة ترحيب بعميد الأدب العربى أوردها د. صابر عبدالدايم جامع ديوان الشعراوى فى ديوانه الصادر عن هيئة الكتاب سنة 2009 وقصيدة الشعراوى تتكون من 122 بيتا وعنوانها (انشروا العلم ما استطعتم إليه سبيلا) ولطولها نقتبس منها هذه الأبيات: (يا عميد البيان أنت زعيم بالأمانات أريحى الأداء)



(لك فى العلم مبدأ طحسنى سار فى العالمين مسرى ذكاء) (لك أيد على المعلم فى مصر أزاحت عنه عنيف العناء) (ركب طه حياك فى بلد الله جلال للكعبة الشماء) (ركب طه حيتك زمزم تسقى كل ضيف لله أروع ماء) (ركب طه هنا مطلع طه وانبثاق الشريعة السمحاء) ثم يقول راجيا: (يا عميد البيان لا تحرم الأزهر عونا بصائب الآراء).



الحاج عباس العقاد



وأورد العقاد تفاصيل رحلته للأراضى المقدسة فى مقالات متفرقة وجمع بعضها فى كتابه (اليوميات) ونجح محمد عبدالشافى القوصى فى جمعها وغيرها من رحلات المشاهير فى كتاب وثائقى مهم عنوانه (رحلات الأعلام إلى البلد الحرام) وصدر عن هيئة الكتاب سنة 2014 وتناول فيه الرحلة الحجازية للخديو عباس حلمى الثانى، والرحلة الذهبية لسلطان مالى، ورحلة المؤرخ خير الدين الزركلى باسم (ما رأيت وما سمعت) ورحلة قاضى بيت المقدس محمد سعيد العورى باسم (الرحلة السعودية الحجازية النجدية)، والرحلة الحجازية لمحمد لبيب البتانونى، ورحلة عبدالوهاب عزام، ورحلة محمد شفيق أفندى مصطفى، وقبل ذلك تعرض المؤلف لقصة بناء الكعبة وما دار حولها من حكايات على مر العصور، فماذا قال العقاد؟..



حين وصل ركب العقاد أسفل غار حراء قال لهم: (لابد أن أصعد وحدى الجبل وأجلس فى المكان ذاته الذى اجتمع فيه أمين الوحى جبريل مع الصادق الأمين حينما قال له: إقرأ).



ووصف العقاد مشاعره حين كتب قائلا: (إن محمدا قدوة للمقتدين فى المناقب التى يتمناها المخلصون لجميع الناس، لذلك فالناس أحبوا الرجل الذى تمثلت فيه العقيدة على أكمل مثال فانبهروا بالرجل المثال وآمنوا بالعقيدة التى بدت أمامهم ممكنة بل متحققة).



وعن شوقه الجارف لزيارة غار ثور ومنزل أبى بكر كتب: (لا أستطيع أن أخفى شوقى الجارف وحنينى القديم إلى رؤية بيت الصديق ولما دخلت الدار شعرت أننى أحاوره فيما كان من شأن الدعوة فى مهدها، وكأنه دعانى إلى زيارة غار ثور الذى مكث فيه وصاحبه الكريم للوقوف على حقيقة الأمر، فقصدت الغار وقطعت ما يقرب من ثلاثة كيلومترات وتذكرت أسماء بنت أبى بكر وهى تغدو وتروح فى هذه الطريق التى لا يمكن أن يأمن فيها المرء على نفسه ولو بصحبة حراسة مشددة وتساءلت: كيف خاطرت هذه السيدة بحياتها فوالله لقد باغتتنى هذا الخواطر وبكيت بكاء حارا لجهاد السيدة أسماء).



ويصف العقاد لقاءه بالملك عبدالعزيز آل سعود وقد عايشه أياما فى مكة رأى كيف يدير مملكته وكيف يستشير مجلس الشورى فى شئونه وكيف وطد الأمن والسلام وبسط حكمه ثم يقول: (الملك عبدالعزيز كجميع الأقوياء المناضلين من أصحاب المزاج الحيوى والطبائع الأبية يساوره الغضب بل يشتد به أحيانا ولكنه لا يتسرع بالعداء ولا يبدأ بالهجوم على خصومه ويراجع نفسه بعد ثورتها فيسترضى من أصابتهم تلك الثورة ومخافة الله هى أكبر عاصم له من ثورة غضبه لأنه يؤمن بالله حاضر الجزاء والثواب).



وعندما عاد العقاد لمصر وسئل عن مشاعره وهو يؤدى الركن الخامس من الإسلام قال: الرحلة وجدانية إيمانية شعورية تمتزج فيها العواطف الجياشة بحلاوة الايمان مما يجعل التعبير عنها من الصعوبة بمكان لذلك فهى تحس أكثر مما توصف، أما الحج فهو الفريضة التى تتمثل فيها الأخوة الانسانية على تباعد الديار واختلاف الشعوب والأجناس، وهى بمنزلة صلة الرحم وتبادل الزيارة بين الأسرة الواحدة يجمعها الملتقى فى المكان الذى صدرت منه الدعوة إليها وهو أجدر مكان فى بقاع الأرض أن يتم فيه هذا اللقاء).