عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
تعقيدات المشهد التونسى
16 يوليو 2020
وفاء صندى


قبل أسبوع، حذر الرئيس التونسي من خطورة محاولة الزج بالجيش في صراعات سياسية داخلية علي خلفية الاحتجاجات التي تشهدها ولاية تطاوين جنوبي البلاد.ونبه من خطورة ما يجري بخصوص سعي البعض إلي تفجير الدولة من الداخل، عبر ضرب مؤسساتها ومحاولات تغييب سلطتها بعدد من المناطق. تصريحات قيس سعيد تأتي بعد أسابيع من الاحتجاجات القطاعية والجهوية التي تعيشها عدة مناطق في تونس، منها احتجاجات المكناسي، واضراب النفيضة وحاجب العيون، وصولا الي الاحتقان الشعبي المتصاعد في مدينتي تطاوين ورمادة. وعلي الرغم من ان الرئيس التونسي لم يكشف عن الجهات التي يقصد بانها تحاول زج الجيش في اتون الصراعات، فإن البعض اعتبر ان المقصود هو المجموعات الارهابية الموجودة علي الحدود الليبية التونسية التي تسعي الي تهديد الامن القومي التونسي. بينما أشار البعض الآخر بأصابع الاتهام مباشرة لحركة النهضة، التي تم تغيب رئيسها، باعتباره رئيسا للبرلمان، عن الاجتماع الذي جمع الرئيس التونسي بالقيادة العسكرية والأمنية للبلاد.



والنهضة تتحمل بشكل كبير ما آلت اليه الأوضاع في البلاد. قبل ثلاث سنوات وقعت، حين كانت أغلبية في حكومة يوسف الشاهد، اتفاق الكامور مع المحتجين ووعدت سكان المحافظة بالالتزام بنص الاتفاق، إلا أنها أخلّت بوعودها بعد ذلك.ومع اقتراب الحملة الانتخابية التشريعية والرئاسية في 2019، عادت لتدوير الاتفاق وجددت وعودها السابقة، لكنها لم تلتزم به، مرة أخري، مما أجج الأوضاع أكثر ودفع الأهالي الي التصعيد من اجل الضغط علي الحكومة الحالية للاستجابة إلي مطالبهم ومنها تفعيل الاتفاقيات السابقة، التي تتضمن مشاريع تنموية وقرارات بتشغيل آلاف الشباب.



بالإضافة الي الوضع الاجتماعي المحتقن، يشهد الوضع السياسي ازمة حادة بعد الاتهامات بتضارب المصالح التي طالت رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ والمطالبة باستقالته، وخلافات عدد من الأحزاب مع قيس سعيد، وتوتر العلاقات بين رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان نتيجة غياب صيغة لتحديد الصلاحيات بينهما. من ناحية، راشد الغنوشي لن يكتفي بدور تقليدي كرئيس مجلس نواب، خاصة انه علي مدير السنوات الماضية تعود علي شكل معين من الممارسة السياسية في ظل التوافق الذي كان بينه وبين الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وهذا التوافق غائب مع الرئيس الحالي. أيضا، يعاني المشهد السياسي التونسي عدم التوافق داخل أحزاب الأغلبية، وتصاعد الصراعات بين الكتل داخل البرلمان،الشيء الذي حوله الي حلبة صراع وتبادل الاتهامات وتسجيل المواقف وافشال اللوائح المتبادلة. ولعل التصويت الأخير لنواب التيار الديمقراطي وتحيا تونس في مكتب البرلمان، علي تمرير لائحة للجلسة العامة قدمها الدستوري الحر تصنف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، هو في نظر حركة النهضة طعنة من حلفائها في الحكومة.



اثر هذه الطعنة، صعّدت حركة النهضة من لهجتها وأعلنت، الأسبوع الماضي، في بيان صادر عن مكتبها التنفيذي إعادة تقدير موقفها من الحكومة والائتلاف المكون لها.وأدانت محاولة شركائها في الحكومة استهدافها المتكرر والاصطفاف مع ما اعتبرته قوي التطرف السياسي. وقد حاول مجلس شوري النهضة فعليا سحب البساط من تحت حكومة الفخفاخ، الاثنين الماضي، عندما كلف الغنوشي بإجراء مفاوضات مع رئيس الجمهورية والقوي السياسية والاجتماعية لبدء مشاورات تشكيل حكومي جديد، الشيء الذي رفضه رئيس الدولة ما دام رئيس الوزراء الحالي لم يقدم استقالته أو لم توجه له لائحة اتهام.في المقابل، بدأت أربع كتل برلمانية تمثل أحزاب تحيا تونس والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وهي أحزاب مشاركة في الائتلاف الحاكم اضافة الي كتل الاصلاح الوطني، الاثنين الماضي، اجراءات لسحب الثقة من رئيس البرلمان بسبب ما وصفته بأنه إدارة سيئة للمؤسسة البرلمانية وخروقات وتجاوز للصلاحيات وأيضا العلاقة المشبوهة بين رئيس النهضة وتركيا. وقد زادت الزيارة السرية التي قام بها الغنوشي، في يناير الماضي، الي تركيامن الانتقادات الداخلية لتوجهات حزبه.واعتبرها سياسيون أنها تؤكد مدي انخراط الغنوشي وحركته في محاور خارجية تخدم اجندتهم الأيديولوجية علي حساب مصلحة الوطن العليا. الوضع الاجتماعي والسياسي في تونس في غاية التعقيد. لا شك ان حركة النهضة تتصرف ببراغماتية وحرص شديد علي السلطة، واذا ما نجحت الكتل البرلمانية في جمع 73 توقيعا علي الاقل من اجل إجازة التصويت في جلسة عامة، وينص النظام الداخلي للبرلمان الحصول علي تصويت أغلبية مطلقة تبلغ 109 نواب لسحب الثقة من رئيس البرلمان. امام هذا الاحتمال، وبالنظر لعدم التوصل بعد الي صيغة لتشكيل حكومة جديدة، ستكون إعادة الانتخابات التشريعية احد الحلول لإنتاج مشهد جديد، ربما اكثر انسجاما وأقل تجاذبات من المشهد الحالي. لكن تكلفة ذلك ستكون عالية علي المستوي الاقتصادي والامني، خاصة في ظل وجود الارهابيين والمقاتلين السوريين الذين نقلتهم تركيا الي ليبيا، والذين سيتم استخدامهم كورقة ضغط لخلق الفوضي وتخويف الشارع التونسي من مصير مماثل.